يكفي أن نكون الأقل سوءاً

أصبح هَمُّ كثير من حكومات دول العالم الثالث بعد أن فشلت في إصابة قدر ولو يسير من النجاح أن تنال شرف (الأقل سوءاً) عبرت عن هذا الفهم بوضوح تصريحات لوزير الإعلام في دولة جنوب السودان الناطق الرسمي باسم الحكومة, وهو يتناول خلال حوار صحافي الأوضاع في الدولة التي شهدت حرباً أهلية طاحنة، وكلما تطرق الحوار للأوضاع المأساوية التي خلفتها الحرب العبثية في الجنوب, سارع الناطق الرسمي إلى القول: إن جنوب السودان ليس أكثر سوءاً من ليبيا والعراق وسوريا.
رجعت بذاكرتي للأيام التي كان فيها السودان موحداً يشكو فيه مواطنوه الجنوبيون من ظلم الشماليين، في تلك الأيام كان الجنوبيون يرون خلاصهم في وطن مستقل يحكمون فيه أنفسهم بأنفسهم بعيداً عن استعلاء الشماليين. وكانت النخب الجنوبية تمني الأهالي البسطاء بالجنة في وطن الحرية.. فلما تحقق الاستقلال وأصبح للجنوب علم ونشيد وطني, انفجرت الحروب ولم يعد الجنوبي يحلم بأكثر من أن يبيت آمناً ولو تحت شجرة, بعد أن تبخرت الأحلام وأصبحت أوهاماً يبيعها الساسة.. وبدلاً من أن يقر السياسيون بخطيئتهم الفظيعة في حق أهلهم المساكين, لجؤوا للمكابرة ومغالطة الحقائق حتى خرج لنا وزير الإعلام بتصريحه العجيب الذي يباهي فيه بأن دولته أقل سوءاً من سوريا وليبيا والعراق, وكأنه يدعو مواطن الجنوب أن يحمد للحكومة أنها حافظت على الوطن فلم ينحدر إلى مستوى الدولة الأدنى في العالم من ناحية الفشل والفوضى والاحتراب الأهلي.
يبدو لي أن وزير الإعلام في دولة جنوب السودان ظن أن صحافي الجريدة العربية يعايره أو يغيظه بفشل دولة الجنوب التي حمّلت عرب الشمال في أيام النضال مسئولية تخلف الجنوب, فأراد أن يرد على الصحيفة العربية بنماذج الفشل عند العرب.. وهو ظن في غير موضعه, ومحاولة فاشلة لن تعفي الوزير من مواجهة الحقائق.
إجابات الوزير تعبر عن عقلية لن تقر أبداً بالخطأ, ما دام الإقرار قد يفضي في نهاية المطاف إلى فقدان السلطة (وكل شيء إلا السلطة).. هذه متعة دونها خرط القتاد, ولن يفرط أمثال هذا السياسي في السلطة وقرينها المال ولو بقى من شعب الجنوب بضع آلاف يكملون (شكل) الدولة، وسوف يكون كل الهَمِّ هو البحث عن مأساة إنسانية في أي من أطراف الأرض دليلاً على أن دولة جنوب السودان بخير ما دامت لا تتذيل قائمة الدول الفاشلة, وأن شعب الجنوب بخير لأن الحرب لم تفعل به ما فعلت بشعب في أميركا اللاتينية أو في الهند الصينية.;

العرب

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..