أخبار السودان

بشرى الفاضل : ( البنت التي طارت عصافيرها وجائزة كاين )

بشرى الفاضل
البنت التي طارت عصافيرها
تفوز بجائزة كاين
قلب النص

قصة مزيج من الشعر بمدارسه الحديثة من صورية ورمزية ( سيمبوليزم ) وسرد يجنح إلى اللغة مفجرا ما تحتها من المعاني والانفعالات . قصة تقوم بتحييد الكاتب والقارئ معا لأنها لا تعتني بالوحدات السردية لذاتها ولا تطلب من القارئ خيالا ولا انفعالا ومع ذلك يشارك بعقله وخياله في هذا التشويش والتضييق على المعاني منذ البداية وإلى النهاية .
شكل القصة رمزي وهذا ظاهر من السطر الأول وتتفاقم هذه الرموز والإيحاءات والإشارات حتى نصل إلى الذروة المطلوبة فلا نستطيع أن نفرق بين دماء البنت ودماء العصافير بل لا نستطيع أن نحدد هل ماتت البنت أم ماتت العصافير أم ماتوا جميعا . وهل ماتت في الطريق أم قرب الشاطيء
التوازن بين فن الرمز وفن القص واضح وهو الذي يصنع تلك اللوحات الغائمة المشوشة التي تشبه الأحلام في تفككها ومنعها للمعاني ان تكتمل . وتلك الحالة التي تنتاب القارئ والتي تشبه الكوابيس وتجعله يلهث من أجل أن يفهم وأن يقبض على أي شيء يجعله ثابتا في أرض متداعية منهارة ولا أسس لها . هذا التوازن يصنع توازنا آخر أكبر هو الذي يعطي القصة وجودها وكينونتها وهو التوازن بين الشكل والمضمون بحيث يتحول المضمون إلى شكل وبهذا تذوب تفاصيل الشخصيات وملامح البيئة التي تقع فيها القصة وتظهر من وراء حجاب وتتحدث الشخصيات كأنها غريقة في مكان مظلم أو كأنها تتحدث من عالم آخر غير العالم الذي نعرفه . ومع أن الشخصيات سودانية وتتحدث بلغة دارجية أحيانا إلا أنها تأتي من مكان خلف الوعي فهي تتحدث متقطعة من مكان حلمي مضطرب مشوش . يستعمل الكاتب أحيانا اللغة الفصيحة وأحيانا اللغة الدارجية وأحيانا يميل إلى التكرارات بحسبان أنها لا واعية تحمل معان لا نستطيع كقراء وككاتب أيضا الوصول إلى معانيها الحقيقية . هذا المضمون الذي يسيطر عليه الشكل يظل مستمرا مشكلا وحدة تتابع بلا توقف في استمرارية تبدو في البنية حتى آخر سطر عندما تطير العصافير من رأس البنت وتموت . أو تموت البنت نفسها معها …
الشكل في هذه القصة كما يعرف دائما هو التعبير البنائي وليس المخطط الهندسي أي التعبير الكلي للرموز وهذا البناء يستمد من الواقع الحسي والبيئة التي تتحدث عنها القصة مثل الحافلة . الشوارع . الفتيات . النهر . العصافير . السابلة . وبما أن الرمز ليس تشبيها ولا استعارة ولا كناية فان الحد الفاصل بين الشعر والقص يتلاشى فإذا سميت القصة قصة رمزية من السهل أن تسميها قصة شعرية وهذا ما يحدث في قصة دكتور بشرى الفاضل التي يمكن أن تكون خير مثال للنصوص التي تجسد الأجناسية بين أنواع الأدب والنصوص .والمزج بين الأنواع الأدبية .
من أكثر ما يميز نص حكاية البنت التي طارت عصافيرها ويجعلها في منطقة وسطى بين الشعر وفن السرد وفي منطقة أولى لفن الرمز القصصي ضمور ملامح الشخصيات فنحن لا نعرف الكثير عن البنت الرئيسية في القصة ولا نعرف عن تميمة التي ترد أحيانا كمترادف لكلمة رقية ولا نعرف شيئا عن العصافير غير دمائها بل ولا نكاد نعرف شيئا ذا بال عن راوي القصة المتسكع الذي يبدو لنا كشخص نائم بينما يبدو للآخرين كشخص مجنون وعندما نركب الحافلة نحس بصراع دون أن نراه ونحدد ملامحه وتفاصيله .
ومن أكثر ما يميز حكاية البنت التي طارت عصافيرها أيضا انتفاء الحدث الذي يتحطم أمامنا ويتناقض ويكون ولا يكون وعندما يحدث لا يكتمل بل يتشوه بجمل مكثفة مضغوطة وقد ينعكس الحدث في لحظة معينة على غير ما نتوقع .
كما تتميز هذه الحكاية على عادة قصص البناء الرمزي بعجز النص عن البناء والتشكل مما يدخله في تيار الشعر محدثا جملة من العواطف والوجدانات نحتاج إليها في استمرارية السرد وجعل القصة مقبولة عاطفيا ونفسيا .
تعتمد أيضا القصة على طريقة اللاوعي ( الواعي ) وهي علمية تتراوح بين الانطلاق والمراجعة حيث تتداعى الصور تداعيا حرا مختلطا بتداع لفظي يرفدنا بعواطف شعرية تتراسل فيها المدركات على نحو لا يتقيد ببناء القصة ( الكلام عن ا لهموم . النوم . الكؤوس ….) ولكنه لا يخرج على المشاعر التي يفترض أن تثيرها القصة بشخوصها وأحداثها مهما كانت غائمة وغائبة وهذا ما يجعل هذه القصة نسيج وحدها وعلامة لا يستهان بها في الفن القصصي في السودان .

أكثر ما تعتمد عليه القصة من حيث شعريتها هو اعتمادها على اللفظ ومنه ينبع كل الحكي وكل الأفكار ويقوم اللفظ كعامل بنائي بجر كل ما هو قريب منه أو كل ما يمكن أن يؤدي إليه . ويشكل عنصر تداع جاهز وقد يتحور ليشير ويوحي مثل خلل المقصود منها الخليل وجرير المقصود منها الجرجير وهكذا .
القصة تحاول أن تملك ما فوق الواقع أو ما تحته وتحاول تحرير الخيال من قيود العادة وتخمتها وسماجتها وتحرير المنطق والدلالات من التكرار والترقب والتوقع . وذلك عن طريق انحرافات الجمل عن المتوقع وتغيير بنية الألفاظ لتتحول إلى إشارات وهذا يفيد بالطبع في التكثيف والخلق من جديد مع الاحتفاظ بما هو قديم ومعروف .
تقنية اختلاط الحواس الشعرية بادية في القصة ( رأيت أصواتا . سمعت روائح ) والجمع بين الوعي واللامحدود مما يمنح القصة نكهتها الشعرية بينما يشغل الشعر وظيفة أخرى في خلق العواطف والوجدانات كأرضية سهلة للسرد والحكي . القصة وإن كانت تحتوي على جمل شعرية من كل الأنواع إلا أنها ليست غنائية ولا علاقة لها بالفن الرومانسي مما يؤهلها لتعبر عن معان قصصية ولتستعمل تيار اللاوعي في التصوير والتعبير .
أكثر ما ركزت عليه القصة أيضا التلميح اللفظي أكثر من التقرير الخبري والتعمية أكثر من الإيضاح وقامت بعملية إزدواجية للجمع بين المبهم و المحدد مما أهلها لتدخل في قصص اللامنطق والعبث واختلاط الحلم بالواقع فجاءت كحلم عميق متعدد المعاني والإشارات والدلالات .

نعم قصة البنت التي طارت عصافيرها قصة أكاديمية صعبة على المتذوق العادي الذي اعتاد على الصور المحددة الواضحة وتحتاج لأكثر من قراءة ومعاودة حتى تفتح أبوابها للمعرفة وتنحل رموزها ومعانيها للعادي واليومي . وهي على هذا الأساس ليست قصة جماهيرية شعبية بل قصة نخبة من الطراز الأول لأنها مركبة وكثيرة الإتجاهات ورغم ذلك نرجو أن يرتقي إليها الذوق العادي والمعرفي .

[email][email protected][/email]

محتوى إعلاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..