أخبار السودان

شقيق الرجل الثاني في «القاعدة» عضوا في البرلمان الليبي

انضم أحد الشقيقين إلى حركة الجهاد العالمي ضد الغرب تحت الاسم المستعار أبو يحيى الليبي، وارتقى ليصبح أشهر أعضاء تنظيم القاعدة والرجل الثاني في التنظيم، إلى أن قتل في غارة شنتها طائرة أميركية من دون طيار في باكستان قبل أربعة أشهر.

أما الأخ الثاني، وهو عبد الوهاب محمد قايد، فكان أول شخص يصبح مسلحا إسلاميا، لكنه الآن عضو معتدل في برلمان ليبيا الجديد.

ومع تقدير الولايات المتحدة ردود الفعل إزاء الهجوم الذي قاده إسلاميون على القنصلية الأميركية في بنغازي، والذي راح ضحيته السفير الأميركي جون كريستوفر ستيفنز، يقول قايد إن المسارين المختلفين للشقيقين يشيران إلى درس هام، ألا وهو مخاطر التعامل مع الأشكال المختلفة للإسلام السياسي بوصفها تهديدا خطيرا واحدا.

وقال قايد إن دعم أبو يحيى لتنظيم القاعدة بدأ بعد السنوات التي قضاها سجينا في قاعدة باغرام الجوية في أفغانستان، وهي رواية يدعمها محللون غربيون درسوا حياة أبو يحيى. لقد سبق أن نأى الشقيقان بنفسيهما عن أسامة بن لادن وقضية الجهاديين العالميين غير ذات الصلة بتركيزهم الأحادي على الإطاحة بالرئيس الليبي معمر القذافي، لكن بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) الإرهابية، والغزو الأميركي لأفغانستان، بدأ الأميركيون في جمع كل من يمكنهم العثور عليهم من المسلحين الإسلاميين، بصرف النظر عن الآيديولوجية أو الأجندة الخاصة بهم؛ وقد ألقي القبض على أبو يحيى وسجن من دون محاكمة في قاعدة باغرام.

وحينما تمكن من الهرب في نهاية المطاف في عام 2005، بأخذ أحد أقفال السجن والهروب من حراسه، ولد أبو يحيى، واسمه الحقيقي محمد حسن قايد، من جديد بوصفه رجل الدين والمروج للقضية والقائد الميداني الرئيسي في حرب إسلامية مقدسة ضد الغرب لم تترك سوى مساحة ضئيلة لقضايا محلية، مثل الصراع من أجل الديمقراطية الليبية.

وأشار الأخ قايد الأكبر سنا والبالغ من العمر 45 عاما، والذي يتحدث بشكل معلن للمرة الأولى، إلى أن أبو يحيى قد انزلق إلى المعركة مع الولايات المتحدة بالأساس نظرا لأن جيشه قد تعامل معه كعدو. يكن السواد الأعظم من الليبيين الشباب، من بينهم الكثير من الإسلاميين المسلحين، الآن الاحترام لأميركا لدعمها الثورة ضد العقيد معمر القذافي، على حد قول قايد، فضلا عن أن اندفاع مسؤولي الولايات المتحدة والليبيين الليبراليين لربطهم جميعا بتنظيم القاعدة ينطوي على خطر دفعهم باتجاه الجماعة الإرهابية.

«حينما يرون أنهم متحدون مع تنظيم القاعدة، فإن حتى هؤلاء غير المتعاطفين مع التنظيم، سوف يصبحون أكثر تعاطفا معه، وستكون تلك هي أفضل هدية يمكنك أن تمنحها لتنظيم القاعدة». هذا ما قاله قايد موجها اتهامات للكثير من الأميركيين بالتعامل في أغلب الوقت مع جميع الإسلاميين بوصفهم تابعين لتنظيم القاعدة.

وقد روى عدد من المسلحين الإسلاميين الليبيين الآخرين الذين قد تمتعوا بملاذ آمن من تنكيل العقيد القذافي في باكستان أو أفغانستان التي تسيطر عليها حركة طالبان، قصصا مماثلة، موضحين أنهم قد حبسوا ظلما ولقوا معاملة سيئة من الولايات المتحدة بناء على شكوك في وجود صلات تربطهم بتنظيم القاعدة، على الرغم من أن معركتهم الوحيدة كانت ضد الديكتاتور الليبي. في الشهر الماضي، وثقت منظمة «هيومان رايتس ووتش» غير الهادفة للربح أكثر من 15 قضية لإسلاميين ليبيين اعتقلتهم الولايات المتحدة، من بينهم اثنان أخبرا المنظمة بأنهما قد خضعا لاستجواب بالإكراه من خلال أسلوب «الغمر في المياه» التعذيبي.

ومع ذلك، فإنه على عكس أبو يحيى، لم ينضم معظم الليبيين الذين تم اعتقالهم لتنظيم القاعدة. وبعضهم الآن يلعب أدوارا بارزة في تحول بلدهم نحو الديمقراطية. على النقيض، قام عدد قليل من الليبيين بالانضمام لتنظيم القاعدة من دون أن يتعرضوا للسجن أو سوء المعاملة من قبل الولايات المتحدة.

يقول بريان فيشمان، وهو باحث بمؤسسة «نيو أميركا فاونديشن» عمل سابقا في «ويست بوينت» في مجال دراسة الحركات الإرهابية، إن العوامل التي ربما تكون قد شكلت سيكولوجية أبو يحيى أو أي مسلح آخر ما زالت «محل تكهنات بدرجة كبيرة». لكن «من الصحيح بحق أننا عجزنا عن التمييز بين تنظيم القاعدة ومجموعة من الجماعات الإسلامية المسلحة التي كانت تنفذ عملياتها في أفغانستان، ويجب أن نكون قد ميزنا بينها؛ لأن بعضها لم يتقبل رؤية تنظيم القاعدة للعالم».

وأكد قايد أنه على الرغم من أنه هو وشقيقه كانا مسلحين، جزءا من الجماعة الليبية الإسلامية المقاتلة التي عقدت العزم على الإطاحة بالعقيد القذافي، فإنهما لم يكونا يوما من الإرهابيين أو أعداء الغرب.

اجتذب الشقيقان، المشابهان تماما لبعضهما البعض، والمعروفان بمواهبهما الشعرية ومعلوماتهما الدينية، إلى مجال السياسة من قبل حركة الطلاب الليبية التي تعود إلى منتصف الثمانينات من القرن العشرين. وبوصفه طالب طب بجامعة بنغازي، على حد قول قايد، فقد هاله استخدام نظام القذافي التعذيب والمشانق المعلقة في الساحات العامة في قمع المعارضة. «بدأت أدرك وحشية القمع»، هكذا تحدث قايد بلغة عربية كلاسيكية إيقاعية وهو يجلس في مقهى فندق «ريكسوس» مرتديا جلبابا أبيض وعمامة.

في عام 1989، فر قايد هاربا إلى تونس وباكستان، ومناطق أخرى داخل دوائر إسلامية دولية، وحذا أبو يحيى، الذي يصغره سنا بعامين، حذوه بعد عامين.

وفي عام 1995، اتجه قايد إلى ليبيا ضمن مهمة لصالح الجماعة، حيث اعتقل على يد عملاء للقذافي. وفي سن الثامنة والعشرين، حكم عليه بالإعدام، لكنه أمضى الستة عشر عاما التالية في سجن أبو سليم سيئ السمعة في طرابلس، وقال: «نشأت في السجن».

وقال قايد إنهما كرجال شباب، كان هو ورفاقه من الإسلاميين في بعض الأحيان على درجة من الثقة المفرطة في «استقامتهم»، وعلى أتم الاستعداد لفرضها على الآخرين، ولم يستمعوا إلى الجدل الدائر بين الباحثين المسلمين الأكبر سنا.

أضاف قايد: «اعتدنا الاعتقاد أن القضاء على القمع وإرساء العدالة أمران متماثلان، لكن العدالة تتطلب حوارا». وقال إنه في السجن قرر هو ورفاقه الإسلاميون أنهم مثلما يرفضون قمع القذافي للمعارضة، فإنهم يجب أن لا يفرضوا آراءهم على الآخرين. وأضاف: «نرغب في استلهام أسلوبنا في الحياة من تعاليم ديننا، من دون إجبار أي شخص آخر على القيام بالمثل. هذه مبادئ لا تتغير مطلقا».

علاوة على ذلك، فقد تبنى نهجا أقل صرامة تجاه الدين في الحياة العامة. قال قايد: «في الشريعة الإسلامية، هناك شيء يعرف بعلم التوازن. تحتاج إلى النظر للسياق ومعرفة ما إذا كان ثمة شيء سيكون ضرره أكبر من نفعه قبل أن تمارسه».

وقال إنه يعتبر تركيا العلمانية النموذج الأمثل بالنسبة للحكومة الإسلامية في ليبيا، وأشار إلى أن التسامح والتعددية يجب أن يكونا شعارها، وقال إنه يجب أن يرتكز فقط على تلك المبادئ من الشريعة الإسلامية التي تمثل «قيما إنسانية عالمية». وفي نهاية المطاف، بدأ نظام القذافي في الاستشهاد بقايد للإشارة إلى بعض السجناء الإسلاميين الذين بدأوا يقومون بالإصلاح، على الرغم من أنه لم يطلق سراحهم إلى أن اندلعت الثورة العام الماضي.

أتى سجناء جدد بتقارير عن أبو يحيى، الذي استقر بين دائرة من المنفيين الإسلاميين في باكستان، ثم في أفغانستان. «كان تنظيم القاعدة حاضرا في كل مكان» في المشهد هناك، على حد قول قايد، غير أن المنفيين الليبيين رفضوا ذلك المسار.

يؤكد محللون غربيون على أن الجماعة الليبية كانت معارضة لتنظيم القاعدة. وقال غاريت براتشمان، وهو مستشار في مكافحة الإرهاب لدى النظام، وقد درس قضية أبو يحيى والجماعة الليبية، إن عددا من أعضائها أساءوا الظن بابن لادن ولم يكترثوا بدرجة كبيرة بالرجل الثاني، أيمن الظواهري. وفي شعر أبو يحيى وكتاباته الأخرى «كانت القضية متعلقة بليبيا طوال الوقت»، على حد قول براتشمان.

لكن عندما هرب أبو يحيى، لم يجد غالبية رفاقه الليبيين، فهم إما احتجزتهم الولايات المتحدة أو أعيد إرسالهم إلى سجون العقيد القذافي. وقال قايد: «بدلا من العثور على الليبيين الذين كان بإمكانهم امتصاص غضبه، عثر أبو يحيى على بن لادن».

إن هروب أبو يحيى قد جعل منه شخصية مشهورة بين المسلحين المعارضين لأميركا، وسرعان ما ترقى ليصبح الرجل الثاني للظواهري بعد مقتل بن لادن. «ما يتمتع به من مزيج من العلم والأصالة الحضرية والشخصية الساحرة جعل منه شخصية ذات ثقل»، هذا ما قاله براتشمان، ومع ارتفاع مكانة أبو يحيى، شن مزيدا من الهجمات على إسلاميين أكثر اعتدالا بسبب خيانتهم قضية الجهاد العالمي، باستهداف شقيقه الأكبر بشكل غير مباشر.

وتم إطلاق سراح قايد، جنبا إلى جنب مع سجناء سياسيين آخرين، بعد يوم من بدء الثورة الليبية في فبراير (شباط) 2011، في محاولة لقمع الثورة. وقد انطلق عبر الحدود الجنوبية مرورا بالسودان ومصر، وعائدا إلى شرق ليبيا للمشاركة في القتال.

وفي المقابلة، قال قايد إنه لم يشعر باستياء من الهجمة التي شنتها طائرة أميركية من دون طيار أودت بحياة شقيقه في يونيو (حزيران). كان قايد يخوض معركة الفوز بمقعد في البرلمان في ذلك الوقت. قال: «لو كانت قد أجريت انتخابات وقتما كنا طلابا، ربما لم نكن لنترك مدارسنا والحياة التي عشناها».

* ساهم سليمان علي زواي في كتابة التقرير من طرابلس

* خدمة «نيويورك تايمز»
الشرق الاوسط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..