المختصون يحذرون من ارتفاع محير للأمراض العقلية والنفسية بين أطفال الجزائر

الجزائر – يوسف تازير – كشفت إحصائيات مصلحة الأمراض العقلية بمستشفى “دريد حسين” بالعاصمة الجزائرية، عن تضاعف عدد الأطفال المصابين بأمراض عقلية ونفسية بين عامي 2010 و2011 ، حيث ارتفع العدد من 6157 إلى 11643 بعدما كان عدد الحالات هو 5144 فقط في عام 2009.

المختصون يحذرون من ارتفاع محير للأمراض العقلية والنفسية بين أطفال الجزائر
وتظهر الأرقام والبيانات التي حصلت عليها وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ) من المصلحة “ج” المختصة في الأمراض العقلية للأطفال بمستشفى “دريد حسين” أن عدد الأطفال الذي زاروا المصلحة للعلاج من أمراض عقلية ونفسية العام الماضي انتقل من 2779 إلى 3029 حالة بين شهري كانون اول/ ديسمبر و كانون ثان/ يناير، فيما لم يكن ذلك العدد يتجاوز 1600 حالة كل شهر عامي 2009 و 2010.

ويشكل عدد الأطفال الذين يزورون مصلحة الأمراض العقلية وفقا لهذه الإحصائيات قرابة نصف العدد الإجمالي للمرضى الذين يزورون المؤسسة الاستشفائية “دريد حسين” والمقدر عددهم بـ27800 مريض، منهم 739 يتم إبقاءهم تحت المتابعة بالمستشفى بنسبة شغل للأسرة تقدر بـ16ر91 بالمئة حيث تستمر مدة الإقامة غالبا لفترة سنة كاملة في المستشفى.

طاقة الاستيعاب الضعيفة وسوء التكفل يؤزمان الوضعية
أرجع الأخصائي في علم النفس، خالد كداد، تزايد الإصابة في أوساط الأطفال بالأمراض العقلية والنفسية، إلى طبيعة المجتمع بالدرجة الأولى حيث أن العنف سائد في كل المؤسسات والهيئات الاجتماعية بدءا من الخلية الأولى وهي الأسرة التي تهمل الصحة النفسية للطفل وبل اكثر من ذلك فإنها تساهم من حيث لا تدري في تحول سلوكاته لتصبح أكثر عدوانية.

يقول كداد ” عدد الأطفال المصابين بهذه الأمراض في تزايد والأرقام تتجه نحو التصاعد من سنة لأخرى كما تكشف التقارير، وما يزيد من تفاقم الوضع التكفل المناسبتي للسلطات المعنية بهذه الأمراض التي لا تؤخذ على محمل الجد”.

وأثار كداد، اشكالية بقاء العديد من الحالات من دون شفاء مما يشكل بدوره عبئا على العائلات التي تواجه حالات صعبة لا يمكنها التحكم فيها، وتقف عاجزة أمام عدم قدرة أبناءها على الاندماج في المجتمع وهو ما يهدد مستقبل العائلة والمجتمع على حد سواء.

ويرى كداد، ان طاقة الاستيعاب والتكفل غير اللائق في الكثير من الحالات، يعقدان الوضعية مشيرا إلى أن “مئات الأطفال يتابعون علاجهم في مراكز خاصة بالراشدين، أطباؤها ليست لديهم المعارف المتخصصة في طب الأمراض العقلية الخاصة بالأطفال”. واستطرد يقول “في وقت يعد الأخصائيون في هذا المجال على الأصابع ، يرفض العديد من الأطباء التوجه نحو هذا التخصص لضعف التكوين وطرق تطوير المعارف الطبية”.

من جهته، يعترف رئيس مصلحة الأطفال المرضى عقليا، ولد طالب محمود، بأن عدد المرضى المصابين عقليا مرتفع مما يجعل المؤسسة الاستشفائية التي يشتغل بها غير قادرة على استيعاب كل المرضى القادمين إليها، إذ تغطي جزءا هاما من الساكنة في العاصمة الجزائر وضواحيها.

وحسب الإحصائيات، فإن الجزائر بكاملها لا تتوفر إلا على 16 مؤسسة استشفائية للصحة العقلية، و30 مصلحة لطب الأمراض العقلية في المؤسسات الاستشفائية العمومية التابعة للدولة، وأغلبها مصحات عاجزة عن استقبال التدفق الكبير للمرضى الذين قدرهم وزير الصحة،جمال ولد عباس، قبل فترة قصيرة بنحو مليون مريض، في حين يرفض الأخصائيون والجمعيات الناشطة في مجال الطب هذا الرقم ويجزمون أن العدد يفوق ذلك بكثير مؤكدين أن هذه المؤسسات الاستشفائية بالإضافة الى عجزها فإنها لا تستطيع استقبال الأطفال المرضى لديها لعدم التخصص.

الكفاءات الطبية المتوفرة والإمكانيات المسخرة غير كافية
يواصل البروفيسور ولد طالب، اعترافاته ويقول بأنه بالرغم من توفر الكفاءات الطبية المعترف بها والإمكانيات المادية التي تقدمها الدولة للقطاع إلا أن المؤسسة الاستشفائية للأمراض العقلية التي يسيرها تعاني من نقص كبير في العدد ومن حيث تخصص الموارد البشرية وخاصة سلك الممرضين و أعوان شبه الطبي. وتوجه ولد طالب بنداء للسلطات العمومية من أجل إيلاء عناية خاصة بهذا التخصص لا سيما في مجال التكوين، وذلك باتخاذ إجراءات تحفيزية و تحسيسية من أجل تغطية العجز المسجل على المدى المتوسط على الأقل.

وحسب إحصائيات الوزارة نفسها، فان نقصا كبيرا سجل على مستوى كل التراب الجزائري في تخصص أطباء الأمراض العقلية والانهيارات العصبية، حيث لا يوجد سوى 615 طبيب مختص في حين لا يتجاوز عدد الممرضين المتخصصين رقم 344.

ويؤكد أخصائيون من مصلحة الأمراض العقلية بمستشفى “فرانس فانون” بمدينة البليدة التي تقع على مسافة 40 كيلومترا جنوب الجزائر، ان الأوضاع الاجتماعية السيئة تأتي في المركز الأول هلى قائمة العوامل المسببة للإصابة بالأمراض العقلية ويشترك في ذلك الأطفال والراشدين على حد سواء.

كما ساهمت الاضطرابات التي عاشها المجتمع الجزائري خلال العشرية السوداء والكوارث الطبيعية من زلازل وفيضانات وغيرها، في خلق حالات مستعصية لم يشف عدد منها بالكامل لحد الآن مؤكدين أن البطالة والفقر تسببتا في ما بين 40 إلى 50 بالمئة من المصابين بمختلف الأمراض العقلية.

“التوحد” مرض منسي لا ينجو منه سوى ثلث المرضى
يقول البوفيسور ولد طالب، أن مرض التوحد يعد من بين الأمراض الاكثر معالجة في مصلحته لافتا انه يوجد في الجزائر80 ألف طفل تترواح أعمارهم بين 15 شهرا و17 عاما، مصاب بهذا المرض المصنف ضمن ما يسمى بـ “الأمراض المنسية”، لكنه يؤكد ان مصلحته لا تستطيع سوى ادماج ثلث الأطفال الذين خضعوا للعلاج في المدرسة.

يرى وزير الصحة جمال ولد عباس، أن ادماج ثلث المرضى المصابين بالتوحد في المدرسة يعتبر نسبة ضئيلة وان الحكومة ستعمل على تقديم كل الوسائل من أجل رفع نسبة الادماج هذه في السنوات الأربعة القادمة حتى تصل إلى ما بين 60 و 70 بالمئة .

وأكد ولد عباس، الذي يواجه صراعا مفتوحا من مختلف تقابات الصحة منذ مدة ليست بالقصيرة، أن وزارة الصحة ستمول كل أعمال وبحوث المختصين في طب الأطفال وطب الأمراض العقلية والأمراض العقلية لدى الأطفال من أجل تمكينهم من القيام بعملهم في أحسن الظروف.

وحسب محمد وهو احد المختصين في الطب العقلي فإنه لو تم اخضاع كل الاطفال للمعاينة من هذا المرض وأجريت التحاليل مباشرة بعد الولادة و تم الشروع في العلاج في الشهر الثامن عشر من العمر فكان يمكن انقاذ 15 الف طفل من مرض التخلف العقلي. وأشار ذات المصدر إلى أنه بالرغم من اعتماد الجزائر لبرنامج “شوبلر” المتعارف عليه عالميا إلا ان النتائج ليست مرضية بالقدر المطلوب.

معالجة الأطفال من الأمراض العقلية الناجمة عن المخدرات إشكالية اضافية
لدى تواجدنا بمستشفى الامراض العقلية “دريد حسين”، أثار مجموعة من المختصين إشكالية الأمراض العقلية الناجمة عن تعاطي الأطفال والمراهقين للمخدرات، والتي تؤدي بهم غالبا إلى الانهيار العصبي والانتحار في ضل غياب المتخصصين في معالجة هذه الحالات حيث توكل المهمة للمؤسسات المكلفة بمعالجة المدمنين الراشدين وحسب الديوان الوطني الجزائري لمكافحة الإدمان على المخدرات، فان 45 بالمئة من تلاميذ الثانويات يستهلكون المخدرات.

ويرى الدكتور مسعودي، وهو مختص في الأمراض العقلية، أن نسبة 8 بالمئة من المراهقين الذين يتعاطون المخدرات هم فتيات، في حين قدرت نسبة الاستهلاك في المناسبات الخاصة نتيجة دافع الفضول والمتعة بحوالي 35 بالمائة.ولم يسجل عزوف سوى 12.5 بالمئة من العدد الاجمالي عن الاقلاع عن تعاطي المخدرات بصفة نهائية.

وتشير مختلف الدراسات في الجزائر، إلى أن المخدرات تحتل المرتبة الثانية، في أسباب الإصابة بالأمراض العقلية لدى كل الفئات العمرية، حيث يصل عدد الشباب المدمنين على مختلف أنواع المخدرات الى حوالي 600 ألف شاب سلامتهم العقلية أكثر عرضة للإصابة بالأمراض العقلية مقارنة بالأشخاص الاخرين.

وحسب البروفيسور ولد طالب، فان إشكالية كبيرة تطرح في مجال التكفل بالأطفال المدمنين على المخدرات وكيفية معالجتهم لعدم وجود مصالح متخصصة، اذ يتم في المرحلة الحالية اخضاع المراهقين للعلاج الذي يتلقاه البالغون. وأكد ولد طالب، أنه تلقى عدة اتصالات من قبل أخصائيين في الطب العقلي من مختلف المستشفيات بالجزائر، مضمونها التكفل بمئات الحالات لأطفال ومراهقين.

وذكر ولد طالب، أنه ناشد وزير الصحة مؤخرا بتوجيه نشاط أحد المراكز الموجودة بأعالي العاصمة الجزائرية لهذا الغرض، منبها لخطورة هذه الظاهرة التي تجعل الأطفال المستهلكين للمخدرات في الجزائر عرضة للإدمان وسوء العلاج وهو ما قد يبقيهم الى الابد رهينة المخدرات والأقراص المهلوسة بشكل يعقد موضوع التصدي للأمراض العقلية التي تتكفل بها الدولة من خلال اللجوء إلى مخصصات مالية إضافية كان يمكن صرفها في قضاء حاجات أخرى على نفس القدر من الأهمية.
هدهد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق