يقتل القتيل ويتلقى العزاء فيه

أو بالأحرى (يكتل الكتيل ويمشي في جنازتو) بحسب اللهجة السودانية التي سودنت هذا المثل العربي الشائع والمشهور الذي ينطبق على كل من له وجهان ولسانان وموقفان مختلفان متضادان ، يطالعك بالوجه الجميل الصبوح بعد ان يكون قد اخافك قبلها بأن أخرج لك (وش الككو)، ويعطيك من طرف اللسان حلاوة بعد ان يروغ من الذي أذاك به كما يروغ الثعلب، ويقف موقف المساند لك في أزمتك والمتعاطف مع محنتك مع انه هو من كان سببا فيما انت به مأزوم وممحون، وهو باختصار كما يقول المثل يمكن ان يجهز عليك فيرديك قتيلا ثم يغسل يديه من آثار الجريمة ويشارك في غسلك وتكفينك وحمل نعشك مع المشيعين دون ان يطرف له جفن وربما يتصدر مجلس العزاء ليتلقى الفاتحة على روحك، وليس بالضرورة ان تجتمع هاتان الصفتان المتناقضتان المتنافرتان في شخصية واحدة، بل يمكن ان يتقاسمهما اكثر من شخص داخل الجماعة الواحدة فيما يعرف في الاصطلاح السياسي بتوزيع الادوار، هذا يضربك وذاك يطيب خاطرك، وذاك يشتمك وهذا يهوّن عليك وقع الشتيمة، وهؤلاء يؤذونك واولئك يواسونك ويعتذرون لك، والمؤسسة الفلانية تصدر قرارا على الورق، والجهة العلانية تنفذ آخر يضاده على الارض، وهكذا دواليك مما تحفل به الاراشيف من مثل هذه الاراجيز القولية?
وقضية الشيخ الستيني عبد الدائم بشير صابر امام زاوية فيصل بميدان الحارة 12 بمدينة أم بدة الذي أغتيل غيلة وغدرا فجر يوم الأحد ثالث أيام عيد الأضحى ،تجسد تماما هذه المقولة الشعبية ، ففي صبيحة ذلك اليوم وجد بعض المارة من أهل الحي إمام زاويتهم الراتب غارقا في دمائه وملقى على الأرض ، لتتضح بعد ذلك تفاصيل الجريمة النكراء التي أودت بحياة هذا الشيخ النبيل الشهم الذي تسببت شهامته وشجاعته وحرصه على ازالة المنكر ولو بلسانه في مقتله بتلك الطريقة البشعة وبأيدي شباب من الحي يعرفهم ويعرفونه ،وتفاصيل هذه الحكاية المؤسفة كما رواها بعض أهل الحي ، تقول إن هذا الشيخ الامام الفاضل الشهم الشجاع ، عندما كان في طريق عودته لمنزله بعد امامته لصلاة الفجر بالزاوية ،
أبصر ثلاثة من الشباب من أبناء الحارة يعرفهم ويعرفونه وهم منهمكون ويعملون بهمة لكسر إحدى الصيدليات، فاتجه نحوهم ناصحاً إياهم للإقلاع عما يفعلون ،فما كان منهم إلا أن تهجموا عليه بالسكاكين التي كانوا يحملونها واعتدوا عليه بوحشية اردته قتيلا مضرجا في دمائه ،وقد أقدموا على ارتكاب هذه الجريمة البشعة خشية أن يفضح أمرهم هذا الشيخ لأهل الحارة حتى لو انتصحوا له وتخلوا عن نهب الصيدلية ،وقال الأهالي إن هؤلاء الشباب قبل أن تميط السلطات غموض جريمتهم وتكشفهم ، كانوا ثلاثتهم قد شاركوا في مراسم تشييع الجثمان ودفن القتيل في مثواه الأخير .. انها حقا حكاية يكتل الكتيل ويمشي في جنازتو ..
الصحافة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..