الرسوم المتحركة: سذاجة تلهم الاصابع لمعان الذهب

ليختنشتاين لم ير الحياة إلا حاضنة لرسوم متحركة، تدور وقائعها في مكان متخيل، يقلد حياة لم تقع على الأرض، غير أنها صارت ممكنة.

بقلم: فاروق يوسف

هل كان الفنان الأميركي روي ليختنشتاين (1923 ــ 1997) يحلم في شبابه في العمل رساما في المجلات المصورة الـ (كومكس)؟ يتبادر هذا السؤال الى ذهن من يرى رسوم ليختنشتاين لأول مرة. بعدها سيقال أن الرسام لم يفعل شيئا نادرا يؤهله للشهرة التي نالها في حياته.

صارت أعماله من وجهة نظر ادارات المتاحف الفنية والمقتنيين نوعا من الروائع التاريخية.

ينبغي علينا أن نشير في البدء إلى أن هذا الفنان كان ابن الثقافة الأميركية، الأكثر اخلاصا وولاءا لمعطياتها، بالرغم من أنه ينتمي إلى عائلة المانية مهاجرة. لا لإنه اختصر الطريق الوعرة وأدار ظهره للفن الصعب، حسب بل لإنه أيضا كان قد ذهب مباشرة إلى عناصر الإثارة التي يمكن من خلالها الاهتداء إلى بنية الشخصية الأميركية.

وهي البنية التي استنطق جزءا منها الرسام جاكسون بولوك (1912 ـ 1956) من خلال تقنية تعتمد على السرعة في الحركة. كان بولوك قد وقف بالرسم عند حدود البلاغة التصويرية التي يمليها مرور شبح عابر.

هناك الكثير من الشبه بين ليختنشتاين وأندي وارهول (1928 ــ 1967) وهما الأكثر تمثيلا لتيار الفن الشعبي “بوب أرت” في صيغته الأميركية. كان الأثنان قد نظرا إلى العالم وإلى الرسم بعين أميركية خالصة. غير أن سؤالا نفعيا “عمليا” كان هو جوهر البحث لديهما.

ما الذي يحبه الأميركيون ويشكل محور أهتمامهم، في حياة يغلب عليها طابع السرعة ومحاولة اختصار فكرة الحياة في الممتع والمفيد والرخيص والمفهوم والمباشر؟

كان هناك شعور عميق بالعبث الوجودي تقابله الاسطورة الأميركية بخفة خروجها إلى مناطق لم تكن مأهولة. كان يأس أوربا درسا عميقا استفاد منه الأميركيون، لكن بطريقتهم التي تعتمد على التبسيط.

ليختنشتاين لم ير الحياة إلا حاضنة لرسوم متحركة، تدور وقائعها في مكان متخيل. يقلد الرسم لديه حياة لم تقع على الأرض، غير أنها صارت ممكنة، بحكم اقبال الجمهور على متابعة وقائعها على الورق وعلى الشاشة.

هناك الفأر ميكي، الرجل الخارق “سوبرمان”، الرجل الوطواط “بات مان”، كائنات ورقية غير أنها في الوقت نفسه كائنات ثقافية.

سيكون علينا أن نفكر بقوة الأيقونة المعاصرة، تفكير من شأنه أن يرتد علينا بشبهة السذاجة، هناك الكثير من السذاجة في رسوم ليختنشتاين، غير أنها السذاجة التي صارت تلهم الاصابع لمعان الذهب، هناك اليوم العشرات من الرسامين ممن يتبعون أثر ليختنشتاين، لا شغفا بعوالمه، بل رغبة منهم في الاهتداء إلى مدن الذهب.

سيكون علينا أن نفكر بمصير مختلف للرسم، طالما كانت المجلات المصورة وأفلام الرسوم المتحركة قد غدت واحدا من مصادر الهامه. ولكن ليختنشتاين كان قد عثر على مساحة فارغة في المشهد العالمي المعاصر، لم ينظر النقاد إلى رسومه باعتبارها مجرد محاولة لاستعادة شريط مصور، الوهم الذي تعبر عنه رسوم ذلك الفنان “رسوم أتباعه من بعده” انما يضعنا أمام حياة قد انقسمت إلى نصفين: نصف نعيشه مباشرة في الواقع ونصف آخر نستلهم وقائعه مما نراه في المجلات المصورة وأفلام الرسوم المتحركة.

نتحرك بين ضفتي الواقع والوهم، المعاش والمتخيل، كما لو أننا نجدد قوانا الداخلية بالاستعانة بحواس لم يعد في إمكانها التمييز بين ما تكتشفه وبين ما تخترعه. رسوم ليختنشتاين هي أشبه بالضمير الغائب في اللغة. محاولة لإظهار وتجسيد فعل شخص غير مرئي، غير أن وجوده لا يثير أي نوع من الشك، ذلك الشخص صار يرانا، وإن من وراء حجب، تلعب كائناته المتخيلة في مساحاتها دور القرين القادم في لحظة استفهام.

ربما علينا الاعتراف أن الكثير من رسامي اليوم صار ينظر إلى رسوم ليختنشتاين بطريقة غير نقدية، تكشف عن ولاء عاطفي ينطوي على تكهن بمصير ينجو بالرسم بعيدا عن معادلاته التقليدية، وبالأخص في مجال التقنية، هناك اليوم قاعات عرض ومتاحف لا تعرض سوى الرسوم المبسطة، رسوم يُخيل إلى المرء حين يراها أنها لم تنفذ من قبل رسامين محترفين، شيء من هذا القبيل يحدث كل لحظة في مختلف انحاء العالم، وليس في أميركا وحدها.

العدوى انتشرت بين الرسامين، ألا يعني ذلك ضياعا للرسم بمدارسه وأساليبه وتياراته التي صارت اليوم تقليدية؟ ما من جواب في إمكانه أن يخرجنا من المتاهة، ولكن هلعنا لا يصيب الرسم بضرر، يبدو الرسم غير مكترث بما نفكر به، مثلما هناك دائما حياة ممكنة فان هناك دائما رسم ممكن، الرسم الذي لا يقرن مصيره باليومي الزائل، ولإن العادات اليومية الأميركية قد وجدت طريقها إلى الرسم من خلال رسام مهم هو اندي وارهول فذلك لا يعني سوى أن الرسم يمارس جزءا من وظيفته: توثيق الأحوال ألإنسانية والثقافية، ما فعله ليختنشتاين والمتأثرون بتجربته يتخطى ذلك الفعل إلى توثيق خيال تلك الأحوال المعبر عنها من خلال الرسوم المصورة والمتحركة.

نحن نرهن أحوالنا إلى الغيب مرة أخرى، فالكائنات الطالعة من الرسوم المتحركة تشبهنا، غير أنها لا تعيش إلا جزءا مقتطعا من شروط حياتنا. هي كائنات تقف عند الحدود التي تفصل بين الواقع والوهم. نراها لأن هناك من بيننا مَن يرغب في أن يهبها أشكالا تتشبه بأشكالنا. حينها يكون علينا أن ننبهر فنقول “إنها تشبهنا”. الرسوم تطيح بذاكرتنا البصرية.

ميدل ايست أونلاين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..