بكى السودان فاطمة أم بكى نفسه!!!!!

بكى السودان فاطمة، أم بكى السودان نفسه!!!!!
يعاني السودان أزمة وجود موضوعي خارج وجدان السوداني، فالسودان الذي لم نعد نراه إلا في كلمات خليل فرح والعطبراوي وفي أغنية جدودنا زمان وصونا على الوطن، وألحان وردي ومصطفى سيد احمد، ذلك الوجود المعنوي للوطن الذي يداعب أحلامنا ويسفه حاضرنا، لم يعد له وجود إلا في أوقات السياحة الصوفية (حولية الاستقلال) التي نعرج بها مدارج الوطنية زهدا في حياة لم تعد تشبههنا، نردد فيها أوراد الأغاني الوطنية وأشعار الثورات الفطيرة التي لم تنتج بعد ذلك الوطن المخبوء في الغيب المطلق، فنرقص ونهتز ونصرخ بهستيريا ثم نخبو ونموت الموتة الأولى.
لذلك لا تجد للسودان وجود مشخص فعلي إلا في عيون أبطال أصبحوا هم بشحمهم ولحمهم امتداد السودان في الواقع الذي يحملونه بين جوانحهم ويحلمون بتحققه، فيُذكرون كلما ذُكر السودان ويُفتقدون كلما افتُقد.
نال منهم الزمن وأكل منهم الوهن، طال بهم أمد انتظار حلم الوطن الذي ما فتئ يتحول من سراب إلى سراب أسرب منه، مزق المرض أحشائهم وأكل القهر أفئدتهم وقطم أكبادهم حتى بكتهم الأرض، فنادتهم الأرض، أن تعالوا فقد فاض بي الشوق والحنين إليكم، عودوا لاحضان امكم التراب ولو على الأكف محمولين، ليس لدي ما تريدون فقد جف الضرع واحترق الزرع، ولكنني لن أعدم شبراً يواري أجسادكم الطاهرة فانتم ملح الأرض.
فلعل قطرات مطر تنزل غداً، فتهتز الأرض وتربو فتنمو اجسادكم من جديد، ولكني أخاف عليكم كلمات مطر حين انهمر:
كم مرة في العام توقظونه ،
كم مرة على جدار الجبن تجلدونه ،
أيطلب الأحياء من أمواتهم معونة ،
دعوا صلاح الدين في ترابه واحترموا سكونه ،
لأنه لو قام حقا بينكم فسوف تقتلونه
إن كان العلم لا يُنتزع من صدور العلماء انتزاعا كما قال الحبيب صلوات ربي عليه وسلامه، فقياساً، الوطن لا ينتزع من الصدور انتزاعا، و لكن يُنتزع بموت (صناع الوطن)، فبموت أشخاص بوزن فاطمة تكون رقعة الوطن (المشخص) في وجودها الموضوعي قد تآكلت وانكمشت بمقدار وحجم و وزن تلك الحسناء الشرسة، فلا يعود الوطن كما كان فسيحا اريحيا يصبر على فوضى أطفال الشوارع ومشاغاباتهم البريئة التي وللمفارقة المؤلمة تعكس جمال البلد وخفة روحه وقبحه وظلمه وقسوته وجبروته الذي لا يشبه البشر.
لقد ذهبت ولن تعود، ولكنها حتما باقية في وجداننا ما بقي حلم الوطن، وهذا شعور نبيل ربما اشتركت فيه الحكومة والمعارضة فالعظماء لا يتعنصرون ولا يتحزبون ولا يقصون حتى الجلاد، فالكل في الخارج يبكي حاله ومآله والكل يلطم الخدود ويمزق الجيوب التي لم تعد لها حاجة عملية وانما أصبحت ذكرى وطن هي الاخرى (فالجيوب بالجيوب تذكر).
إذن لن يبقى بيننا من ذكراها سوى حفلات التأبين والرثاء في (حوليات) لا تقام إلا للأموات كما علمونا، ولكنها وسائل ترفيه وترويح للأحياء، ومنابر حجاج لفظي ورقص على أجساد الأموات.
فهل ترى ستعود فاطمة أم سيعود الوطن فاطمة وهل سينجو منها شيء ليخرج للوجود الفعلي الموضوعي أم ستوارى كلها ونعدم حتى ريحها، فلك الرحمة والمغفرة والفردوس الأعلى من رب العالمين الذي حتما رأى عملك وأعمالنا وعلم أيُّنا المغبون!!!!!
صديق النعمة الطيب
[email][email protected][/email]



