السودان : ماذا نتوقع من جولة مفاوضات أديس أبابا القادمة؟

محجوب محمد صالح
نتوقع أن يشهد الأسبوع المقبل مناشدة من مجلس الأمن والاتحاد الإفريقي لدولتي السودان وجنوب السودان لاستئناف مفاوضات أديس أبابا بعد الاحتفاء الكبير بالاتفاقات التي تم التوصل إليها في الجولة السابقة والتي أشاد بها مجلس الأمن، لكن المجلس حريص على ألا يعطي انطباعاً بأن تلك الاتفاقات هي نهاية المطاف؛ إذ لا تزال هناك قضايا متبقية من خريطة الطريق التي أجازها المجلس والتي كان المجلس يتوقع حسمها مطلع أغسطس الماضي وسيضغط على الطرفين لمواصلة الحوار حولها.
الاتفاقات التي توصلت إليها الجولة السابقة مهمة لاستعادة الأمن ولخروج الدولتين من الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تهدد البلدين، لكن القضايا العالقة هي الأهم بالنسبة لتحقيق السلام واستدامته وهي أيضاً الأكثر تعقيداً؛ ولذلك فإن المجلس يريد استئنافاً سريعاً للتفاوض حولها وهناك مخاوف من أي تطورات سالبة في الملفات العالقة قد ينقض الاتفاق الذي تم بالأمس في أديس أبابا.
القضايا العالقة كما أوضحنا سابقاً تشمل المناطق الحدودية المختلف عليها وقضية أبيي وقضية الحرب الدائرة في جنوب كردفان والنيل الأزرق وكلها قضايا ملتهبة ولو انفجرت أي واحدة منها فإنها ستقضي على مكاسب اتفاقية أديس أبابا الأخيرة، ولذلك لا بد من التحرك السريع لمعالجة هذه الملفات وهي معقدة وتحتاج لجهود مكثفة ولمرونة ولوساطة فاعلة بل وقد تحتاج لزمن أطول ولكن مجرد البدء في بحث القضايا سيعطي مساحة من الأمل.
وما يدور الآن من صراع مسلح في جنوب كردفان مؤشر على أن الوضع ما زال قابلاً للانفجار في أي لحظة، ويشكل الاحتراب الحالي ضوءاً أحمر أمام المجتمع وتحذيراً من أن استمرار الأوضاع الحالية قد يقود إلى مواجهات دامية تنسف الاتفاق الهش الذي تم التوصل إليه في أديس أبابا بجهد جهيد وولادة متعسرة؛ ولذلك لا بد من تحرك عاجل يدخل أزمة الولايتين في مسار تفاوضي عبر اتفاق لوقف إطلاق النار وبدء المفاوضات.
أخشى ما يخشاه المراقبون أن تظن حكومة السودان أن مجرد الاتفاق مع حكومة الجنوب على فك ارتباطها بالحركة الشعبية في الشمال يعني نهاية الأزمة لأنها لو ركنت لمثل هذا التحليل فإنها ستفتح الباب لتعقيد الأزمة بل ولتصعيد المواجهات المسلحة، وما يدور الآن في الساحة ينبئ بما يمكن أن يحدث مستقبلاً والتحركات العسكرية الحكومية وهجمات قطاع الشمال على مدينة كادوقلي يجب أن تقرأ في هذه الإطار.
القراءة الحكيمة لما حدث في أديس أبابا تفرض أن يكون ذلك الاتفاق مدخلاً للتفاوض لحل أزمة الولايتين لا مبررا للتصعيد العسكري من جانب أي طرف، فالقضية سياسية في الأساس ولا حل لها سوى عبر الحوار، والمنطق يقتضي إشراك حكومة الجنوب في البحث عن الحل السياسي عبر مساعيها الحميدة انطلاقا من العلاقة التي ربطتها بالولايتين واعتراف بخصوصية المنطقتين من جانب المؤتمر الوطني في محادثات نيفاشا؛ حيث أقر لهما بروتوكولاً خاصاً في اتفاقية السلام ومنحهما وضعاً خاصاً خلال الفترة الانتقالية قائماً على اقتسام كامل للسلطة في الولايتين بين طرفي الاتفاقية في غيبة كل الأطراف الأخرى، وفوق هذا أو ذاك التزام من الشريكين على إجراءات أمنية تنفذ عند انفصال الجنوب ومشورة شعبية حقيقية تحدد وضع الولايتين في إطار حكومة شمال السودان والفشل في الوفاء بهذا الالتزام هو الذي أدى إلى انفجار الأوضاع في الولايتين، ووصل بالبلاد إلى قمة المأساة الحالية وأي محاولة للحل يجب أن تعود لتلك الالتزامات التي تقع مسؤوليتها على طرفي الاتفاقية رغم أنهما أصبحتا حكومتين في دولتين مستقلتين ولكن ذلك لا يمحو الالتزام الأخلاقي الذي يفرض على حكومة الجنوب أن تستعمل مساعيها الحميدة للمساعدة في التسوية السياسية وبأسرع ما يمكن وليس هناك من سبب يجعل الحكومة تشعر بأي حساسية تجاه هذا الأمر لأنه مطلب طبيعي خاصة بعد توقيع اتفاقيات التعاون الأخيرة.
هذا ما كان من أمر الولايتين، أما قضية أبيي فإنها تحتاج لمعالجة جديدة تستصحب اتفاقات التعاون الأخيرة كما تستصحب مرتكزات التعايش المشترك بين قبيلتي دينكا نقوك والمسيرية في المنطقة وإرثهما المشترك في حل النزاعات وآلياتهما التقليدية لحسم الصراعات بعيداً عن (التسييس) الذي تعرضت له القضية مؤخراً. المقاربة الجديدة تحتاج لوقت وإذا نجح الطرفان في تجميد الخلاف حول الاستفتاء والاتفاق على مرحلة انتقالية تنشأ فيها سلطة محلية مشتركة تدير شأن الإقليم وتتعهد فيه الدولتان بتمويل خطة تنموية مدروسة فإن مثل هذا الحل المؤقت قد يخلق الجو المواتي لحسم القضية بطريقة تفاوضية في مرحلة لاحقة حتى تكون النفوس قد هدأت وتكون نتائج التنمية عبر العمل المشترك قد ظهرت والسلطة المشتركة قد أثبتت جدواها.
نقول ذلك لأننا على قناعة أن محاولة حسم الموقف اليوم عبر التفاوض المباشر مجهود لن يثمر نتائج مرضية في هذه المرحلة.
وقد يرى البعض أن مثل هذا المقترح لا يعدو أن يكون ضرباً من التفكير بالصوت العالي في مآلات الأمور ولكننا على قناعة بأن ذلك هو الطريق الأمثل لمعالجة الأزمات في الجولة القادمة التي لا ينبغي أن نتوقع منها مجلس الأمن أن تحقق المعجزات.
كاتب سوداني
[email][email protected][/email]
العرب



