مقالات سياسية

جيل أصابه العطب … فهل عُرف السبب؟

جيل أصابه العطب .. فهل عُرف السبب ؟

في إجازتي السنوية في أرض الوطن استقليت سيارة شقيقي لزيارة صديق عزيز ودفعة … وهو من الذين آثروا البقاء في الوطن رغم المحن والإحن … وصبروا وصابروا ولم يستعجلوا الأرزاق … ولم يهجروا الوطن ويتركوا الأهل والأحباب .. وكدوا كدا وفي النهاية وجدوا … فله الآن من الفارهات والمزارع والبيوت الفخيمات .. وأطمئنك عزيزي القارئ قبل أن تسرح بخيالك بعيداً إنه لا ينتمي لأي من المؤتمرين الشقيقين ( إذاً كل ثروته بالحلال فلهم ورثة وقام بتطويرها بعقليته الإقتصادية المسؤولة ) نسأل الله له الزيادة والنجاح فبعد الإلحاح منه قررت زيارته في شركته في الخرطوم …

وبينما كنت أسير في طريقي من كافوري ببحري والي الخرطوم وجدت شابا من هذا الجيل ( تقريباً جيل التسعينات ) … قلت أصطحبه لأن الطريق طويل ويحتاج إلى رفقة على الأقل يدلني على الطرقات … وأركبته إلى جواري فتبادلت معه أطراف الحديث .. وسألته عن حاله .. وأين يدرس .. وما الذي يعمله ويقراءه في الإجازة … بالطبع كان مشغولا بالهاتف والحديث في التلفون ودون أدنى إهتمام .. ثم سألته : هل تعرف لماذا وقفت وأركبتك معي ؟
فأجاب الطالب بإجابة كانت كالصاعقة قال : ولا حاجة سيارتك فاضية .. ومن حقي أن أركب
فسألته من حقك ؟ أي حق لك
أجاب : السيارة فاضية (وبخفة دم ثقيلةوضحك )
هنا أوقفت السيارة وأنزلته .. قائلا له لو كنت عرفت إنك غير مهذب ما أجلستك بجوارئ .. جيل يقرف .. لا أمل فيه
أي بدلا من أن يقول لي : إنه كرم منك .. فليس لي الحق في أن أركب معك .. وشكرا وكتر الله خيرك ..

فعند وصولي إلى صديقي وجدته في إجتماع وكان مشغول جدا كاصحاب المال الذين أشقاهم المال بدلا من أن يسعدهم … المهم بعد التحية والسلام كانت العصبية واضحة في تصرفاتي … فسألني ما الذي يضايقك …فهل من زحمة الطريق ؟ نعم كذلك .. لكن السبب الأساسي هو : وحكيت له القصة والموقف مع ذلك الشاب … وتبادلنا الأراء عن جيلنا جيل السبعينات وعهده الزاهر في الأدب والإحترام وكيف كنا نتعامل مع الكبار … وكيف نحترم ونخاف الأستاذ (المعلم) فإذا سلك طريقا سلكنا نحن طريقا غيره .. وكيف كنا نتحصل العلم .. وطريقة التدريس … وذكريات الجمعية الثقافية .. وكيف نراعي شعور ومشاعر الآخرين … وكيف كانت المروءة متوفرة في ذلك الجيل .. وكيف كنا نعتمد على أنفسنا … والكثير والكثير عن هذا الجيل والأجيال السابقة مقارنة بجيل اليوم ..

فحكى لي هو رواية أخرى قال لي : قبل يومين .. جاءه شاب من نفس الجيل يطلب عملا بتوصية من صديق له
فسأله الشاب : أين العمل يا أستاذ
فقلت له : أين ؟ في أي مكان المهم تجد عملا
قال الشاب : أريد أن أعرف أولاً .. فتضايق صاحبي هذا … فعاد الشاب يسأله لقد كان في نيتي أن أسافر إلى مناسبة زواج أحد أقربائي في مدينة ود مدني ألا يمكن أن يكون العمل بعد العودة من هذه المناسبة
فتضايق صاحبي وصرخ قائلاً أنت في وضع لا يسمح لك بالإختيار .. أنت تعمل في أي مكان وأي شئ .. وبعد ذلك إنتقل إلى أي مكان آخر .. ثم إنك لا تريد أن تفعل شيئا .. وتريد أن تستمتع بالاعراس والمناسبات وأن ينتظرك العالم كله حتى تتفرغ وتتفضل على الدنيا بعملك .. أمشي أخرج ولا يوجد لدينا عمل ..

ووجد صاحبي السبب وتفسيراً للعطب الذي أصاب الشباب : بأن الشباب اليوم كسول مغرور على الفاضي … وكأنه لا يزال طفلاً على حجر أمه يريد من العالم أن يرضعه وأن يقدم له الطعام والشراب والعمل وأن يجد الحرية والرفاهية في انتظاره دون أن يبذل جهداً ليقتلعها وبدون أن يتحرك
ثم استرسل صاحبي في الحديث عن هذه الأجيال وقال : الاجيال الموجوده الان على الارض اجيال مهزومه نفسيا وغير مؤهله لتحقيق طموحاتها في البناء أو السلام أو التقدم الحضارى … هذه الاجيال هزمها حكامها بالقهر والظلم والتجهيل وسلب الإراده … فهي أجيال لا تعرف الحرية ولم تعشها ولم تتدرب على تجربة ممارستها لذلك لم تتعلم النضال من أجلها … 90% من هذه الأجيال تربوا وترعرعوا في عهد الإنقاذ لذلك كل خبراتها مركزه فى النفاق وتملق الحاكم من أجل منحهم فرصه للحياة فقط ? وتدخلت أنا وقلت لصاحبي : والحرية لا يصنعها ولا يطمح اليها العبيد الذين تربت نفوسهم وضمائرهم على الخضوع والمذله… الجيل بالكامل جيل استهلاكى فى كل شيء فلم ينتج ولم يجتهد . إستهلاكى فى الأفكار وحتى فى التكنولوجيا

على كل حال طموحات هذه الأمه ربما تحققها أجيال ستأتي بعد ازمنه من الكفاح ضد المستعمرين الجُدد المحليين أولا ومن لصوص الثروات وسارقي الحياه وعشاق الجهل والموت …. وفي كل الأحوال ليست هذه الأجيال التي نعيش معها الآن

وهنا ضحك عدد من الشبان كانوا معنا في المكتب فقلت له : إن ضحك هؤلاء الشباب معناه أنهم يستنكرون ما فعله هذان الشابان معنا فليسوا جميعاً بهذه الوقاحة وهذا الكسل وهذه الإتكالية.

ياسر عبد الكريم
[email][email protected][/email]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..