الفقر الآمِن .. !!

سفينة بَوْح

الفقر الآمِن .. !!

ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ، ولكنه لن يحيا إن حُرم الخبز مهما كانت المبرّرات والمعايير التي يستند عليها (المطبلين) لحكومة الإنقاذ ، والذين ظلوا على مرّ السنين يُبشِّرون الغلابة من أهل هذه البلاد بأن الفرج قريب وآتٍ لا محالة ، وذلك عبر مهرجانية الخطب الحماسية والشعارات والهتافات التي تمت للواقع بصلة ، وقد بدأوا بشعار (نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع) ، فأسفر حالنا في موضوع الأكل والشراب ما يراه الناس الآن من ويلات وعذابات في سبيل الحصول على لقمة عيشٍ بسيطة وشريفة ، أما الملبس وما يتعلَّق به فدون ذلك ما أصاب مشروع الجزيرة الذي كان يوماً أكبر منتج للقطن في إفريقيا والشرق الأوسط ، ثم ما كان من أمر محالج أقطان مارنجان ، وما تبع ذلك من دمار أصاب جميع مصانع النسيج التي كان آخر ضحاياها مصنع نسيج الصداقة ، فلم نأكل مما نزرع بدليل أن ورادات القمح الإسترالي تساوي مرتين أو أكثر ما يتم إنتاجه من قمح في الداخل ، ولم نلبس مما نصنع لأننا في زمانٍ أصاب عقولنا فيه الخلل بالقدر الذي جعلنا نعتقد أن السودان دولة بترولية وصناعية لمجرد إنتاج النفط في موقع جغرافي كله مخاطر ومُحاط بقدرٍ لا يُحصى من المهددات الأمنية والسياسية والإستراتيجية ، فأغفلنا أمر التوَّجه الزراعي للبلاد والذي فرضته طبيعتها ومضمون وشكل مواردها المُتاحة ، ثم يأتي (مُنظِّرون) هم في الحقيقة لا ينتمون إلى الواقع الشارعي الحقيقي لهذه البلاد كونهم محاطين بعازل مصنوع من آلة الفساد المادي والأخلاقي بما يُلجمهم على قسراً عن الإدلاء بكلمة الحق في وجه ولاة الأمر لأنهم يطمعون في المزيد من الترف والنفوذ والسلطة ، وهم بفعلهم هذا إنما يظلمون الحاكم قبل الرعية ، فحق الحاكم في الحصول على النصح والحقائق والمعلومات المؤكدة أصيل وواجب شرعي ، أما وقد إختلط الحابل بالنابل وأصبحت المباديء الأساسية التي يستند عليها حق البسطاء في إنحياز كافة القوانين والإجراءات والقرارات والإستراتيجيات لكل ما يدعم الحصول على عيش كريم والخروج من دائرة الفقر والإفقار ، والقضاء على الغلاء المتسارع ، والفساد المستشري ، ونهوض الدولة بالكفاءة والأمانة ومحاسبة المسئولين بالثواب والعقاب على ما إقترفت أيديهم ، سيؤدي لا محالة إلى رغدٍ وسعةِ في مال الدولة ، فإذا صادف ذلك الأمانة والجنوح بإيمانٍ عميق لما فيه مصلحة البلاد والعباد عند من تم تكليفهم بالأمر لأصبح الوفاء بإلتزامات الدولة تجاه المواطنين ممكناً بل بسيطاً وفي متناول من أراد ذلك ، فمجانية التعليم مع تنمية وتجويد أداء قطاعاته ، ورمزية تكاليف العلاج والدواء للبسطاء من الطبقات الفقيرة لا يُفترض أن تصبح معضلة تعجز عنها دولة مهما كانت العقبات والمشكلات ، بعضهم يقول أنكم لا تعرفون قيمة الأمن الذي تنعمون به ، ونقول لهم أنتم لا تعرفون وجع الجوع وعجز قليل الحيلة إذا مرض إبنٌ أو قريب ، الخبز لا يقل ضرورة عن الأمن إن لم يكن أهم ، ببساطة لن ينجو من حُرم القوت شهراً ، ولكن قد ينجو الآلاف في أماكن مُستعرة بالحروب لسنين عدة.

هيثم الفضل
صحيفة الجريدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق