المحارب.. رواية.. (11)

المحارب.. رواية.. الحلقة الحادية عشر.
تفضلوا.. تفضلوا، استقبل عبد القادر زائريه بحفاوة مبالغ فيها، وهو يتقدمهم الى داخل داره الرحبة مرددا كلمات الترحيب.. مرحبا بالاكارم، قالها ثم التفت ناحيتهم وطلب منهم الانتظار ريثما يعود.. ولج داخل الديوان الكبير ثم عاد يحمل عدد من الكراسى، وضعها وطلب منهم الجلوس وهويختلس النظر وقد ارتسمت على عينيه الواسعتين علامات الاستغراب، غير انه لم يلبث ان قال وعلى شفتيه ابتسامة عريضة: اهلا وسهلا.. رد محى الدين والصافى التحية بأحسن منها، بينما همهم بها اشرف الذى ضاع صوته فى حلقه من شدة الرهبة.
سادت فترة من الصمت، حسبها اشرف دهورا قبل ان يتنحنح الصافى ويبتدر الحديث قائلا : اسعار المواشى فى ازدياد مضطرد فى هذه الايام، ثم اضاف وهو ينظر الى عبد القادر: اظنه زاد بنسبة ثلاثين بالمائة عما كان عليه فى الشهر الماضى.
– منذ سنوات والسوق فى تذبذب مستمر، ولا يكاد يثبت على حال، التصدير الى خارج البلاد له دور كبير فى ذلك . قال عبد القادر ذلك، واستطرد وهو يحك ذقنه: ولو لا وارد غرب البلاد لجف السوق تماما.
تدخل محى الدين قائلا: مواشى غرب البلاد عادة ما تكون هزيلة، فهى تقطع المسافات الطويلة قبل ان تصل الينا، لذلك فهى غير مرغوبة.
– هذه حقيقة، ولكن يمكن اعادة تسمينها خلال شهرين او ثلاث، غير ان شراهة التجار واستعجالهم الربح هو ما يعجل بها الى السوق، قال عبد القادر ذلك ونهض مستأذنا ثم توجه الى داخل ( الديوان ).
يتكون منزل عبد القادر من ثلاثة غرف، وفراندتان بالاضافة الى الديوان الكبير ذو الثلاث ابواب.. بابان منها يطلان على باحة واسعة غرست فيها اشجار الليمون والجواف وبعض اشجار الزينة التى تحف بشجرتى النيم والسنط التان تتوسطان الحوش، اما الباب الثالث فهو داخلى إذ يفتح فى احدى الردهات ويفضى الى بقية الغرف، وقد بُنى المنزل وسط حوش رحب تزيد مساحتة على السبعمائة متر ويشغل الديوان وسوره وحدهما نصف هذه المساحة.
جاء عبد القادر وهو يحمل منضدتان مصنوعتان من اخشاب الابنوس ووضعهما بجانبهم ثم رجع وغاب لبضعة دقائق ليعود بعدها وهو يحمل صينية بها كؤوس يتوسطها اناء مملوء بعصير الليمون، دارت عليهم الكؤوس ودار محور حديثهم حول مواضيع شتى، تحدثوا فى السياسة والحرب التى راح ضحيتها خيرة شباب الوطن، وطاف بهم الحديث حول الزراعة، ومشروعهم الذى قل انتاجه بصورة تدعو الى الريبة، لكأنما هناك اياد خفية تحاول تدميره لاسباب غير معروفة، فما ان تشارف محاصيلهم على النضوج حتى تجف المياه عن القنوات التى طالتها يد الاهمال هى الاخرى لدرجة ان غطتها الحشائش والطفيليات التى تمنع انسياب الماء بصورة سلسة مما يؤدى لتعسر الرى.. قال الصافى وهو يزدرد جرعة كبيرة من عصير الليمون: لا لا اكيد ان فى الامر سر، فلا يمكن ان يكون الامر مجرد عجز من قبل الادارة والحكومة، لقد تكرر هذا الامر لخمس مواسم متتالية الامر الذى ادى لهجر كثير من المزارعيين زراعة بعض المحاصيل التى كانت تمثل لهم عماد دخلهم من المشروع.
تدخل محى الدين وهو يقول: الحكومة لم تعد بحوجة الى دخل الزراعة بعد ان انتفخت خزينتها بعائدات النفط..
– كنا نعتقد ان النفط سيساعد على العمل فى تطوير الزراعة، فهى المخرج الوحيد من اى ازمة اقتصادية قد تمر بها البلاد، قال عبد القادر هذا ثم واصل، واذا سارت الامور على هذه الوتيرة فسياتى يوم لن نجد فيه مزارع واحد يقوم بفلاحة ارضه.
كان اشرف يستمع الى حديثهم والتوتر باد على قسمات وجهه، فطن عمه الصافى الذى كان يجلس قبالته لتوتره الذى ظهر جليا فى تقطيبة جبينه التى ابانها انعكاس ضوء المصباح الخافت المثبت على جدران الديوان الخارجى .. تنحنح الصافى قليلا وهو يحاول تغيير دفة الحديث فأنشأ يقول وهو ينظر الى عبد القادر وقد علت صوته نبرة رجاء: لقد قصدناك فى امر بالغ الاهمية، ونرجو ان الا تخيب ظننا.
– ان كان فى مقدورى قضائه فلن اتأخر، قال عبد القادر ذلك وقد أبرقت عيناه الواسعتان، وارتسمت على وجهه المكتنز علامات الحيرة.
ازدادت ضربات قلب اشرف وهو ينظر الى عمه تارة، وتارة أخرى الى عبد القادر الذى بكلمة واحدة تخرج من فيه ستجعله اما ان يكون اسعد رجل فى الدنيا، او اتعس من مشى على الارض.. انتظر اللحظة الفاصلة بنفاد صبر، وتمنى لو انه لم يفكر فى هذا الامر من اساسه، فقد عد الثوانى التى ساد فيها الصمت قبل ان يواصل عمه حديثه دهورا.
– اشرف ابن اخى هذا يروم مصاهرتك.. القى الصافى بعباراته تلك وهو ينظر الى ابن اخيه الذى كان فى حالة يرثى لها.
فوجئ عبد القادر بطلب الصافى، فرفع بصره نحو اشرف الذى امتعق وجهه وظهرت عليه علامات الاضطراب حتى بدا وكأنه يعانى من مرض عضال.
كان اشرف من اميز شباب القرية ان لم يكن اميزهم على الاطلاق – فعلاوة على ادبه الجم ورجاحة عقله، ووسامته التى لا تخطئها عين، وحصوله على نسبة لا باس بها من التعليم ? كان من القلائل الذين يشار اليهم بالبنان، فقد جمع من الصفات الحميدة مثل الكرم والشجاعة والمرؤة وسماحة النفس ما اهله لان ينال احترام الكبير قبل الصغير من اهل قريته، وانتزاع حب كل من عرفه عن قرب.
فعن شجاعته يذكر عبد القادر انه خرج ذات ليلة من ليالى يناير الشديدة البرودة والظلام، يبحث عن ثور كان قد تأخر عن القطيع، فذهب يبحث عنه بين الحقول خارج القرية، وصادف ان مر بــحواشة حامد فرأى من على البعد شيئا حسبه لاول وهلة فزّاعة – من تلك التى ينصبها المزارعون وسط حقولهم لاخافة الطير – الا انه سمع صوتا كأنه معول يضرب الارض ياتى من جهة ذلك الشبح، توقف قليلا قبل ان يتحرك نحوه، ولما ان دنى منه فوجئ بشخص يقف على حافة جدول وهو يعالج ( سدا ) من الطين انهار تحت ضغط المياه الشديد.. ويذكر عبد القادر انه وقف محييا ذلك الشخص دون ان يتعرف عليه، كانت المفاجاءة التى الجمته حينما رد عليه اشرف التحية، فقد تأكد ان الذى امامه هو اشرف ود حامد الذى لم يتخط عمره يومئذ السادسة عشرة، سأله باستغراب : هل انت هنا لوحدك؟
– كما ترى..
– واين ابيك؟
– داهمته الملاريا..
– وما الذى يجبرك على العمل فى مثل هذه الساعة، لا سيما والليلة شديدة البرودة، أما كان الاحرى بك ان تؤجل ذلك الى صبيحة الغد؟
– لقد شرع ابى فى رى القمح عند الظهيرة، غير انه احس بالحمى تسرى فى جسده، فقام بفتح قناتين لتسريع عمليه الرى ولكنه شعر بان المرض قد تمكن من اعضائه، فقفل راجعا الى البيت تاركا المياه تنساب الى داخل الحواشة، ولما ان راى انه غير قادر على الحركة، كلفنى ان اجئ هنا واقوم بمراقبتها حتى لا تُغرق المحصول..
– لا ادرى ماذا اقول .. ولكن وفقك الله.. ثم قام عبد القادر بوداعه وانصرف بعد ان ختم حديثه معه بان ساله ان كان رأى ثورا ابيضا كان قد تخلف عن القطيع..
لم ينتظر عبد القادر الاجابة الا ان اشرفاً تذكر انه راى عبد الدائم القطيم يسوق امامه مجموعة من الابقار وكان يتحدث الى شخص قائلا انه وجد هذه الابقار ترعى فى قطنه وانه ذاهب بها الى ( السوكرة )* وكان يرغى ويزبد وهو يتميز من الغيظ ، فنادى على عبد القادر الذى لم يبتعد عنه كثيرا: عم عبد القادر.. اظن انى تذكرت ..
عاد عبد القادر الى حيث يقف اشرف.. ثم سال: ماذا تذكرت؟ .
– فى طريقى الى هنا رأيت عبد الدائم القطيم يسوق امامه قطيع من الابقار، وسمعته يتحدث الى شخص وهو يقول والشرر يتطاير من عينيه: لن اسلمها الا لعثمان ود البخيت ( السوكرجى )..
– ومن ثم..
– ذهب فى طريقه لا يلوى على شيء، ومن المؤكد ذهب بالقطيع الى ( السوكرة ) ..
شكر عبد القادر اشرف وتمنى له التوفيق ثم انصرف وهو فى غاية الدهشة، وقد اعجبته شجاعة هذا الصبى وموقفه البطولى والذى دلل – برغم صغر سنه – على انه رجل مكتمل الرجولة.
كان اشرف رغم انه كثير الاختلاء بنفسه لدرجة هى اقرب الى الانطواء، لا سيما بعد افتقاده لصديقيه متوكلوف والهميم ود الضو الذى انشغل بمسئولياته الجديدة بعد ان تزوج، الا اننا لن نغفل ان اشرفا كان اجتماعيا من الدرجة الاولى، فما من مناسبة فى القرية، افراحا كانت او اتراحا الا وتجده فى مقدمة المضيفين .. كنت تراه فى سرادق الافراح والعزاء يقوم بخدمة الضيوف، وما من بيت فى القرية الا ومدين له بجميل، فمثلا عربته الكارو كانت كانها وقفا، ما احتاجها احد لنقل شئ الا وحظى بها دون اى حرج، وما من غلة قام بحصادها الا وذهب اكثرها للجيران والفقراء، وما من مال وقع بيده الا وكان للمساكين فيه نصيب.. ورث كل تلك القيم عن جده عبد الكريم ود الصافى الذى سارت باخبار شهامته وكرمه الركبان.
يعرف عبد القادر هذا كله عن اشرف واكثر، ويعلم تمام العلم انه خيار من خيار، ويكن له مودة بدأت منذ تلك الليلة الليلاء وازدادت مع مرور الايام، ولا يستطيع اى شخص مهما علا شانه ان يرفض رجلا مثل اشرف.. قال عبد القادر موجها حديثه للصافى: ابن اخيك لا يرد له طلب، ولكن امهلونى افكر.
نهض ثلاثتهم مودعين عبد القادر، وخرجوا من عنده على امل ان يوافق هذا الرجل الذى ظل يرد كل من تقدم لطلب يد كريمته – حسناء القرية – حنان الحورية.
قال محى الدين بغيظ بعد ان ابتعدوا قليلا عن الدار: غريب امر عبد القادر هذا.. ترى الى من يريد ان يزوجها؟ لم ينتظر اجابة، فاضاف بيأس؛ كل الذين تقدموا اليه من الاعيان وغالبيتهم من اقاربه! ورغم ذك ردهم بلا اى مسوغ.
– الرجل لم يغلق باب الامل فى وجوهنا، بل تركه مواربا، واحسست من لهجته ان لا مانع لديه، فقط هنالك حسابات يعرفها الرجل وحده، تحدث الصافى بهذا ثم التفت الى اشرف الذى لم ينبس ببنت شفة منذ ان وصلوا الى بيت عبد القادر وحتى هذه اللحظة، فسأله قائلا ما قولك فى ماجرى؟
– انا مثلك عماه، لدى احساس قوى ان عبد القادر سيوافق، فقد اختلست اليه النظر عندما كنت تتحدث اليه، فالتقت اعيننا وحينها قرأت فى عينيه شيء من الرضاء..
ضحك محى الدين بسخرية وهو يقول؛ يجب الا تصدق مثل تلك الاحاسيس حتى لا تفاجأ برفض عبد القادر، فالرجل برغم كرمه ونقاء سريسرته وحسن خلقه، الا ان بعضا من الغموض يكتنف شخصيته التى تتسم بالعناد.
– حدسى يحدثنى ان الحورية لن تكون لاحد غيرى، ولا ينبغى ان تكون لرجل سواى.. قالها اشرف بلهجة غاضبة وهو يلوح بيديه ويلتفت الى خاله الذى بهت من قوة رده وردة فعله.
الامين ابراهيم احمد ارباب
[email][email protected][/email]



