ضباط الصحة ظهروا

واحدة من أهم المهن التي كانت موجودة بالسودان قبل الإنقاذ ولها شأن عظيم (ضباط الصحة) وقد كانوا يقومون بدور مهم جداً للمحافظة على صحة المجتمع وتحسين سلوك المواطنين الصحي، ولكن مثلهم مثل كل المهن المهمة التي أهملتها الحكومة وحلت عليها لعنة الصمت حتى خيل لنا إنه ما عاد لهم وجود لنكتشف إنهم مازالوا موجودين ولهم اتحاد أيضاً، ورغم ذلك لا يسمع لهم صوت ولا يرى لهم وجود، ولكن كما يقال أن تأتي متأخراً خير من لا تأتي، أول أمس وأنا أطالع الصحف إذا بها تحمل عنواناً يقول، اتحاد ضباط الصحة يحذر من انفراط عقد الخدمات الصحية، وأصدر بياناً شديد اللهجة وصف فيه الداء والدواء بشجاعة، وأرجو لا يسكت مرة أخرى.
اتحاد ضباط الصحة بالسودان في بيانة اشتكى من إهمال المستوى الولائي والمحلي لخدمات صحة البيئة، ولفت إلى إن بعض المحليات تفتقر تماماً لصحة البيئة لعجزها عن الصرف على الموظفين، وبالتالي عجزها عن تقديم خدمات صحية تمس حياة المواطن، واعتبر إن عدم تقديمها يمثل خطورة على الحاضر والمستقبل، وإنه قد تم تخريب النظام الصحي بصورة ممنهجة لصالح كوادر معينة ذات حظوة في إتخاذ القرار، وتم تحوير القوانين لصالح تلك الكوادر وتربعت على الوظائف القيادية لضباط الصحة فأصبح الرجل غير المناسب في غير اختصاصه فانفرط عقد الخدمات الصحية، وأصبحت البيئة تعج بالحشرات والهوام وكل مسببات ونواقل الأمراض وفقدت كل المتطلبات الأساسية لها من هواء نظيف ومياه آمنة وأغذية صحية خالية من التلوث، وتابع (أصبحت الكثير من إدارات صحة البيئة بالمحليات لا حول ولا قوة لها جراء الوضع الغريب والشاذ). واشتكى البيان من إدارة صحة البيئة بعشوائية، ورأى أن هناك تدهوراً مريعاً وانهياراً في بعض المحليات مما أدى إلى ظهور أمراض معدية ووبائية نتيجة لتلك الأوضاع الشاذة، وطالب الاتحاد بإتخاذ قرارات تصحيحية حازمة، وإنشاء مجلس قومي للصحة العامة وصحة البيئة وإعطائه كافة الصلاحيات والمسؤوليات وجعل صحة البيئة ذات اختصاص مشترك قومي وولائي في الدستور الدائم، وتطوير الوضع الإداري والهيكل لصحة البيئة لجعل الإدارات على كل المستويات تقوم بواجبها دون وصاية من أحد وبمسؤولية محددة ومعروفة.
حقيقية البيان لم يترك شيئاً لم يذكره فقد وفى وكفى، ولكن السؤال المهم أين المسؤولون والضمير الحكومي الذي سيسمعهم؟ فقبلهم صرخت كل الكوادر العاملة في مجال الصحة وما زال نضالهم مستمراً لمقاومة إهمال الحكومة المقصود للصحة عموماً، فكل الوزراء والمسؤولين هم رجال غير مناسبين في غير تخصصاتهم كما قال البيان وهو السبب الذي دمر كل القطاعات وليس قطاع الخدمات الصحية وحده.
إن كانت الدولة مهتمة بدور ضباط الصحة لما ظلت الوبائيات المختلفة تجتاح المجتمع دون توقف كما يحدث اليوم مع الكلوليرا التي تسميها الحكومة إسهالات مائية حادة، ولما احتاجت لتبدأ مع المجتمع من نقطة الصفر وتعلمه مبادئ النظافة، ورغم هذا لن يتقدم المجتمع قيد أنملة مالم تعطِ الحكومة القطاعات المختلفة الاهتمام لتقوم بدورها وواجباتها المسلوبة، وهذا لن يحدث مالم تطالب به الاتحادات وتستنفر المواطنين، فالحكومة لم تعد هي الجهة التي يأمنها المواطن على نفسه، لا بد أن تتحرك الاتحادات التي تمثل العاملين في مجال الصحة فما عاد الوضع يحتمل مجاملة الحكومة وحزبها لأنها ستكون خيانة عظمى وجريمة لا تغتفر.
التيار



