تأملات أٌكتوبرية في كتاب: السودان والوحدة الوطنية الغائبة ..

تأملات أٌكتوبرية في كتاب: السودان والوحدة الوطنية الغائبة ..

((كانت انتفاضة أكتوبر 1964م فجراً ندياً أطل على ربوعٍ كُتب عليها المعاناة تحت قهر الحُكم العسكري الاستبدادي لسنواتٍ عديدة ….. كانت ربيعاً للديمقراطية … وكانت الأسبق لانتفاضات شعبية في دول الجوار، تنادي بالديمقراطية والحرية للجميع … وكان وقف الفتنة والاقتتال في جنوب البلاد شعاراً وهدفاً رئيسياً للسياسات التي تبنتها حكومة أكتوبر الأولى …. حيث أمكن الاتفاق على عقد مؤتمر مائدة مستديرة بالخرطوم بهدف بحث المشكلة …. للوصول إلى حلول و تسويات عملية، بالتراضي، في قضايا وطنية شائكة تتعلق باقتسام السلطة والثروة )).
هكذا قدَم مولانا يوسف محمد علي لكتابهِ القيِّم الموسوم ب(( السودان والوحدة الوطنية الغائبة)) الصادر عام 2012م عن مركز عبدالكريم ميرغني، في 487 صفحة من بينها 174 صفحة وثائق. ويصف الكاتب سِفره بأنه محاولة لدراسة مسار سياسة حكومة أكتوبر الهادفة لإيجاد حلٍ سلمي لمشكلة الجنوب. وتنبع أهمية الكتاب من موضوعه بخاصه بعد أن دارت الأيام و انفصل الجنوب عن الوطن الأم، رغم ما تم بذله من جهود مضنية لتفادي كارثة الانفصال، عبر مؤتمر مائدة مستديرة انعقد في 16مارس 1965م واشتركت فيه الأحزاب الجنوبية والشمالية بكافة منطلقاتها السياسية والاجتماعية، بمراقبة خارجية، و تَمَخَّض المؤتمر عن توصيات عقلانية، قبلها الجميع، وكلفوا ما أسموه لجنة الاثني عشر لمتابعة تلك التوصيات .
وتنبع أهمية الكاتب من خلفيتهِ القانونيةِ ألتي تُحتِم عليه الدِقة في الحديث، وفي إيراد المعلومة وتحليلها، بجانب أنه كان في عين عاصفة ذلك الجهد الوطني الكبير، فلقد تمّ انتداب السيد يوسف من ديوان النائب العام للانضمام للسكرتارية العامة لمؤتمر المائدة المستديرة، ومن بعد ذلك تمّ انتخابه رئيساً للجنة الاثني عشر، حتى اكتمال عمل اللجنة بتقديمها تقريرها النهائي في 26/9/1966م، وكانت اللجنة مكلفة تحديداً ب (( بحث الوضع الدستوري والإداري الذي يضمن مصالح الجنوب الخاصة، كما يضمن مصالح البلاد عامة، على أن تتقدم بتقريرها إلى دورة ثانية للمؤتمر خلال ثلاثة أشهر)) .
إنه كتاب وصفه مؤلفهُ بأنه ((إسهام في تسجيل تلك التجربة الديمقراطية الرائدة، والتي كانت بطموحاتها والآمال التي انعقدت عليها بمثابة إطلالة على الانتفاضة، خلال ربيعها الواعد، وعلى الرايات الخضراء التي رفعتها وما تلى ذلك من انحسار القوى التي حققتها، وحلول قيظ صيفٍ ممتد)).
لن أركن هنا إلى استعراض الكتاب أو تلخيصهُ، فإن ذلك ليس عادلاً في حق هذا السِفْر المهم الذي لاّبد من الاطلاع عليه كاملاً، متناً وملاحقاً، فما فيهِ وما بينَ سطورهِ مثير للعجب، ويفسر الكثير من التخبط الذي ظللنا نعيشه منذُ الاستقلال وحتي يوم الناس هذا ? وعليه فإني سأكتفي بما أثارني من سلوكيات وممارسات أثناء وبعد مؤتمر المائدة المستديرة التاريخي، مركزاً على أدوار بعض الشخصيات والمؤسسات المحورية التي شاركت في المؤتمر وفي لجنة الاثني عشر، وسأتطرق اليهم بدون ترتيب محدّد. إنه في نظري وثيقة محزنة لعبث السياسيين الذي قادنا إلى ما نحن فيه الاّن من بؤس ومن انسداد أفق .
لقد شارك السيد ويليام دينق، أحد كبار قادة التمرد في جنوب السودان، شارك في المؤتمر بضمانات دولية لأنه مطلوب للعدالة بسبب تمردهِ على الحكومةِ المركزية. ولقد أثبتت وقائع المؤتمر أن السيد ويليام دينق وطني غيور وسياسي ناضج، يوظِف الفكرَ والمنطق لخدمة أغراضه، في إطارٍ كبيرٍ من المرونةِ السياسيةِ، مما يستدعي الإعجابَ بهذا السياسي العظيم الذي فقدَ السودانُ باغتياله ابناً باراً، ووَحدوياً حتىّ النخاع. لقد كان إنساناً واضح الرؤى والمطالب دون تشنج ودون عصبيةٍ عمياء .
من ناحية اُخرى تكشف المداولات الواردة في الكتاب عن وجه قبيح للسيد ابيل ألير وعن حقدٍ وكراهيةٍ غير منطقية للشمال والشماليين، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً، كما تكشف عن حقيقة الروح السلبية التي سطّر بها كتابهُ ((جنوب السودان: التمادي في نقض العهود والمواثيق )) ويدهشني ما حظي به هذا الرجل من احترام في الشمال منذ الاستقلال وحتي تاريخه .
يوضح الكتاب أن السيد محمد أحمد المحجوب، رئيس الوزراء عندئذٍ، قد لعب دوراً تدميرياً ومعطلاً لعمل لجنة الاثني عشر، كما وقف حجرَ عثرةٍ أمام تنفيذ توصيات مؤتمر المائدة المستديرة، وكان في كل ذلك مغرداً خارج سِرب حزبهِ وأحزاب الحكومة التي كان يرأسها. يثبت الكتاب أنه كان للمحجوب مواقف لن يغفرها لهُ التاريخ، ويصعب تفسيرُها أو تبريرُها. وعندما تولى السيد الصادق المهدي رئاسة مجلس الوزراء خلفاً للسيد محمد أحمد المحجوب، كان المؤمل أن يدفع عمل لجنة الاثني عشر إلى الأمام ويتصدى لتنفيذ توصياتها التي كان على رأسها وضع تقرير ختامي أمام دورة ثانية ونهائية لمؤتمر المائدة المستديرة، مما كان سيؤدي بالضرورة لكتابةِ تاريخٍ مختلفٍ للسودان واهلِه الطيبين. لكن السيد الصادق أجهَض جهود لجنة الاثني عشر، وخالف رؤاها وتوصياتها منذ لحظة استلامه تقريرها ألنهائي. ليس هذا فحسب، بل عمل كلَ ما في وسعهِ لعدم قيام الدورة الثانية من مؤتمر المائدة المستديرة، على الرغم من أنه هو شخصياً من اقترح تكوين اللجنة ودعوة المؤتمر لدورة ثانية تُطرح أمامها توصيات اللجنة لإقرارِها، حلاً نهائياً لمشكلة الجنوب المستعصية والتاريخية .
يُحمد للرئيس الأسبق جعفر نميري إنتهازيته استخدام توصيات لجنة الاثني عشر كأساس شبه كامل لاتفاقية أديس أبابا (1972) التي أعطت الجنوب بخاصة، والسودان بعامة، سلاماً امتد لعشر سنوات، مارس خلالها الجنوبيون حكماً إقليمياً ذاتياً، أرضى معظم طموحاتهم وحقق جوهر مطالبهم، وخفّض الكثير من غلواء كراهيتهم للشمال والشماليين .
لكن نقض نميري لمواثيق اتفاقية أديس أبابا، أعاد مشكلة الجنوب إلى مربعها الأول، وبمستويات أسوء وأخطر مما كانت عليه، ثم جاءت الإنقاذ فزادت الطين بللاً بإدخال عنصر الدين والجهاد فذهب الجنوب مستقلاً عن الوطن الأُم، وبقيت لنا خريطة شوهاء، وبقايا دولتين محطمتين .
بجانب هذه النماذج الفردية التي تعاملت سلباً مع توصيات مؤتمر المائدة المستديرة ولجنة الاثني عشر فإن الأحزاب الشمالية كمؤسسات سياسية، لعبت هي الأُخرى أدواراً سلبية بأوجه مختلفة. فالكتاب يثبت أن التمثيل الحزبي الشمالي في لجنة الاثني عشر، كان ضعيفاً ويمثل قمة عدم الاهتمام، كما يمثل درجة عالية جداً من عدم التنسيق بين المناديب وأحزابهم. فالأحزاب الشمالية بشكل عام يبدو من الوقائع أنها لم تكن جادة في تعاملها مع لجنة الاثني عشر، لدرجة أن محوراً أساسياً شغل معظم وقت اللجنة، كتبه أحد أفراد الصف الثالث أو الرابع من حزب الإتحاديين بمفرده، ولقد اعترف بأن حزبه لم يتح له فرصه لمناقشته وتنقيحِه، دعك من إقراره، قبل تقديمه باسم الحزب إلى اللجنة. والمحزن أن حزبين كبيرين اكتفيا بالبصمة على ذلك المقترح دون تكبد عناء إعمال الفكر واقتراح مشروعات بديلة، على الرغم من أن الأمر موضوع النقاش كان يتعلق بمصير اُمة ومستقبل شعب ووطن.
توضح الوقائع المضمّنة في الكتاب انسحاب حزب الشعب الديمقراطي والحزب الشيوعي من لجنة الاثني عشر، وتعمدهما عدم الالتزام بسرية المداولات، مما أعاق عمل اللجنة في لحظات حرِجة، وكاد في مرّات عديدة أن يعصف بما أحدثتهُ من تقدم وما توصلت إليه من تفاهمات. ولم يكونا وحدهما طوال الوقت فلقد شاركت في أحيان كثيرة جبهة الميثاق الإسلامي، بقيادة الدكتور حسن الترابي، شاركت في عدم الالتزام بسرية المداولات فأسهمت هي الأُخرى في تعقيد عمل اللجنة وفي ترسيخ عدم ثقة الجنوبيين في أهل الشمال وأحزابهم .
يشير الكتاب بأسف إلى الغياب المتكرر لمندوبي الأحزاب الشمالية من اجتماعات لجنة الاثني عشر، بعكس مندوبي الأحزاب الجنوبية الذين تميَزوا بالالتزام التام بحضور كل جلسات اللجنة، وفي تمام أوقاتها المحدّدة. ليس هذا فحسب، بل إن الكتاب يثبت دوام جاهزية الجنوبيين لمناقشة كل البنود المطروحة للنقاش، ويدرسون مسبقاً كل المذكرات والتقارير المحدد مناقشتها في كل اجتماع، بعكس الشماليين، مما يُوضح بؤس وعدم جدية كل الأحزاب الشمالية دون استثناء.
إن المداولات في مجملها تمثل تنبؤاً واضحاً بما هو حادث الاّن في دارفور وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق وشرق السودان. لكنها بكلِ أسف مضت أدراج الرياح ووُضِعت في الأضابير بدون أن يلتفت إليها أحد، وها نحن الاّن، كوطن وكمواطنين، ندفع الثمن غالياً في كل تلك المناطق، ونخشى أن يكون مصيرها كمصير الجنوب الذي فقدناه في غفلةٍ منّا ومن الزمان .
لقد أضاعت الأحزاب الشمالية حينئذٍ، فرصة حقيقية لإيجاد حلول واقعية لمشاكل السودان،
? أولاً بعدم جدية مشاركتها في مؤتمر المائدة المستديرة و لجنة الاثني عشر،
? وثانياً بتجاهلها غير المنطقي لأعمال وتوصيات لجنة الاثني عشر
? وثالثاً بعدم حرصها على عقد الدورة الثانية لمؤتمر المائدة المستديرة .
وعلى الرغم من كل هذا السرد الموجع، لابد من الإشادة ببعض الإشراقات مثل الفهم العميق والمتقدم الذي أبداه الشيخ حسن مدثر، قاضي قضاة السودان الأسبق، الذي اعترض على فرض الزكاة رسمياً في دولة السودان، لأن فرضها، حسب رأيه، يقتضي وجود دولة اسلامية أولاً، كما أنه بالضرورة يقتضي فرض الجزية على غير المسلمين من السودانيين، وهو أمر، حسب رأيه، غير واقعي في العصر الحديث. لقد دافع الشيخ حسن مدثر عن آرائه بقوة وبرؤى تنم عن فهم عميق ومتقدم للإسلام وشرائعهِ وفقههِ. ولكن تدور الأيام وتصبح جباية الزكاة ممارسة حكومية عادية تطبق حتى على المرتبات الشهرية، ألتي هي نفسها لا تسمن ولا تغني من جوع .
وهكذا يبدو أننا سنظل نبكي على لبن السودان المسكوب، وعلى فرصه الضائعة. حدث ذلك في الماضي ويحدث حالياً وكل الإرهاصات تدل على أنه قد يحدث مستقبلاً إذا بقيت نفس العقليات الطائفية والعقائدية تسيطر على مسرح الفِعل السياسي، وإذا بقي العسكر غير مدركين لحقيقة أنهم غير مؤهلين لإدارة البلاد والسيطرة على مقدراتها. وليس أدل على ذلك أكثر مما نحن فيه حالياً بعد ما يزيد عن ستين عاماً من الاستقلال حكَمَنَا في اربعة أخماسها أنظمة عسكرية قاهرة وتخللتها ديمقراطيات قصيرة عابثة .
وعموماً فإن هذا الكتاب هو دون شك سِفْر جدير بالقراءة والاقتناء، وجدير باحتلال موقع أساسي في مكتبةِ كلِ سوداني يستحق شرف الانتماء لهذا ألوطن ألعظيم ? إنه وثيقة محزنة لعبث ألسياسيين وتضييعهم لثورة كانت جديرة بحمل السودان إلى اّفاق عظيمة واستقرار سياسي كان كفيلاً بِالإبقاء على السودان موحداً ومزدهراً .
لقد لعب الأسُتاذ يوسف، مؤلف الكتاب، دوراً عظيماً سيسجلهُ له التاريخ بمدادٍ من نورٍ، ويكفيهِ فخراً قيادته للجنة الاثني عشر بحنكةٍ ودرايةٍ، على الرغم من كل الظروف المعاكسة، كما يكفيه تخليداً، توثيقهِ الأمين لعمل عظيم أضاعه السياسيون الشماليون عمداً مع سبقِ الإصرار فأضاعوا السودان و ثورتهِ الأُكتوبرية المجيدة، و لن يرحمهُم التاريخ .

بروفيسور / مهدي امين التوم
[email][email protected][/email]

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..