مقالات سياسية

قبل الإفراط في التفاؤل

قبل الإفراط في التفاؤل

يتطلع الشعب السوداني الصابر الصبور إلى رفع العقوبات الأمريكية التي تقرر النظر في رفعها من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في شهر أكتوبر القادم لتحديد الموقف النهائي من هذه العقوبات التي فرضت على حكومة المؤتمر الوطني عقب فشل محاولة اغتيال الرئيس المصري السابق حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995. وزيارة وزير الخارجية غندور إلى أمريكا بدعوة رسمية من نظيره الأمريكي تليرسون رفعت سقف التوقعات والتفاؤل وزادة الأمل ظنا منهم بأن مشكلة السودان في هذه العقوبات وهذا الحصار .
إلا أن الشعور بالتفاؤل وبالأمل في إعادة العلاقات بين الإنقاذ وأمريكا والمجتمع الدولي لن تكتمل إلا إذا أكمل النظام السوداني خطوات إبداء حسن النوايا بإعادة الحريات وإطلاق سراح المعتقلين وتسهيل توصيل المساعدات إلى المتضررين في مناطق العمليات والكف عن تهديد الحركات المسلحة والمعارضة والجلوس على طاولة مفاوضات جادة مع كل القوة السياسية .. وتكبيل حريات الصحافة وحرية التعبير يتنافى مع النوايا الحسنة ويدفع المراقبين سواء الوسيط الأفريقي أو حتى الأمريكي إلى الاعتقاد بأن الخرطوم أقدمت على بعض التسهيلات لبعض منظمات الإغاثة وغيرها من أشياء شكلية إنما تستهدف تخفيف العقوبات المفروضة عليها أو رفعها … ولن يكتمل الشعور بالتفاؤل أيضا إلا إذا تمت تسوية للمشكلات الداخلية المتعلقة بالسلام مع الحركات المسلحة وإطلاق حريات الصحافة تلك المشكلات التي يمكن القضاء عليها بإعلان من الحكومة بوثيقة تعترف بها بحقوق الحركات المسلحة وتعترف بتظلمها وتتفاوض مع المعارضة بكل أشكالها وإعلان خارطة طريق جديدة في مؤتمر للمصالحة في وجود حكومة إنتقالية ينهي معاناة شعب واجه كل أنواع العذابات من حكومة الإنقاذ على مدى ( ثمانية وعشرون عاما ) ويتم من خلال هذه الخارطة إلغاء كل ما جاء به بما يسمى بالحوار الوطني وإنعقاد مؤتمر دستوري يتم فيه إجازة دستور دائم للسودان تشارك فيه كل القوة السياسية والحركات المسلحة ومنظمات المجتمع المدني والنقابات وإتحادات الطلاب

ولن تتحقق المصالحة من خلال شعار المصارحة الذي تتبناه الإنقاذ بل بتحمل جميع المجتمعين في هذا المؤتمر الدستوري لمسئولياتهم في إطار الإلتزام الذاتي بما خرج به ميثاق هذا المؤتمر الدستوري وما تفتضيه مصلحة الوطن العليا ومعالجة الأوضاع الحالية لفتح صفحة جديدة في تاريخ الوطن …

من خلال هذا المؤتمر يجب تحديد إن ( الفساد ) هو عدو السودان الأول الحقيقي.. وعلى كل سوداني متفائل وعلى ما أعتقد أنا أحدهم أن يعلم بأنه ليس لدينا عدو … عدونا ليست أمريكا ولا حصارها وأن مصر ليست عدوتنا ولا أثيوبيا ولا حتى إسرائيل عدوتنا وليس لدينا عدو في هذه الدنيا غير الفساد الذي أفقرنا وأمرضنا … وعدونا الوحيد الذي كبلنا وخلفنا عن الركب وغيبنا عن العالم هو الفساد الذي إستشرى في عهد الإنقاذ وأصبح له لسان وشفتين ورجلين فإن لم نحدده ونحاربه بكل ما أوتينا من قوة فلن ينفعنا رفع الحصار والعقوبات من قبل أمريكا ولا تنفعنا هبات وودائع الخليج .. الفساد هو الذي بسببه وصل السودان إلى هذه المرحلة بتمدد رقاع الفقر والتدني المخيف في كافة المجالات
وقبل ذلك على المؤتمر الوطني أن يتصالح مع الشعب السوداني وعليهم أن يتعمقوا في جذور المشكلة بدلا من تخديرها وتعليقها في شماعة العقوبات .. وأن يجمل صورته أمام شعبه فهو الأولى والأجدى وأفضل له من أن يتصالح مع أمريكا ويتعاون معها … ولو أخذنا دولة كوبا المحاصرة والمتصالحة مع شعبها نموذجا التي فرضت عليها أمريكا حصارا خانقا خمسون عاما لا توجد بها موارد كموارد السودان .. فلم يفقر هذا الحصار كوبا , ولم يمرض شعبها , بل كوبا فيها أفضل طب متقدم في العالم والعلاج في كوبا مجانا وفيها تعليم متقدم ومجانا والسكن يجد كل الدعم من قبل الحكومة وشبة مجانا , وتصدر كوبا أفضل الأطباء للعالم , ولها إنتاج مقدر من السكر في العالم , بالإضافة لإنتاج التبغ الفاخر وفيها السياحة التي تجذب مليارات الدولارات سنويا .. ولم تستجدي كوبا أمريكا ولم تقدم لها فروض الولاء والطاعة ولم تكشف لها كل أوراقها الاستخباراتية ولم يقم رئيسها بفصل جنوبها لكي يظل هو في الحكم وترفع عنه القيود والعقوبات لأنها تعلم بأن العم السام لا يشبع من التنازلات .. ولو نرى آخر تصريح لوزير خارجية كوبا بعد تصريحات الرئيس الأمريكي ضدها قال للصحفيين : (نؤكد نية كوبا في مواصلة الحوار والتعاون على أساس الإحترام المتبادل وعلى أساس متساو والإحترام المطلق لسيادتنا واستقلالنا ) مثل هذا الكلام لا ينطق به إلا وزير يثق تماما في شعبه الذي يقف مع حكومته في السراء والضراء لأنه شعب بادل حكومته الوفاء بالوفاء ورد الجميل بالجميل شعب لم تسرقه دولته ولم تقتله ولم تشرده ووفرت له كل سبل مقومات الحياة الكريمة ..

وكل ما أرجوه أنا عن نفسي أن يرفع الحصار نهائيا تدرون لماذا ؟ لأن في رفعه ستنكشف عورات الفاسدين ولكي يدري المتفائلون الذين لا يدرون بأن العيب ليس في الحصار بل العيب في الفساد والمفسدين وبعد رفعه سنرى الذين فسدوا أي منقلب ينقلبون.

ياسر عبد الكريم
[email][email protected][/email]

محتوى إعلاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..