ذكرى الفنان الذري

مرت علينا قبل يومين الذكرى الحادية عشرة لرحيل
أحد أهراماتنا الفنية وظاهراتنا الغنائية ، ذلكم هو المفاعل الذري للغناء السوداني الفنان صاحب البصمات والصولات والجولات التي لم ولن تنمحي من ذاكرة الامة و ببلوغرافيا نخبة الابداع ابراهيم عوض عبد الحميد، وبمرور كل هذه الاعوام على رحيله المر تأبى الذاكرة أن تبارح ذاك الحدث الأليم فتجتره وتجر معه سيل الذكريات وما سال به القلم يومذاك?.
كان أكثر ما يحيرني في كاريزما إبراهيم عوض الغنائية، هو مقدرته بل سطوته التى تجبر فيما أدعي كل السودانيين بلا استثناء بمختلف شرائحهم العمرية، ومختلف مستوياتهم التعليمية، وعلى اختلاف مشاربهم الثقافية، ومرجعياتهم الفكرية وانتماءاتهم السياسية، على إرهاف آذانهم لغنائه وشدوه الطروب ، والتمايل طرباً مع أنغامه وألحانه بما جعل منه بوتقة تلتقي عندها كل الأذواق، ومحطة تأتلف في رحابها جميع القلوب وداً ومحبة لهذا العملاق الذي وحَّد وجدانهم وأجج مشاعرهم، بالنظم الحلو الجميل المموسق واللحن الشجي العذوب، والأداء الرائع المعبر الذي يضيف الى الكلام واللحن بعداً ثالثا. . وما يذكر ابراهيم عوض وجبروته الغنائي الا واتذكر ذلك «التلشاوي» المنحدر من جبال تلشي وعاصمتها قرية رأس الفيل وما ادراك ما تلك الاصقاع الهامشية المنسية، نوباوي قصيرالقامة اسمه «ككوا» في الاوراق الثبوتية إن كانت له أوراق ولكنه اشتهر باسم «هيثم الخلاء» يجيد أغاني إبراهيم عوض ولا ينفك من ترديدها آناء الليل وأطراف النهار، رغم أنه لم يكن يعرف شيئاً عن العربية فصيحها ودارجها،لا يفرّق بين حروفها، يتساوى عنده الواو الضكر واللبان الضكر، إلا أنه رغم كل هذا العي فصيح «لضيض ولميض وشديد» عند الترنم بأغاني هذا العملاق يحفظها صم عن ظهر قلب كما يحفظ طلاب المعهد العلمي ألفية ابن مالك، ويؤديها بذات الطريقة التي يؤديها بها صاحبها. ولم يقف أمر «ككوا» عند هذا الحد، بل كان يجتهد في تقمص شخصية إبراهيم عوض في هيئته وملبسه ومشيته، لدرجة انه حاول تقليد شقة الشعر التي اشتهر بها فناننا الراحل تأسياً وتشبهاً بحبيبه وصفيِّه إبراهيم عوض، طب حياً يا ككوا إن كنت لا تزال تكافح من أجل لقمة العيش الشريفة، فرغم الضنك والرهق لم تكن تبالي ولا تضجر، ودائما ما تضرب الهم بالفرح.. وطب ميتاً إن كنت غادرت هذه الفانية التي لم تكن تملك فيها شيئاً غير حبك لكل الناس وهيامك بابراهيم عوض. أما أنت يا ملك الشجن، فقد كنت علامة فارقة في تاريخ الغناء السوداني، وأحد أفذاذ بناة نهضته الحديثة، عمرت وجدان الشعب بفن راقٍ عذب، وغمرت مشاعره وعطرت لياليه، وأعنته بجرعات من الفرح والطرب تمكن بها من تجاوز مراراته واحباطاته.. لن نقول لك وداعاً في يوم رحيلك، فأنت باقٍ بيننا بما خلّفته من تراث ضخم سيظل سلوانا وملاذنا. وإن غبت عنا جسداً فإن صوتك سيظل يصدح بيننا لن يغيب أو يصمت. و?.. لو داير تسيبنا جرب وانت سيبنا ولوداير تحب حب وانساهو ريدنا يوم ترجع تصافي نسامحك يا حبيبنا..

الصحافة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..