الزمن الرجيم

. , عَبْدُ الحَكِيم ,
-[ الزَمَن الرَجِيم ]- —
= فِي سَاحَة مَحْكَمَة الخُرْطُوم بَحْرِي.كَانَ عَبْدُ الحَكِيم يَقِفُ يَبْدُو عَلَيْهِ السُرُور كَطِفْلٍ فِي يَوْمِ عِيد.لَقَد أَعْلَنَتْ المَحْكَمةُ بَرَاءَتَهُ, وأنْ يُطْلَقَ سَرَاحُه.وَبِجَوَارِه وَقَفَتْ شابَّةٌ فَارِعَة الطُول يَنْسَجِمُ عَلَى قَوَامِها زَيٌّ رَائِع.كَانَتْ الساعة الثانية عشرة مُنْتَصَف النهار.والشَّمْسُ وَضَّاءة.ولكن الساحة ارْتَمَتْ فيها ظِلالٌ رَقِيقة مِنْ أشْجار النِّيم.وكَانَ الجَوُّ كُلُّه ضَوْءَاً وحَرَارَةً وهَمْسَاً.المُتَقاضُون والمُحامُون.الشاكُون والمَشْكُوُّون.المُدَّعُون والمُدَّعَى عَلَيهم.الشُهُود والفُضُولِيُّون .الشُرْطَة والصحفيُّون.السائِقُون والعُمَّال والمُوظَّفُون.والمَوْقُوفُون بالحَرَاسات عَلَى الشَبَك تَلْتَمِعُ عُيُونُهُم كعُيُون القِطَط.وعَم مُصْطَفَى جَنايْنِي القَضَائِيَّة يَكْدَحُ في أحْواض الزَهْر مُحاوِلاً أنْ يَنْفُث الحياة في بعض أعْوَادِها التي أَضَرَّ بها التُراب والحَر..
.كَانَتْ الشَابَّة تَنْظُرُ إلي ضِفْدَعَةٍ صغيرة وَثَبَتْ ورِجْلاها مَمْدُودتان عِنْدما أَزاحَ عم مُصْطَفَى بعض الحشائش بالمُنْجَل.ثُمَّ عَادَتْ تَتَحَدَّث بعد أنْ اخْتَفَتْ الضفدعة.,بِصَوْتٍ جَلِيٍّ وحَازِم مِثْل شَخْصٍ يَأْمُلُ أنْ يُقَدَّر بِفَضْل إِنْجازِه.عَيْنَاها كبيرتان تُظَلِّلُهُما أَهْدَابٌ فَاحِمة تَنْضَحُ بِأَلَمٍ مُفْجِع.ويَبْدُو عَلَى كُلِّ خَطٍّ مِنْ خُطُوطِ وجْهِها تَجَبُّرٌ شَرِس وتَحَدٍّ مُتَمَرِّد.
.تِلْك الشَابَّة, سَيِّداتِي سَادَتِي , هِيَ الأُسْتاذة أَمَل المُحَامِيَّة ومُوَثَّقَة العُقُود.ومَكْتَبُها في عمارة الضرائِب الطابق الثالث شَقَّة رَقَم 56.
= لَقَد وُلِدَتْ أَمَل في حَيّ الدُيُوم بَحْرِي.شَرْق نادي الوِحْدَة فِي رَاكُوبةٍ مُتَهالِكة تُسَمَّى مَنْزِلاً.حَيْثُ كَانَ وَالِداها يَتْرُكانها وَحِيدة تَعْتَنِي بنَفْسِها بِنَفْسِها.بلا طَعَامٍ ولا مَشْرَب حَيْثُ كَانَتْ تَضْطَر لأكْلِ الطِين ومَعْجُون الأسْنان.وعِندَما الْتَحَقَتْ بالمدْرَسة كَانَ القَمْلُ يَتَسَاقَطُ مِنْ رَأْسِها عَلَى كُتُبِها وكَرَّاساتِها.أدْركْتْ أنَّ الأطْفال الآخَرِين يَتَجَنَّبُونَها.,وبَدَأَتْ تَشْعُرُ بالعَارِ والعُزْلَة.ثُمَّ بَدَأَتْ تَدُك الحِصَص وتَهْرُب إلى الشوارع تتسكَّع وتَسْرِق وتَشْحَد.وعِندَما بَلَغَتْ العَاشِرَة مِنْ العُمْر, تُوُفِّيَتْ وَالِدَتُها بعد أنْ أُصِيبَت بِمَرَضٍ مَجْهُول.,كَمَا أنَّ وَالِدَها اِخْتَفَى في أَزِقَّةِ المَدِينة بَاحِثاً عَنْ كُبَّايَة عَرَقي.وتَحَوَّلَتْ أَمَل إلي فَتاةٍ مُشَرَّدة.صَباحَاً تَجُوبُ الشوارع بَحْثَاً عَنْ ضَياعِها في حِين يذْهَبُ بَقِيَّةُ أطْفال العالَم إلي المَدْرَسة.ونهاراً تنامُ قليلاً في ظِلِّ شَجَرة أو داخِل مَجْرَى أو تَحْت بِناية تَحْت التشْيِيد.ولَيْلاً تَنامُ أمام دُكَّان البَلُولة تفْتَرِش كَراتِين وتثْنِي ذراعَها تحت رأْسِها عَلَى شَكْل وِسادة.وفي ذاتِ ليلة تمكَّنَ بعض الشباب مِنْ كَسْر الدُكَّان وسَرِقة بَعْضَ الحاجِيات.في الصباح زَمْجَر في وجهها البلولة ومَنَعَها من النوم ثانيةً هُناك.
– انْتِ يا بِتْ كوسْتِي.كيف يكْسِروا باب دُكَّاني ده وانتي راقدة في خَشُم بابُو.?! .
= عليك الله., يا عمّ البَلُولة, أنا أقْعُد أحْرِس دُكَّانك ولا أحْرِس ك… ده مِنْ الناس البِكَابْسُونِي دَيل.!?? .
– فَكَّرْتْ أَمَل أنَّ أفضل طريق لتجَنُّب هذا المصير.مصير والِدتها ووالدها وهذا المصير أنْ تعُود إلي المَدْرَسة ومُحاوَلة الانطلاق مِنْ جديد في حياتها.ولكن مدارس السادة المُسلمين رفضَتْها وطَرَدَتْها.إنَّها فقِيرةٌ مُشَرَّدة.فَقْرُها يَمْنعُها أنْ تَتَمَنَّى أيَّ شئ.فحَاوِل أنْتَ , يا أَصْلِي, أنْ تَتَمَنَّى مَكَانَها.
.تَعَرَّفَتْ أمَل على فَتاةٍ جُنُوبِيَّة صَغِيرة تَدْرُس بالكَمْبوني.وشجَّعَتْها هذه الفتاة على أنْ تلْتحِق معهم حَيْثُ أنَّ مدارس المسيحيين تقْبل الفُقَراء والمُشَرَّدين والمحْرُومين مَجَّاناً.وبالفِعْل الْتَحَقَتْ أَمَل بالمدْرَسة .تُذاكِر دُرُوسَها كيْفَما اتَّفَق.في الشوارع .في مجاري المياه .في ظلال الأشجار والمباني.وأظْهَرَت تفُوُّقاً ونُبُوغاً.قَالَ مُدير الكَمْبُوني الجُنُوبي ; سَوْفَ أرْعاها., وأهْتَمُّ بها.أعِدُكِ بذلك يا مَيرِي.سأرْعاها أبَوِيَّاً كصديقٍ حَميم.وسأُحِبُّها قَليلاً كحَبيب .سأكُونُ مُنْذ اليَوْم وَصِيَّاً عَلَيْها .
– لَمْ تَعُد أَمَل مُشَرَّدة.مُعاملة المسيحيين لها في الكمبوني مكَّنَها مِنْ أنْ تَتَعافَى مِنْ الاضطرابات النفسية التي عانَتْ منها بسبب المسلمين الهَمَج.وأعَادَتْ أَمَل اكْتشاف نفسها.وتخَرَّجَتْ مِنْ كُلِيَّة القانون.واجْتازَتْ المُعادَلة.واسْتعادَتْ الحَيَوِيَّة للانْطِلاق مِنْ جَديد..هَيَّا يا صَاحِبِي ; إنَّ الحَياةَ جَمِيلة .

” شُكْرِي ”

[email][email protected][/email]
زر الذهاب إلى الأعلى