إنتحار وطن!!

شابُ ينسلٌ من وسط الزحام قبالة المسجد العتيق بالخرطوم ظهيرة السبت متوجهاً صوب ميدان أبو جنزير وفي يده جالونين بنزين، وبينما الناس في شاغلٍ يسكب الشاب عبوة البنزين على جسده وسط المجمع لينتبه الحضور على ضريم النار بالجسد الناحل، وحسب شهود عيان أفادوا صحافة الخرطوم بأن الشاب قبيل الحادثة كان يردد هتافات على شاكلة .. أنا سوداني والبشير ديكتاتورـ وهو ذا الخبر بعيداً عن التفاصيل والآن حصحص الحق وأخرس الأسطوانة الرسمية (زول مجنون) والشاب مضحياً بحياته في سبيل حقوقه يبعث برسالةٍ عاجلة إلى ضمير العالم وهي رسالة واضحة إختزالاً لجملة معاناة المواطن بالبلاد، وأن يزهق إنسان روحه بسبب الظلم فهي قمة المأساة.. مأساة وطن يدفع القادرين من الشباب إلى الهجرة ـ شرعية كانت أم مخالفة لقوانين الهجرة بالدول البديلة، أما المعدمين منهم فلا خيار أمامهم سوى خيارين أحلاهما مُرٌـ إدمان المخدرات التي ترد البلاد بالحاويات وهي ترسو على المواني جهاراً نهاراً بينما يتم تهريب سلع إستهلاكية لا حرمة فيها سوى إنتهاء صلاحيتها في وطنٍ أنهوا صلاحيته..وطن يتهدده الوجود الأجنبي في مخالفة صريحة لقوانينه، بينما أهلوه أغراب رغم النسب وذوي الغربة والعشيرة..أغراب ولا طبابة لغربة مواطن رغم أنف ـ الرقم الوطني المتاح بسخاء ويسر و(عليها بوستين)للأجنبي بعيداً عن جرجرة المواطن المستحِق ومماطلته بـ(الشبكة طاشة) بينما جنسيتنا وهويتنا وجواز سفرنا كلها متاحة للمتردية من دول الجوار وما أكل (الأسد) والنطيحة، ثم الفخار والمدح لنظام تطربه من الأغنيات ما يؤشِّر لعسفه وتسلطه (نِحنا ولاد بلد نقعد نقوم على كيفنا) وقد تأسس عليها الشعار المستبد..(الزارِعنا غير الله ..الليجي يقلَّعنا) أما الخيار الأمَّر فهو فيما إختاره شاب أبو جنزير عليه الرحمة.
في التفاصيل ان الراحل خريج هندسة وذكر شهود عيان بانهم لاحظوا بان يده كانت ملفوفة بشريط جروح طبي وبها فراشة لتركيب محلول وريدي وحسب الافادات انه خرج من المستشفى بعد عجزه عن توفير كلفة العلاج

و التفاصيل المتداولة على لسان جار الراحل بأنه كان يلتقيه في طريقه إلى المسجد خلال معظم الأوقات وكان كثيراً ما يجادله حول سياسات النظام ويعتقد انه كان مواليا غير انه وقبيل وفاته بفترة كفر به وبمشروعه الحضاري، حسب رواية الجار الذي أكد بأن الراحل كان يقطن مع أسرته بمنطقة اللاماب بمنزلهم الكائن بموقع مصدق كميدان عام حسب تخطيط 1976 ومؤخراً قامت السلطات بإزالة المنزل رغم إعتصام الاسرة بالداخل وتم فتح بلاغ في مواجهة الراحل لإعتراضه القوة المناط بها التنفيذ، صحة التفاصيل أو عدمها لا تنفي أو تضيف إلى حقيقة أن الإنتحار ..أو مجرد الشروع فيه هو قرار يترجمه (آخر العلاج الكي) وهي قناعة قادت إليها أبواب عديدة أُوصِدت في وجه الحلول.
مأساة هي ان يدفع المواطن حياته مقابل الظلم في ظل غياب العدالة بل وغياب الدولة وحضورها في حرصها على بقاء ميدان عام ولا يضيرها تحول اسرة باسرها للسكن بميدان عام او إن افترشت الأرض وتلحفت الفضاء أو حتى لا يضيرها إن قررت إنتحاراً جماعياً.. الأهم والأولى لدى السلطة فرض هيبتها وجبروتها وعسفها …أين العالم من نظام مستبدٍ لا تزال عصا العقوبات مرفوعة أعلى رأسه بينما القوم في نشوة السكر بالقرار رغم إشتراطاته المسقوفة بستة اشهر تجريبية لسلوكها، وحادثة السبت ضمنها وتليق بكل وجوهها الوجيهة .. لم يكن محض إنتحار شاب فحسب، بل هو انتحار وطن يرفض العسف والإستبداد.
[email][email protected][/email]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..