مقالات سياسية

أفندية وشيوخ عرب!

أفندية وشيوخ عرب!

ظلت الإدارة الأهلية هي صمام الأمان للمجتمع السوداني لفترة طويلة من الزمن؛ ولكن ما أصابها من إضعاف متعمد منذ أيام حكومة مايو، مع تسيسها تماماً في الوقت الراهن، الأمر الذي جعلها عاجزة عن قيام بدورها في حفظ الأمن والحفاظ على النسيج الاجتماعي؛ خاصة في المناطق الريفية والطرفية؛ ولذلك كثرت الزعازع وظهرت الفتن في كثير من مناطق البلاد. ومن المعلوم أن زعماء الإدارة الأهلية قد كانوا رجالاً من الذين أوتوا الحكمة وفصل الخطاب. أما الآن فقد ظهر جيل من الزعماء وشيوخ العرب الأفندية الذين تنقصهم أشياء كثيرة من متطلبات الزعامة والريادة. فأين نحن من بابو نمر، والناظر ترك، وسرور رملي، وإبراهيم بك فرح، والمر وأبو قدم ومادبو وبابو نمر، وزانوق وشيخ عبدو؟ إن تولي منصب الإمارة في نظام الإدارة الأهلية ليس كالعمل الوظيفي في الشركات أو وكالات السفر والسياحة حيث يمكن أن يقوم بذلك أي شخص لديه مهارات أو خبرة متواضعة إنما يتطلب هذا المنصب صفات قيادية عالية تشمل الحنكة والحلم والكرم والصبر والحكمة والدراية بأمور الرعية؛ لأنه ببساطة يتعلق بإدارة شؤون متشعبة. وأمير القبيلة يطلق عليه “شيخ عرب” وهذه عبارة لها مدلولات معنوية ومادية يجب توفرها في الشخص الذي يشرئب للزعامة، كما أن فهم الناس لهذه المهمة تؤثر فيه معطيات تراكمية كثيرة، تستدعي البطولة والمساهمة في صنع أمجاد الديار والاهتمام بأمر العشيرة والسعي لتسوية مشكلاتهم، وليس تأجيجها. ولقد شهدنا كيف كان الوضع سابقاً، عندما كان يتولى الأمر رجال شهد لهم الجميع بالقدرة والنزاهة، والحرص على وحدة الصف وسلامة النسيج الاجتماعي، ورعاية مصالح الناس، والدفاع عنها وإشاعة العدل بينهم، لكن تبدلت الأحوال وأسند الأمر إلى غير أهله في هذا الزمن المملوخ! روي عن رسولنا الكريم عليه أفضل الصلاة وأكمل التسليم: عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة قال كيف إضاعتها يا رسول الله قال إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة”. والأمر في هذا السياق يعني كافة الأمور التي تتعلق بالحكم كالخلافة والإمارة وغيرها! ومن مظاهر تضييع الأمانة إسناد أمور الناس إلى غير أهلها القادرين على تسييرها والمحافظة عليها، لأن في ذلك تضييعاً لحقوقهم، واستخفافاً بمصالحهم، وإيغاراً لصدورهم، وإثارة للفتن بينهم. أما وقد حدث ذلك كله، حسب مجريات الأحداث والمعطيات الماثلة للعيان؛ فنحن الآن لا ننتظر إلا قيام الساعة؛ بعد أن صار الأخ يعتدي على أخيه وجاره دون سبب إلا الطمع في لعاعات الدنيا ومكر السوء الذي لن يحيق إلا بأهله. وكل ذلك مرده أن الإدارة الأهلية الآن يتولاها بعض الأفندية الذين لا يدركون متطلبات ومقتضيات هذا المنصب والمهام المناطة به، للأسف الشديد. ومن حيث الكيفية، فقد اختلت موازين ومعايير اختيار القيادات، فقد كان أهل الحل والعقد هم من يقدمون الشخص بعد تمحيصه واستعراض خبرته وإسهامه في شأن الذين سوف يتولى أمرهم! أما في وقتنا الحاضر فهنالك جهات تسعى لتوجيه دفة الأمور من وراء ستار أو من خلف الكواليس لتحقيق مآرب خاصة بهم؛ ولذلك لا يحسنون الاختيار؛ لذلك ظهرت مشكلات عديدة؛ لأن بعض من يتولى الأمر لا علم له ولا خبرة أو حتى رغبة في حلها والتعاطي معها بشفافية، بل تراه يخبط خبط عشواء (بجري بلا مضراب) فينحاز لهذا الطرف أو ذاك ويقرّب فلان ويبعد علان! ونتيجة لذلك كله فإن كثيراً من مستويات الإدارة الأهلية يتململ رعاياها الآن؛ نظراً لسوء التصرف والفشل الذريع في تسوية المشكلات القائمة والمنظورة، والله المستعان. الزعماء يعلمون أن مسألة الإمارة تحكمها مواثيق مشهودة ترتب أشياء وأمور ظلت قائمة منذ عقود مضت، دون أن ـيتجاوزها أو يخل بها أحد وبذلك استمر استقرار الديار؛ إذ كانت أمورها تدار بطريقة تتسم بالأخوة والشورى والتفاهم، حيث كان الناظر، أياً كان، يمثل رمز الدار وزعيمها الذي يحفظ له الجميع مكانته بكل احترام وتقدير. وكان هناك توزيع أدوار بحيث يوجد المفاوض البارع الذي لا يفرط في حدود الدار ولم يسمح لأحد بالتعدي عليها، وخلفهم جراب الرأي (ومركز الضيفان) وغيرهم من أصحاب الحكمة و”القدح” “وتقابة” القرآن. ولكن للأسف ذهب كل ذلك المجد أدراج الرياح وضاع ضربة لازب؛ لأن الأمر قد أسند لغير أهله؛ ولذلك نخشى أن “تنبشك الحزمة”. ومن الأقوال المأثورة أن آخر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها ومن هنا يستوجب أن تولي الدولة أمر زعماء الإدارة الأهلية قدراً من الاهتمام من حيث الأنظمة التي تضبط عملهم وطريقة اختيارهم والسلطات المخولة لهم حتى يتمكنوا من ممارسة أعمالهم على الوجه الأكمل. أما أن تتحول منظومة الإدارة الأهلية إلى جهة تتلاعب بمصالح الناس وتضيع حقوقهم أو أن تسعى لخلط الأوراق وتكوين تكتلات ومجموعات مصالح وسط رعاياها فهذا لعمري سلوك مستهجن يوشك أن يمزق النسيج الاجتماعي الذي ظل متماسكاً بفضل الله وحنكة السابقين من عظماء رجال الإدارة الأهلية رحمهم الله.

محمد التجاني عمر قش
[email][email protected][/email]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..