السودان: هل تتغير استراتيجية التفاوض بعد اتفاق النفط

محجوب محمد صالح

تبدأ في العاصمة الإثيوبية هذا الأسبوع جولة جديدة من المفاوضات بين دولتي السودان وجنوب السودان لمواصلة المناقشات حول القضايا العالقة بين البلدين وفي مقدمتها القضايا الأمنية.

تأتي هذه الجولة في أعقاب الاختراق الذي حدث في ملف النفط والاتفاق الذي توصل إليه الطرفان بتسوية خلافاتهما المالية حول رسوم عبور وتصدير النفط عبر الشمال. ورغم موجة التفاؤل التي عبر عنها الطرفان كما عبر عنها مجلس الأمن والاتحاد الإفريقي فإن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه هو: هل كان اتفاق النفط حالة استثنائية حدثت نتيجة لضغوط وتهديدات إقليمية ودولية ومخاوف لدى الطرفين من انهيار اقتصادي وشيك أم كان الاتفاق نتيجة تحول في استراتيجياتهما التفاوضية وتغيير حقيقي في مواقفهما وقناعاتهما أن مستقبل البلدين رهين بتحقيق التعايش السلمي وحسن الجوار والتكامل الاقتصادي بينهما؟

إذا كان الاتفاق قد جاء استجابة لضغوط خارجية وخوفا من انهيار اقتصادي فسيظل اتفاقا هشا وقابلا للانهيار في أي لحظة، وثمة دلائل أنه ما كان ليتحقق لولا ضغوط خارجية وداخلية، ولكن رغم ذلك فإن المحافظة على الاتفاق لمصلحتهما الآنية يفرض عليهما تغيير استراتيجيتهما التفاوضية، وسيظهر جليا مدى استجابتهما لهذا التحدي خلال الجولة القادمة ومدى قدرتهما على التفاوض بحسن نية وبإرادة سياسية كاملة لمعالجة القضايا الأمنية كثيرة التعقيد التي تواجههما في هذه الجولة.

الصراع حول النفط كان صراعا غير مبرر وغير عقلاني؛ لأن النفط كان وما زال يشكل مرتكزا أساسيا للتكامل الاقتصادي بين البلدين وتعاونهما حوله يحقق مصلحة للشعبين؛ لأن النفط الخام ينتج في الجنوب وكل وسائل معالجته والبنى التحتية لنقله وتصديره متوفرة حصريا وعلى الأقل لخمسة أعوام قادمة في الشمال، وإذا لم يكن هذا هو التكامل الاقتصادي فما معنى التكامل؟ ولكن رغم ذلك تحول النفط إلى مصدر مواجهة وإلى عنصر نزاع وضع البلدين على شفا انهيار اقتصادي مع تهديدات باحتمال العودة لمربع الحرب، كلا الطرفين كان يعرف مدى اعتماده على الآخر في مجال النفط، ولكنهما آثرا مع سبق الإصرار والترصد اتباع سياسة (عض الأصابع) دون مبرر، فما كان يحق للشمال أن يبالغ لدرجة الابتزاز في تحديد رسوم معالجة وعبور النفط، وما كان من مصلحة الجنوب أن يمارس سياسة (انتحارية) فيغلق آبار نفطه نكاية في الشمال، ولكن ذلك ما فعله الطرفان بالضبط وكانت النتيجة انهيارا اقتصاديا دفع ثمنه الشعبان، ولعل أبلغ دليل على أن هذا الصراع كان مفتعلا هو أن الشمال ارتضى في المفاوضات الأخيرة رسوم عبور تبلغ ربع ما كان يطالب به سابقا (36 دولارا للبرميل) والجنوب ضاعف عرضه 10 مرات مرتفعا به من دولار واحد إلى 10 دولارات!! ففيما إذاً كانت المبالغات؟

الدرس الذي ينبغي أن يعيه الطرفان من قضية النفط هو ضرورة التفاوض بحسن النية وتجنب المكيدات وافتعال الصراع، وأن يفكرا تفكيرا استراتيجيا ينطلق من أن استقرار وتقدم البلدين رهين بتحقيق التعايش السلمي بينهما والاعتماد المتبادل والمصالح المشتركة والتكامل الاقتصادي، وإذا تعلما هذا الدرس فهما أحوج ما يكونان لتطبيقه في جولة المفاوضات بعد غد لأنها ستتطرق إلى أكثر القضايا تعقيدا وأهمية لضمان الأمن والاستقرار داخل حدود آمنة والخلافات حولها كثيرة والمواقع الحدودية المتنازع عليها متعددة وهي متعلقة بمصالح جماعات وقبائل ووسائل عيش وأسلوب حياة، وإذا لم تتوفر الإرادة السياسية والمرونة والرؤية الثاقبة خلال التفاوض فإن الجولة ستفشل، لا أحد يتوقع أن تحسم كافة القضايا الخلافية في هذه الجولة، ولكن الحد الأدنى الذي يتوقعه الناس أن يتم ترسيم حدود المنطقة العازلة منزوعة السلاح، وأن يتم التوقيع على اتفاق وقف العدائيات واليات مراقبة تنفيذه، وأن تفتح الحدود والمعابر البرية والرحلات الجوية ليكتمل التواصل وحركة السلع والناس واستئناف التجارة كخطوة هامة في سبيل التطبيع.

وفي إطار القضايا الأمنية لا بد أن تكون استعادة السلام في الشمال واردة في أجندة حكومة السودان، وذلك عبر تفاوض مباشر مع حملة السلاح في الولايتين جنوب كردفان والنيل الأزرق بعيدا عن الشعارات المتشنجة، فالسلام لن يتحقق عبر البندقية ولا بد من حوار قاصد، والحوار يقتضي بالضرورة الاعتراف بالآخر، وقضية الولايتين مرتبطة بطريق غير مباشر بمحادثات أديس أبابا والحكومة الحالية هي التي منحت الولايتين هذه الخصوصية في محادثات نيفاشا وفي بروتوكولات اتفاق السلام الشامل، ولا نستطيع أن نقفز فوق هذه الحقيقة. إن الناس يتطلعون إلى سلام دائم على كافة الجبهات وما من بلد في العالم يعيش طول حياته في حرب أهلية دائمة مثل ما ظللنا نفعل منذ تمرد توريت عام 1955 وحتى اليوم.

[email][email protected][/email] العرب

تعليق واحد

  1. لقد أحسنت الحز و أصبت المفصل، يا أستاذ محجوب؛ و لكن لن يستمع الخصمان اللدودان القول فيتبعان أحسنه لأنهما تعوزهما الأهلية لتحمل المسئولة.
    أما حماقتهما في معالجة اختلافهما علي النفط لا تشبهها الا حماقة الرجل الذي أراد أن يغيظ زوجته فأخصي نفسه.

  2. الشئ الذي لم افهمه حتى الان كيف سيتفق الدولتين على المنطقة العازلة و ما هي الحدود التي تبداء منها تلك المنطقة خاصة اذا علمنا ان الطرفين غير متفقين حتى الان على 20% من الحدود و ايضاً المناطق المتنازع عليها؟
    و في النهاية نتمنى هذه المرة ان تحل جميع الخلافات و الملفات العالقة انطلاقاً من قناعة الطرفين و الله الموفق.

  3. دا كلام فاضي ساهي العالم وصل وين وانتو وين ياحثالة الامم الناس قاعدة تصمم في مركبة فضائية تصل بلوتو في شهر , ونحن قاعدين دا حدي ودا حدك صدر بترولك بيجاي لا أحسن تصدرو من هنا , دائما تدخلونا في متاهات لا ليها اول ولا اخر.
    فاليذهب المؤتمر الوطني والحركة الشعبية الى الجحيم.

  4. مرات بتمنى اكون فى حلم مزعج اصح منو ولا اجد كل العبث الحاصل فى الوطن حقيقه اى والله عبث وليدات وشوية مرضى ينشرون وباء البلاده والغباء وسط الناس المستسلمه لمصيبة اتت لتفنى الكل اعوز بالله .

  5. اتفاق النفط هو اتفاق المحتاج مع المحتاج اما العداوة فستبقى هي هي بين الحركة الشعبية والجبهجية وسنبقى نحن منكرين للواقع المرير الذي يفرضته علينا الانقاذ بتقسيم الوطن العظيم ما بقى العار على جبين كل انقاذي وسيبقى ذلك الى الابد……

  6. يااستاذ محجوب لو كانو يستمعون لنصائح العقلاء والحكماء أمثالك لما وصلت البلد إلى الحال الذى هى عليه !

  7. كل الاطراف سيخضعون للمارد الامريكى فى النهاية , اتفاق نيفاشا كان بدفع امريكى , اجراء الاستفتاء قبل حسم ملف الحدود كان بضغط امريكى , اتفاق النفط الاخير كان بتهديد امريكى , ما يقولونه عن سيادة البلاد فى الخرطوم محض افتراء .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..