مقالات سياسية

جرة نم 31

محمود الدولابي، أحد فرسان الهمباتة، قتلته الشرطة في مطلع سبعينات القرن الماضي، بولاية شمال كردفان. كان محمود رجلاً كريماً وشجاعاً كما كان مغامراً لا يخشى الشدائد، ويخوض الصعاب بكل جرأة وثبات، وكان وفياً لكل من تعامل معه من الهمباتة وغيرهم، ولكنه أزعج السلطات بقدرته الفائقة على الإفلات من العقوبة كلما ألقي القبض عليه حتى صدر أمر بإهدار دمه! وفي آخر مرة اشتبك فيها مع الشرطة حاول المقاومة بكل بسالة وتحدي حتى أصابته رصاصة في مقتل فسقط وهو ممسك بسلاحه! وقد كان مقتل محمود حدثاً فاجعاً لكل من عرف شجاعته واقدامه ولذلك رثاه كثير من الشعراء في المنطقة وعلى رأسهم رفيق دربه ود تبار الذي قال عنه:
محمود ود الراجل المتفنجر
ود ناس عزاز، ما هم عقاب بازنقر
أب هجبة الفوق وسط المياقنة مصنقر
ما خلالي كلمة سيدها يمشي مدنقر
ولعمري هذا كلام يجمع كل ما ينبغي أن يتوفر في رجل من المحامد والشيم الرفيعة والقيم الرجولية المطلوبة.
وقال ود تبار أيضاً:
فارقت النهيض والشدة في أدروب
وفارقت الرفيق الراسي ما مزعوب
دابها آمنت ناقة البدو أم عرقوب
أنا مسجون ومحمود رصوا فوقه الطوب
وهنا تبدو حسرة واضحة على فقد هذا الرفيق “الراسي” كما يقول عنه صاحبه، وتجيش الأبيات بقدر عال من المشاعر الصادقة والتحسر بسبب ذلك المصاب الجلل الذي كما يظهر قد شل حركة الهمبتة لفترة من الوقت حتى باتت الناقة ترعى مطمئنة في القفار والبوادي. ومن جانبه أدلى عمنا عيساوي ود أبو شناح بدلوه في رثاء محمود قائلاً:
ما بستعزى بالجار الكحل في المايق
وما بحزن على ميت أم رزيم في حقايق
الولد المثبت عقله بضرب رايق
فارقناه مرحوم من عقابات سايق
ومن أعجب ما جاء في هذه المربوعة قول الشاعر: “وما بحزن على ميت أم رزيم في حقايق” ويقصد بذلك أنه مادام صديقه قد مات بسبب الإبل فإن ذلك مصدر فخر وإعزاز وليس مدعاة للحزن ويشبه ذلك قول شاعرة الجراري:
ما بسوق البي قرينها
إلا الزرقة عينها
تسلم لي كنينها
يوم سديت فوق دينها
فهي ليست آسفة على فقد أخيها “كنينها” طالما أنه قد فقد حياته بسبب الناقة أي “الزرقة عينها”. ومن الذين زاملوا محمود ود تبار ورثوه بعد مقتله الشاعر العبيد ود بريمه الذي قال فيه من شعر التوية:
قدار ما نشوف تويلي بجر
قدار ما نشوف بشاري بتل
بقول محمود بعود وبطل
قدار ما نشوف ركب أحرار
وقدار ما نشوفلي فرشا جار
بقول محمود بعود للدار
وهذا قول يضاهي قول الخنساء رضي الله عنها:
يذكرني طلوع الشمس صخرا وأذكره لكل غروب شمس
أولئك الرجال قد مضوا إلى ربهم مخلفين لنا هذا التراث الجميل الذي نظل نفخر بها دوماً بغض النظر عن رأي الكثيرين عن الهمبتة والهمباتة إذ ما يهمنا هنا هو روعة النظم وجمال المفردة، والعرب لا تزال تفخر بشعر الجاهلية وتدرسه بتمعن!
[email][email protected][/email]

محتوى إعلاني

تعليق واحد

  1. حقا نطقت في آخر مقالك بأنها جاهلية. غير انها جاهلية في النصف الثاني من القرن الماضي تزدهر في القرن الحالي كأبشع ازدهار يقبح وجه الانسانية:

    { ود ناسا عزاز ما عقاب بازنقر }
    { ومن أعجب ما جاء في هذه المربوعة قول الشاعر: “وما بحزن على ميت أم رزيم في حقايق” ويقصد بذلك أنه مادام صديقه قد مات بسبب الإبل فإن ذلك مصدر فخر وإعزاز وليس مدعاة للحزن }
    عنصرية و اغتصاب مال الغير و منهم ادروب !!!!!!!
    سأشارك في أي حملة تسعى لتنقية تراثنا من بثور التخلف المتقيحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..