زمان التحولات (1/5): فاشودة الجديدة ..

في المحاضرة التي القاها دونالد بوث مبعوث واشنطون إلى السودان في معهد السلام الامريكي قبيل مغادرته منصبه عبر عن تفاؤله تجاه ما يجري وأن هناك فرصة نادرة لتغيير العلاقة بين واشنطون والخرطوم بصورة راديكالية، مضيفا أن ذلك لم يكن متوقعا قبل سنوات أربع. تعود علاقة بوث بالسودان إلى أواخر عهد الرئيس السابق جعفر النميري عندما كان مسؤولا في الخارجية عن مكتب الشؤون السودانية، وتقييمه هذا يكتسب أهمية بالتالي.
رأيه هذا اضافة إلى دعوات العصيان المدني، إلى الرفع الجزئي للعقوبات الامريكية على السودان، إلى عودة الامام الصادق المهدي، إلى ما يتردد عن تصفير عداد الانقاذ وبدأ تدفق الاستثمارات الخليجية والاستعداد إلى مرحلة جديدة، يبدو أن السودان قد دخل فعلا في زمان التحولات.
وهذه التحولات ليست قاصرة على السودان وإنما على المنطقة والعالم بأسره، حيث ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية بسياساتها ومؤسساتها وأفكارها تبدو في حالة مراجعة لعجزها عن المواكبة والملاءمة لمرحلة ملمحها الاساسي السرعة وعدم الوضوح وهو ما أرجعه الكاتب توماس فريدمان في كتابة الأخير “شكرا لوصولك متأخرا” إلى تداخل ثلاثة عوامل: التقدم التقني، التغير المناخي وعولمة الاسواق وتسابقها فيما بينها. ويضيف أن هناك حوالي عشرة مليارات من الاشياء أصبحت مرتبطة في عالم اليوم بالأنترنيت، وأن سرعة الاختراعات التقنية جعلت كل الدورة الحياتية لكل اختراع جديد تتراوح بين خمس إلى سبع سنوات، الأمر الذي جعل هناك تحديا مستمرا ودائما للحاق بما يجري في ميادين السياسة والإدارة والاقتصاد وغيرها، التي شهدت خلخلة للأنظمة الاقليمية والعالمية التي تسيدت الساحة على مدى أكثر من نصف قرن من الزمان مما أدى إلى انقسامات جديدة في الساحة اذ لم تعد بين يسار ويمين أو شمال وجنوب وإنما بين دول مستقرة وأخرى مضطربة.
فالاستقرار الذي ميز فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية بدأت أركانه في التصدع وبصورة أكثر وضوحا في المنطقة العربية التي تلقى النظام السائد فيها ضربة قاسية في 1990 بغزو الكويت ثم انتقلت تلك الخلخلة من العلاقات بين الدول إلى داخلها عبر انفجار ثورات الربيع العربي التي وضعت على المحك شرعية الأنظمة القائمة وفتحت في ذات الوقت نافذة ضخمة خرجت منها حمما في شكل أعمال عنف وهجرات تجاوزت المنطقة إلى الدول الافريقية المجاورة التي تبخرت فيها أحلام الاستقلال مع انسداد الافق في الحلم بحياة كريمة. وكان أن شهدت السنوات الثلاث الماضية تدفق موجات بشرية في أتجاه القارة الاوروبية أسهمت من غير قصد في تعزيز وضعية السودان الجيوستراتيجية بطريقة لم تعرفها البلاد منذ حادثة فاشودة المشهورة في 1899 حيث تواجهت بريطانيا وفرنسا في مسعى لتأمين النفوذ في تلك البقعة والسيطرة على منابع النيل. وبلغ من اهتمام بريطانيا بالأمر أن بعثت بالجنرال كيتشنر بعد أيام من دحر جيوش الخليفة عبدالله بجيش قوامه 25 ألفا من الجند المسلحين لمواجهة الكابتن مارشاند الفرنسي وحتى قبل إبرام اتفاقية الحكم الثنائي التي حكم بموجبها السودان، مما يشير إلى رؤية القوى الخارجية إلى موقع السودان الجغرافي أكثر من اهتمامها بالبلاد نفسها، وهو ما تكرر مؤخرا بمراجعة القضايا الخمس التي وضعتها واشنطون لتخفيف عقوباتها ضد السودان فثلاثا منها تخص قضايا خارجية واثنتان ترتبطان بالداخل.
الهموم الغربية فيما يخص مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية وضبط الحدود أعادت تأكيد الموقع الجيوستراتيجي للسودان كونه يحاذي سبع دول عربية وأفريقية إلى جانب اطلالته على البحر الاحمر الذي يرتبط بأمن الخليج الذي يعيش في حالة مواجهة مع إيران، كما ان لديه أطول حدود تتجاوز الألفي كيلومتر مع جنوب السودان الذي يجد في السودان متنفسه الوحيد للأطلال على الاسواق العالمية وتصدير سلعته الوحيدة وهي النفط الخام عبر ميناء بشائر على البحر الاحمر، وهو ما دفع بعض العواصم الغربية إلى الدخول في علاقات متنامية مع الخرطوم كما هو الحال مع انجلترا والمانيا وإيطاليا والاتحاد الاوروبي.
هذا الاهتمام المتجدد بالسودان لم ينبع فقط من موقعه الاستراتيجي وإنما أيضا بسبب تجنبه مالات الربيع العربي سواء في عنفوانها أو في محاولات العصيان المدني الأخيرة التي اعتمدت على الفضاء الاسفيري بصورة أساسية. وائل غنيم، أحد رواد ثورة يناير المصرية، التي أطاحت بحسني مبارك، أوضح في محاضرة له في TED TALK أنه بعد خمس سنوات من التأمل توصل إلى خلاصة أن الانترنيت ليست الوسيلة المناسبة للتغيير، وعدد خمسة أسباب لذلك:
? الحيرة في التعامل مع الاشاعات،
? وأن التواصل بين المجموعات يقتصر على تلك التي تتبنى نفس المواقف
? وأن النقاش ينحدر سريعا إلى جدل غوغائي، والجدل يقفز سريعا إلى النهايات مع صعوبة تغيير القناعات
? وأخيرا فإن الطريقة التي تتم بها النقاشات تجعلها أقرب إلى الشعارات وبدون حوار حقيقي.
أهم من ذلك أن للسودانيين تجربتهم الثرة العملية. وفي نشيد الملحمة للفنان محمد الامين عن ثورة أكتوبر يلاحظ أنه ظل يكرر ولسبع مرات مقطع “لما يطل في فجرنا ظالم” بصورة درامية مستغلا قدراته الصوتية الهائلة للتعبير عن حالة الاحباط السائدة في مالات الثورة، وهو ما تكرر بعد عقدين من الزمان في ثورة أبريل 1985 خاصة والقيادات السياسية ظلت هي نفسها التي تتسيد المشهد مع الغياب الكامل لأي طرح فكري أو سياسي جديد يمكن أن يلتف الناس حوله خاصة مع احتراق الشعارات من يسارية وأسلاموية وعروبية من خلال التجربة العملية وأسهم هذا الوضع بصورة رئيسية في تجنب السودان تجربة الربيع العربي، ويضاف إلى هذا ان النظام لديه حاضنة شعبية أفضل مما توفر للأنظمة التي أقتلعها الربيع العربي في مصر وليبيا وتونس واليمن.
لكن ومع هذا الهدوء الظاهري إلا أن هناك تيارات تمور تحت السطح لا يدري عنها أحد شيئا خاصة إذا أضيفت إليها حالة الحراك الاجتماعي الضخم التي تنتظم البلاد بصورة غير مسبوقة وتزايد التواصل داخليا مع العالم الخارجي عبر ثورة الاتصالات. وهذه التيارات هي التي حركت مبادرة العصيان المدني التي تعتبر رسالة إلى الطبقة السياسية بحكومتها ومعارضتها المدنية منها والمسلحة عبر قيادات شابة لم تفصح عن نفسها بصورة واضحة ولو أن هناك إشارات على أنها تضم أيضا مجموعات من شباب الاسلاميين ممن أصيبوا بخيبة أمل في الطريقة التي تدار بها الأمور وعدم انفتاح نوافذ للإصلاح رغم المذكرات العديدة التي رفعت من قبل وعرف من بينها مذكرة الألف أخ والسائحون وغيرها.
ولهذا يبدو المشهد السياسي الداخلي مهيئا لعملية تغيير يمكن أن تحدث نقلة نوعية فيما إذا صدقت التصريحات الأخيرة للرئيس عمر البشير أنه دستوريا لا يمكنه الترشيح مرة أخرى، وهو ما يستدعي ما نقل عنه مرة أنه سيكون آخر المغادرين في برنامج التغيير الذي طال قيادات من الوزن الثقيل من قبل. ونفس الشيء ينطبق على زعيم حزب الأمة الصادق المهدي الذي أعلن عقب عودته أنه لن يترشح مرة أخرى وعلى الحزب الاعداد لمؤتمر عام هذا العام لإعادة تأسيس جديدة للحزب.
المهدي يعتبر آخر وجوه ثورة أكتوبر الشعبية وتقليص دوره في العمل السياسي المباشر مؤشر على نهاية مرحلة امتدت لأكثر من نصف قرن من الزمان، وهي المرحلة التي بلغت ذروتها بانقلاب الحركة الاسلامية وسيطرتها على مفاصل الدولة كأطول فترة حكم في تاريخ البلاد لكن بثمن باهظ ألقى بظلاله على الحركة نفسها فكرا وقيادات وممارسة، الامر الذي سيضعها في مواجهة امتحان وجودي عصيب متى فقدت السلطة، لكن من الناحية فإن هذه التطورات تسهم في تهيئة الملعب السياسي إلى تطورات جديدة يمكن أن تنحو منحى إيجابيا فيما إذا تعاملت القوى السياسة مع هذه المتغيرات بأفاق رحبة مستصحبة تجربة البلاد الثرية مع شيء من المرونة بأمل إنفاذ التحول بطريقة متدرجة تفتح الباب أمام ربيع سوداني للتبادل السلمي للسلطة وفق قاعدة للشرعية ظل السودان يعاني من غيابها طوال تاريخه دولة مستقلة.
++++++
(غدا: وداعا للسلاح؟)
[email][email protected][/email]

تعليق واحد

  1. عن مخطط خلية اركويت الإرهابية وحادثة الانفجار المروع!!!

    ما بمكن التنبؤ به هو انها محاولة الاعداد لعملية ما يمكن تسميتها محاولة اغتيال وضرب الانفراج السوداني الامريكي, ليتأكد لدونالد ترامب الرئيس – الذي اعلنها صراحة ان محاربة الاسلام الراديكالي التي توعد بها يجب ان تبدأ بالسودان عند نجاح هذا المخطط، ليدخل السودان فصل جديد, يعيد كل القراءات “الخاطئة” التي بنت عليها امربكا توجهها نحو السودان كبلد بديل لما تنوي فعله بالمنطقة, بداية ببنائها لأكبر سفارة لها بالشرق الأوسط وافريقيا !!!

    وهنا علينا ان نتذكر مقولة ترمب – الوعيد والتهديد والتي نصها:we must eradicate the Radical Islam from the face of the earth- adding that we must form new coalition to fight this extremism) هذا التهديد في حد ذاته يذكرنا بتهديد احمدي نجاد بمحو اسرائيل من خريطة الكرة الارضيّة – فأيهما اصدق ام انها مجرد محاكاة استرضائية !!! أنا أري الأخير اي ترامب انه هو الاصدق!!!

    هذا الكلام البسيط بحتاج الي مزيد من الشرح لكن أرجو المعذرة عن ذلك!!! فالامر في تقديري اكبر واخطر مما نتصور !! ونسألك يا الله ان تجنبنا وبلادنا الشرر والأشرار – آمييين

  2. عن مخطط خلية اركويت الإرهابية وحادثة الانفجار المروع!!!

    ما بمكن التنبؤ به هو انها محاولة الاعداد لعملية ما يمكن تسميتها محاولة اغتيال وضرب الانفراج السوداني الامريكي, ليتأكد لدونالد ترامب الرئيس – الذي اعلنها صراحة ان محاربة الاسلام الراديكالي التي توعد بها يجب ان تبدأ بالسودان عند نجاح هذا المخطط، ليدخل السودان فصل جديد, يعيد كل القراءات “الخاطئة” التي بنت عليها امربكا توجهها نحو السودان كبلد بديل لما تنوي فعله بالمنطقة, بداية ببنائها لأكبر سفارة لها بالشرق الأوسط وافريقيا !!!

    وهنا علينا ان نتذكر مقولة ترمب – الوعيد والتهديد والتي نصها:we must eradicate the Radical Islam from the face of the earth- adding that we must form new coalition to fight this extremism) هذا التهديد في حد ذاته يذكرنا بتهديد احمدي نجاد بمحو اسرائيل من خريطة الكرة الارضيّة – فأيهما اصدق ام انها مجرد محاكاة استرضائية !!! أنا أري الأخير اي ترامب انه هو الاصدق!!!

    هذا الكلام البسيط بحتاج الي مزيد من الشرح لكن أرجو المعذرة عن ذلك!!! فالامر في تقديري اكبر واخطر مما نتصور !! ونسألك يا الله ان تجنبنا وبلادنا الشرر والأشرار – آمييين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..