اجلدوا أنفسكم أولا

الأيام الماضية أثار موضوع معاقبة التلاميذ (بالجلد) في المدارس جدلا واسعا ما بين مؤيد ومعارض.. كل يتحدث حسب هواه.. لا أحد لديه مبرر علمي ومنطقي ،أغلب المؤيدين يرون أن الضرب (بربي وبعلم) باعتبار أنه ربّاهم وعلمهم ، ولم يسألوا انفسهم هل هم فعلا (متربّين ومتعلمين) ومسألة أن الضرب (بربّي وبعلم ) ليس صحيحا بالمرة، فإن لم يفعل ذلك اللطفُ واللين فلن تفعله القسوة ، وعلينا ألا ننسى أن هؤلاء الأطفال يحصدون ما زرعه الأهل فيهم ، فهم يكتسبون خبراتهم من خلال ما يرون ويسمعون منهم ، وعليه فالذين أمامهم كلهم معلمون في المدرسة أو البيت أو الشارع أو التلفزيون .
معلوم أن الطفل يولد صفحة بيضاء ..والداه والذين حوله هم من يملأون هذه الصفحة، وعليه كيفما يصبح الطفل فهو يعود إليهم ، وقد قال رسولنا الكريم (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه وينصرانِه ويمجِّسانه) وعليه فالذي يحرف الفطرة السليمة هي التربية التى يقوم بها الأهل تجاه أطفالهم ، فاذا غرسوا فيهم التقوى والأدب وحب الناس والخير والنظام والإبداع وعلموهم كيف يعيشون حياة راقية مع باقي البشر لنشأوا متطورين من الناحية الاجتماعية والثقافية والفكرية ، ولن يحتاجوا إلى الضرب ،ولكن فاقد الشيء لا يعطيه ، فهؤلاء التلاميذ هم ضحية أهلهم ، وعليه من المستحيل أن تربي المدارس الحالية التلاميذ ما دامت لا تعلم ، ولسنا بحاجة إلى أن نحكي عن حال المدارس .
تلاميذ المدارس لم ياتوا بشيء من عندهم ، فكل شيء تعلموه هو من بيئتهم الاجتماعية التى تعمل ضدهم دون وعي ، ففي المنزل تتجاذبهم الآراء والاتجاهات والأمزجة ، وفي الشارع يواجهون كل الأمراض الاجتماعية ،وفي المدرسة لا يجدون ما يساعدهم على إعادة بناء شخصياتهم ومعالجة آلام المجتمع ، وعليه (الجلد) يزيدهم دمارا وتحطما ، هو لن يربيهم أو يعلمهم بل يخيفهم ويدفن الأشياء في داخلهم ولكنها تبقى كامنة وستخرج وقتما حدث موقف يفجرها ، وكثير من الاشياء دفنها الخوف أو الحرمان في دواخل الأطفال و أصبحت عقدا نفسية وكبروا بها حتى أصبحوا رجالا في مواقع مسؤولية فتفجرت لتؤذي المجتمع بأكمله ، فكثير من الساسة الذين ترونهم يتصرفون بأنانية وعنف واستهتار إنما تدفعهم عقد الطفولة وأخطاء التربية إلى الانتقام لماضيهم .
الآن يواجه السودان ، بسبب ظروفه السياسية ، الكثير من المشاكل الأسرية التى تجعل الحياة قاسية ،فتحرم التلاميذ من الحب والأمان الاقتصادي والاجتماعي وتحرمهم من رعاية الوالدين الحميمة وتغيب القدوة الحسنة في المجتمع ،بل وتهيئ لهم كل الظروف المناسبة ليتعلموا الفوضى والاستهتار والأنانية والعنف، وحين يصبح الجلد هو وسيلة التربية ، فلا شك أن هذا حكم عليهم بالضياع .
نقول للاهل لا تجلدوا الأطفال ، عاملوهم بالتى هي أحسن وأعيشوهم في مناخ يسوده الحب والسلام والمودة والاحترام والصدق والاهتمام والتقدير .. مثلوا امامهم دور القدوة الحسنة ، باختصار اجلدوا أنفسكم أولا وأعيدوا تربيتها لتنجحوا في تربية أبنائكم .
التيار




المثل السوداني بيقول (ولدك شبعو وطبعو) قالوا سبعوا أولاً ثم وجهوا ليكتسب الخصال الحميدة ما قالوا جوعوا ودقو. وهذا ما يقوم به عمر البشير ويسعى إليه.