أخبار السودان

تحت شعار واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا كان الفراق والمفاصلة هو الراية التي رفعت عالية في مؤتمر الحركة الاسلامية بولاية الجزيرة

الخرطوم – عبد الواحد احمد ابراهيم

لـو أفلس التاجر فانه يبحث عن ديونه الهالكة في دفاتره المنسية
هكذا هي حال الحكومة في المركز والولايات
الولايات السودانية المغلوب علي امر ولاتها
ولاية الجزيرة مثال او هكذا دواليك ……
قبل ظهور الموبايل وفي زمن ما غير هذا الزمن قيل ان أحد أخوانا الجنوبيين عندما زار الخرطوم ورأي الناس تتكلم عبر التلفون نقل حيرته الي صاحبه عن كيفية عمل هذا الهاتف العجيب وهو ينقل الكلام من شخص الي آخر عبر هذه السماعة المربوطة الي السلك فقط فضرب له صاحبه الجنوبي الآخر مثلاً مختصراً له اجابته وموضحاً فيها فكرته عن هذه التقنية العجيبة التي تنقل كلام العالمين وقال له ألم تعلم يا صديقي انك لو عفصت هراً (كديس) في ذيله فانك تسمع مواء هذا الهر خارجا من الفم هناك في رأسه؟ ……. بس فقط هو دا التلفون يا صاحبي!! أو هكذا تبلورت فكرة وتكنولوجيا الهاتف بالنسبة لهذين السودانيين بكل بساطة ودون تعقيد….تماماً كما تتبلور لصاحب هذا المقال الفكرة عن الخرطوم بالنسبة للولايات السودانية الاخري حيث تمثل الخرطوم ذيل القط الذي اذا عفصته سمعت مواء قطط كثيرة في تلك الولايات
فالمؤتمر الوطني حزب الحكومة نتيجة لحالة الافلاس السياسي ومرحلة الخمول والجمود الفكري والخرف السياسي الذي وصل اليه والخلافات وصراعات الحزب الداخلية الكثيرة لا يزال في حالة بحث عن مخارج آمنة من مطبات السياسة والفشل الاقتصادي والوضع المزري للبلد وحالات الاحباط العام والتململ التام و صمت الجماهير المحير وسياسات الانقاذ الخرقاء التي عصفت بها الي مجرد فكرة فاشلة او دواء فاسد فاقد صلاحيته كما وصفه احد قياداته الامنية قبل ان تنتفض عليه الجماهير وتركنه الي مزبلة التاريخ الابدية
عسي ولعل هذه المخارج كما تتمناها وتراها قيادة المؤتمر الوطني أن تكون عبر تجميع وترقيع ونفض الغبار من عباءة الحركة الاسلامية التنظيم الذي تحول منذ 1989 الي دولة وانتهي به المطاف الي مؤتمرين أثنين…. شعبي خارج الاطار العام للسلطة و مشتقاتها و وطني وهو مجموعة موظفي الحكومة كل الموظفين والتكنوقراط الذين تربطهم مصالح خاصة ومزايا مشتركة مرتبطة ببقاء نظام الانقاذ طالما هم احياء يرزقون بأمر السلطة والحكومة ويتنسمون هواء الوظيفة ونسيمها العليل الذي يهب عليهم في كل ولاية او محلية او قرية
وطالما هم يفرضون علي الناس ان يكونوا قادة عليهم في الولاية او الوزارة او المعتمدية اوحتي لجنة شعبية ليس مهماً وان ما يهم فقط هو النقَاطة والحسَابة التي تحسب ورقاً ونقداً وتمني التكويش والكنكشة في حبال السلطة والتمكين واستغلال الناس ومواردهم الوطنية
قبل أربع سنوات تقريباً وقبيل انفصال الجنوب كنت باحدي قرانا بمحلية شرق الجزيرة البطانة اذ طاف طائف يمتطي سيارة حكومية وهو من المنتمين للمؤتمر الوطني والمفرغين بدائرة النشاط الطلابي في محلية شرق الجزيرة بتلك القرية ليستدعي احد شيوخها ويبلغه تكليف من علي عثمان محمد طه شخصياً و يأمرهم بتجميع كيان الحركة الاسلامية كتنظيم داعم للسلطة من جديد ومطلوب منه ان يعيَن معه ثلاث اشخاص من افراد هذه القرية من الذين ينتمون او يتعاطفون مع أفكار التيار الاسلامي
كما طلب منهم ان يكونوا علي اهبة الاستعداد للحضور الي مدينة رفاعة عاصمة محلية شرق الجزيرة ليتم اختيار وتحديد وحصر وتصعيد عضوية هذا الجسم وتكوين مجلس الشوري هناك متي ما تم الاتصال بهم ثم مضي هذا الرسول ممتطياً سيارته و متجهاً الي القري الاخري واحدة تلو الأخري ليبلغ رسالته وتكليفه لكل قري المحلية الخمسة وثمانين قرية وكذلك قد فعلوا في محليات ولاية الجزيرة السبعة
وبعدها بفترة ليست طويلة سمعت ان هؤلاء القوم اجتمعوا علي شئ ما وهو تكوين هذا الجسم وتم التجديد لأمينه العام السيد علي عثمان طه لدورة جديدة وتم حصر وتسجيل عضوية هذا الكيان والتي هي بالضرورة المجموعات العشائرية والجهوية والجماعات الدينية من أئمة المساجد وشيوخ الخلاوي وبعض شيوخ القري وبعض اعضاء اللجان الشعبية من كل قرية نفرين أثنين والعناصر التي تنتمي للمؤتمر الوطني ومعظمهم من المفرغين في دائرة النشاط الطلابي والاتحاد العام للطلاب والشباب
وتم تسجيلهم في كشوفات وفوائل وحفظوا في دفاتر ثم بعد ذلك هاص القوم في بيات شتوي الي ان أٌعلن في الخرطوم عن قيام المؤتمر العام الثامن للحركة الاسلامية
حينها تم تداعي الولايات الاخري بالسهر علي نكت الدفاتر المسجلة بدائرة النشاط الطلابي واتحاد عام الشباب والطلاب وتنقيب المنتسبين المسجلين فيها والمحفوظين في كشوفاتها وحمي تجميع الموظفين التابعين بالضرورة لسلطة كل ولاية أومحلية يخول لهم الوالي أو المعتمد ويحدد لهم البوصلة واتجاهها في ظرف زمني وجيز ومفاجئ هو الاسبوع الأول من الشهر الجاري
في ولاية الجزيرة و في محلية شرق الجزيرة كان ذلك قد حدث تحت رعاية وتدبير وزارة التخطيط العمراني ممثلة للولاية بالتنسيق مع دائرة النشاط الطلابي في المحلية والتي أمرت المؤتمرين بالحضور للمؤتمر من أجل اختيار الامين العام الجديد للحركة وأعلنوا عن نهاية دورة الأمين العام السابق وتعيين أمين عام جديد فمن هم هؤلاء المؤتمرون؟ ومن هي هذه الحركة الاسلامية؟
بما أنه معروف عن تبني الحركة الاسلامية عبر التاريخ لاستراتيجية تفصل بين مجالات السر والعلن بشكل جدي وصارم وتحصر الإسرار في نواة قيادية صلبة وفي أجهزة محدودة مكلفة بمهام مخصصة ثم يَترُك الهيكل الحركي العام واسعاً فضفاضاً قادراً على استيعاب أكبر عدد من الناس بمن فيهم الذين يوالون ولاء ناقصاً أو تجمعهم مع الحركة أهداف ظرفية جزئية أو أعضاء ذوي طموحات مختلفة فقد تم قيام هذا المؤتمر علي هذا الشكل وبصورته الفضفاضة تلك والتي أتاحت لهذه النواة الصلبة أن تحصر وتتحكم في أسرار المهام الخاصة بعيدة حتي عن الذين كانوا يوماً ما من ضمن قادتها وأعضائها لكنهم ربما قادتهم صراعات المصالح اليوم الي أن يكونوا أعداء مع قادة آخرين نافذين
كان الغرض من بين هذه الاسرار امتصاص هذا الخلاف والذي كان سيكون صاعداً وربما كان سيؤدي الي العصف بهذا المؤتمر العام كله في هذه المحلية وبذلك تمكنت هذه النواة الصلبة الحافظة لاسرار الحركة الاسلامية القيادة العليا والقريبة من ثقتها من قيام ذلك المؤتمر وفق رؤيتها وتدبيرها ليتفاجأ الذين كانوا ينتمون لهذا التنظيم بصورة فضفاضة ومثالية بهكذا تدبير
و هكذا أصبح تيار المجموعة الثانية تلك خارج دائرة التأثير ولكل ذلك جاء المؤتمرون و بالتالي هم بالضرورة غالبيتهم من موظفي الحكومة تحت وصاية وتأثير وتوجيه وتدبير المجموعة التي تمكنت من الحركة وفق رؤي وافكار وتكتيك القيادة الاولي لذلك جاءت قائمتها وكشوفاتها تبدو مرتبة ومنظمة و واضحة أو معتمدة امام قائمة وكشوفات المجموعة الأخري التي تفاجأت بما شاهدته فلم تستطيع الا ان تعلن عن انسحابها وتلزم عضويتها بالخروج والمقاطعة
وحينما تضاربت كشوفاتهم مع الكشوفات الاخري التي كانت اعدتها لجنة المجموعة الاولي والغريبة انها كلها كشوفات لتنظيم واحد تنظيم الحركة الاسلامية بعد الانسحاب كشفت المجموعة الثانية عن أن تزويراً ما قد حصل في هذه الكشوفات كان الهدف منه ابعاد هذه القيادات واقصائها وتحدثت عن عمليات التشرزم التي حصلت أثناء قيام المؤتمر العام الثامن بهذه المحلية
وهكذا و تحت شعار واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا كان الفراق والمفاصلة والمخاصمة والاقصاء بين قيادات وتيارات المؤتمر الوطني هو العلم والراية التي رفعت عالياً في مؤتمر الحركة الاسلامية برفاعة
وكانت مجموعة والي ولاية الجزيرة وممثله مستشار الوالي وعضو المجلس التشريعي بالولاية لمنطقة تمبول والمعتمد الذي تم تعيينه حديثاً لمحلية شرق الجزيرة هي التي تمكنت من زحزحة تيارات وقيادات كبيرة في المؤتمر الوطني والمنطقة و تم اقصائهم
وكان من بين تلك التيارات التي تم ابعادها قيادات معروفة بالمجلس التشريعي بالولاية وقيادات بالمجالس المحلية بالمحلية ورؤساء المؤتمر الوطني ببعض المناطق وشخصيات قيادية معروفة بحركتها وسط الجماهير
وكانت هذه القيادات قد تبادلت سيل التهم والتصريحات السالبة في الصحف والمنابر العامة فيما بينها وهذا ما أثبت وزاد من حدة الصراع وعمليات والانقسام الحاد الذي حدث بالفعل في الولاية والذي تتولي حسمه وزارة التخطيط العمراني بولاية الجزيرة بين اعضاء تنظيم حكومة المؤتمر الوطني والذي ظهر للعلن ووصل الي مراحل المفاصلة عبر مؤتمر الحركة الاسلامية الذي كان بمثابة الأداة والمقصلة التي تمت بها عمليات الغربلة والتصفية داخل أروقة واضابير مكاتب حكومة ولاية الجزيرة ومحلياتها
وهكذا في كل مرحلة من مراحل تغير الأمزجة للأشخاص النافذين فيها تصبح الحركة الاسلامية هي تنظيم في خدمة السلطة وهي مثلها مثل المؤتمر الوطني وجهان لعملة بالية وهما ليسا الا ذراعين من أذرع النظام يوظفهما كيفما شاء ويرسم لهما الدور والهدف و ما اعضاءهما الا هم مجموعة ما ذكرنا من دوشرمة الجهويات وهجانة القبائل أدوات توظفها الحكومة لخدمة المصالح وتمرير الادوار
و لم تكن الحركة الاسلامية الا بمثابة الدفاتر القديمة لتاجر أفلس يفتحها ليبحث عن ديونه الهالكة والمنسية وبعد ذلك تدخل في بيات شتوي طويل الي حين آخر ووظيفة اخري
خلاصة هذا المقال التقريري الموضوعي ان المؤتمر الوطني يمر بمرحلة انقسام وحالة تشرذم داخلي حقيقي و تتقاذفه فيها تيارات شتي علي مستوي القيادة والقواعد و توجهه فيها اختلافات الأهداف والمصالح والوسائل والتكتيكات لكل تيار أو مجموعة
تماماً كما حدث عند المفاصلة بين القصر والمنشية في عام 1999 والتي استغل فيها البشير الجيش والسلطة لاقصاء مجموعة حسن الترابي حتي آلت الأمور اليه الا أنه في هذه المرحلة فأن المجموعات كثيرة والتيارات مختلفة لذا استوجب انعقاد مؤتمر للحركة الاسلامية ليكون الآلية والوسيلة التي يتم من خلالها عزل وابعاد وامتصاص الخلاف مما أدي الي ظهور مجموعتين داخل كيان المؤتمر الوطني
مجموعة تكون ملتصقة بالسلطة وتسعي لأن تبقي فيها ومجموعة تعارضها وتسعي للاطاحة بها و اقصائها أو فصلها عن تلك السلطة هذا كله مع حالة الضعف العام التي وصل اليها هذا التنظيم مع حكومته وكل ذلك يحدث وكأن بالسودان ليس الا هؤلاء القوم يختلفون ويفترقون ثم يتعاودون بصورة أو بأخري كما لم يحدث شئ .

تعليق واحد

  1. كل الامور دي من علي عثمان ويحاول ان يجعل اسامة عبد الله خليفة له حتي يستمروا في غيهم ويتمادوا في دغمستهم في السلطة

  2. الذى يحدث ليس صنيعة بشر بقدر ما هو قدرة ألهية لمعاقبة المتاجرين بالدين , وردت نصا فى حديث قدسى فى تفسير بن كثير لآيات المتاجرة بالدين.
    المطلع على تفسير بن كثير للمتاجرة بالدين يجد أن التفسير وكأنما فصل على ممارسات كوادر الأخوان المسلمين بمختلف مسمياته عبر التاريخ من (جبهة الميثاق الأسلامى) و(الأخوان المسلمين) و ( الجبهة الأسلامية) و(المؤتمر الوطنى) وأخيرا (المؤتمر الوطنى الحزب الحاكم) و (المؤتمر الشعبى).
    بعد أن فسر بن كثير ممارسات المتاجرة بالدين المذكورة بالآيات , أورد الحديث القدسى لجزاء المتاجرين بالدين وهو قسم المولى عز وجل بعزته أن يصيبهم بالفتنة التى تترك الحليم فيها حيران (حسب نص الحديث) وما حدث سابقا وما يحدث حاليا ألا هو مقدمة من وعده سبحانه وتعالى للمتاجرين بالدين. والفتنة المذكورة فى الحديث (حسب تقديرى الشخصى) آتية ? حيث أن ما حدث ويحدث حاليا لم توصل الحليم الى الحيرة المذكورة.
    الحديث القدسى حسبما ورد فى تفسير بن كثير :
    يقول الله تعالى :
    ( فعليّ يجترئون! وبي يغتَرون! حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها حيران.)
    الآيات والتفسير
    تفسير ابن كثير
    } وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207) {
    قال السدي: نزلت في الأخنس بن شَرِيق الثقفي، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأظهر الإسلام وفي باطنه خلاف ذلك. وعن ابن عباس: أنها نزلت في نفر من المنافقين تكلموا في خُبَيب وأصحابه الذين قتلوا بالرّجيع وعابُوهم، فأنزل الله في ذم المنافقين ومدح خُبَيب وأصحابه: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ{
    وقيل: بل ذلك عام في المنافقين كلهم وفي المؤمنين كلهم. وهذا قول قتادة، ومجاهد، والرّبيع ابن أنس، وغير واحد، وهو الصحيح.
    وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن القرظي، عن نَوْف -وهو البكالي، وكان ممن يقرأ الكتب -قال: إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل: قَوم يحتالون على الدنيا بالدين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمَرّ من الصّبرِ، يلبسون للناس مُسوك الضأن، وقلوبهم قلوب الذئاب. يقول الله تعالى : فعليّ يجترئون! وبي يغتَرون! حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها حيران. قال القرظي: تدبرتها في القرآن، فإذا هم المنافقون، فوجدتها: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ } الآية.
    وحدثني محمد بن أبي معشر، أخبرني أبي أبو معشر نَجِيح قال: سمعت سعيدًا المقبري يذاكر محمد بن كعب القرظي، فقال سعيد: إن في بعض الكتب: إنّ [لله] عبادًا ألسنتهم أحلى من
    العسل، وقلوبهم أمَرّ من الصّبر، لبسوا للناس مُسُوك الضأن من اللين، يَجْترّون الدنيا بالدين. قال الله تعالى: عليّ (4) تجترئون! وبي تغترون!. وعزتي لأبعثنّ عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران. فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله. فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله؟ قال: قول الله: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } الآية. فقال سعيد: قد عرفتُ فيمن أنزلت هذه الآية. فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل، ثم تكون عامة بعد. وهذا الذي قاله القرظي حسن صحيح.
    وأما قوله: { وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ } فقرأه ابن محيصن: “ويَشْهَدُ اللهُ” بفتح الياء، وضم الجلالة { عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ } ومعناها: أن هذا وإن أظهر لكم الحيل (5) لكن الله يعلم من قلبه القبيح، كقوله تعالى: { إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ } [المنافقون: 1] .
    وقراءة الجمهور بضم الياء، ونصب الجلالة { وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ } ومعناه: أنه يُظْهرُ للناس الإسلام ويبارزُ الله بما في قلبه من الكفر والنفاق، كقوله تعالى: { يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ } الآية [النساء: 10 8] هذا معنى ما رواه ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
    وقيل: معناه أنه إذا أظهر للناس الإسلام حَلَف وأشهد الله لهم: أن الذي في قلبه موافق للسانه. وهذا المعنى صحيح، وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير، وعزاه إلى ابن عباس، وحكاه عن مجاهد، والله أعلم.
    وقوله: { وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ } الألد في اللغة: [هو] الأعوج، { وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا } [مريم:97] أي: عُوجًا. وهكذا المنافق في حال خصومته، يكذب، ويَزْوَرّ عن الحق ولا يستقيم معه، بل يفتري ويفجر، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر”.
    وقال البخاري: حدثنا قَبيصةُ، حدثنا سفيان، عن ابن جُرَيج، عن ابن أبي مُلَيْكة، عن عائشة تَرْفَعُه قال: “أبغض الرجال إلى الله الألَدُّ الخَصم” .
    قال: وقال عبد الله بن يزيد: حدثنا سفيان، حدثني ابن جريج، عن ابن أبي مُلَيكة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم”
    وهكذا رواه عبد الرزاق، عن مَعْمَر في قوله: { وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ } عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم” .وقوله: { وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ } أي: هو أعوج المقال، سيّئ الفعَال، فذلك قوله، وهذا فعله: كلامه كَذِب، واعتقاده فاسد، وأفعاله قبيحة.
    والسعي هاهنا هو: القَصْد. كما قال إخبارًا عن فرعون: { ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى* فَحَشَرَ فَنَادَى* فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى* فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأولَى* إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى } [النازعات: 22-26]، وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } [الجمعة: 9] أي: اقصدوا واعمدوا ناوين بذلك صلاة الجمعة، فإن السعي الحسي إلى الصلاة منهيّ عنه بالسنة النبوية: “إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تَسْعَوْن، وأتوها وعليكم السكينةُ والوقار”.
    فهذا المنافق ليس له همة إلا الفساد في الأرض، وإهلاك الحرث، وهو: مَحل نماء الزروع والثمار والنسل، وهو: نتاج الحيوانات الذين لا قوَام للناس إلا بهما.
    وقال مجاهد: إذا سُعى في الأرض فسادًا، منع الله القَطْرَ، فهلك الحرث والنسل. { وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ } أي: لا يحب من هذه صفَته، ولا من يصدر منه ذلك.
    وقوله: { وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإثْمِ } أي: إذا وُعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله، وقيل له: اتق الله، وانزع عن قولك وفعلك، وارجع إلى الحق -امتنع وأبى، وأخذته الحميَّة والغضب بالإثم، أي: بسبب ما اشتمل عليه من الآثام، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } [الحج: 72]، ولهذا قال في هذه الآية: { فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ } أي: هي كافيته عقوبة في ذلك.
    وقوله: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ } لما أخبر عن المنافقين بصفاتهم الذميمة، ذَكَر صفات المؤمنين الحميدة، فقال: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ }
    قال ابن عباس، وأنس، وسعيد بن المسيب، وأبو عثمان النّهدي، وعكرمة، وجماعة: نزلت في صُهيب بن سنَان الرومي، وذلك أنَّه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة، منعه الناس أن يهاجر بماله، وإنْ أحب أن يتجرّد منه ويهاجر، فَعَل. فتخلص منهم وأعطاهم ماله، فأنزل الله فيه هذه الآية، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرّة. فقالوا : رَبح البيع. فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم، وما ذاك؟ فأخبروه أنّ الله أنزل فيه هذه الآية. ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: “ربِح البيع صهيب، ربح البيع صهيب”.
    قال ابن مَرْدُويه: حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن عبد الله بن رُسْتَة، حدثنا سليمان ابن داود، حدثنا جعفر بن سليمان الضَبَعي، حدثنا عوف، عن أبي عثمان النهدي، عن صهيب قال: لما أردتُ الهجرة من مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت لي قريش: يا صهيبُ، قَدمتَ إلينا ولا مَالَ لك،وتخرج أنت ومالك! والله لا يكون ذلك أبدًا. فقلت لهم: أرأيتم إن دَفَعْتُ إليكم مالي تُخَلُّون عني؟ قالوا: نعم. فدفعتُ إليهم مالي، فخلَّوا عني، فخرجت حتى قدمتُ المدينة. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “رَبح صهيبُ، ربح صهيب” مرتين .
    وقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال: أقبل صهيب مهاجرًا نحو النبي صلى الله عليه وسلم فاتبعه نَفَر من قريش، فنزل عَنْ راحلته، وانتثل ما في كنانته. ثم قال يا معشر قريش، قد علمتم أنّي من أرماكم رجلا وأنتم والله لا تصلون إلي حتى أرمي كُلّ سهم في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شَيْء، ثم افعلوا ما شئتم، وإن شئتم دللتكم على مالي وقُنْيتي بمكة وخلَّيتم سبيلي؟ قالوا: نعم. فلما قَدم على النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ربح البيع، ربح البيع”. قال: ونزلت: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَاد}
    وأما الأكثرون فحمَلوا ذلك على أنها نزلت في كل مُجَاهد في سبيل الله، كما قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [التوبة: 111] . ولما حمل هشام بن عامر بين الصفين، أنكر عليه بعضُ الناس، فردّ عليهم عُمَر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهما، وتلوا هذه الآية: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..