مقالات سياسية

رفع الحظر عن السودان .. بعد فوات الأوان

رفع الحظر عن السودان .. بعد فوات الأوان

كان الضابط يكتب قصيدة حب لزوجته وهو يواجه جيوش النازي … ولم يكن يعلم الضابط الإنجليزي وهو يكتب سطور رسالته إنها ستصل إلى زوجته متأخرة … ربما تصور أن تصل بعد إسبوع أو إسبوعين أو بعد شهر أو شهرين على أكثر الإحتمالات أمام ظروف الحرب … ومات الضابط ولم تصل الرسالة … وإن كان وصل إلى زوجته خبر وفاته في الحرب .. وفي بداية التسعينات في القرن الماضي وأثناء رحيل القوات الروسية من ألمانيا عثر أحد الجنود على بعض الأوراق القديمة وكان من بينها رسالة الضابط إلى زوجته
وتلقت الزوجة الرسالة .. وكانت قصيدة كتبها لها زوجها والتي أرسلها لها منذ خمسين عاما .. وكانت قد تجاوزت الزوجة الخامسة والسبعين من عمرها … والشيء الغريب إن هناك أشياء كثيرة تصل متأخرة بعض الوقت … إننا قد نجد حلما قد تأخر .. أو غاية جاءت متأخرة بعض الوقت .. ولكن أن تصل الرسالة بعد خمسين عاما .. فهذه مصادفة غريبة … بعض الناس يسعى إلى حلم من الأحلام ويحاول أن يجد له طريق ولكن الحلم يخونه مرة أو مرتين وفجأة يظهر الحلم من جديد ويبدو واقعا .. وهنا يشعر الإنسان العاقل أن الحلم جاء متأخرا .. ربما تأخر عاما أو أكثر ولكن الأشياء تكتسب معنى وإحساس خاصا حينما تجئ في وقتها .. مثلا رفع الحظر عن السودان يكون جميلا لو جاء بعد سنة أو سنتين من فرضه وفي عدم وجود هذه الحكومة بالتأكيد لوجد كل شيء في مكانه لم يتغير بعد … وكان محافظا على أخلاق شعبه الجميلة التي كانت لا تعرف الفساد والكذب … وكان أيضا محافظا على حدوده ووحدة أراضيه ومازال محافظا على متانة وجودة التعليم فيه .. ومحافظا على جودة خدمته المدنية التي كانت مضربا للمثل في النزاهة والنظافة والإنضباط ما قبل هذه الحكومة .. ولا توجد هذه العصابة السارقة المارقة … لذلك الإحساس الآن مختلفا تماما لكل العقلاء الوطنيون… فما قيمة أن يجد الإنسان الحب وهو يعيش خريف عمره فلا هو قادر على العطاء .. ولا هو قادر على أن يعيش اللحظة التي تمناها يوما في شبابة … مثلا الآن ما الفائدة من رفع الحظر لإستيراد قطع غيار للطائرات ؟ وأصلا لا توجد طائرات لشراء قطع غيار إليها لقد تم بيع بعضها في سوق الخردة العالمية … وما فائدة رفع العقوبات لشراء معدات زراعية بعد أن تم تدمير مشروع الجزيرة كأهم وأكبر مشروع زراعي يروى انسيابيا في الشرق الأوسط وأفريقيا ويعمل فيه ملايين من البشر ومن كل ولايات السودان .. وماذا يستفيد الإنسان السوداني من رفع العقوبات عن المصانع بعد أن تم بيعها وتدميرها والذي بقى منها واقفا فهو خرابا ينعق فيه الغربان ؟ ….

ويامن كنتم السبب في فرض هذه العقوبات وبالرغم من ذلك تحسبون رفعها إنتصارا ونجاحا لدبلوماسية المؤتمر الوطني أنه لشيء مضحك وعجيب !!! أسألكم بالله ما قيمة أن نجد النجاح بعد أن نفني العمر في سراديب الفشل والإخفاق والدمار … إن النجاح إحساس جميل ولكن بشرط واحد أن يأتي في الوقت المناسب … وللقضية المناسبة ..

ما قيمة أن نكسب المال … إن قيمته الأساسية أن نجد معه المتعة والسعادة … لكن إذا جاءنا المال ونحن لا نريده ولا نستطيع أن نفعل به شئيا خسرنا معه الإحساس وخسر معنا القيمة .. فما قيمة رفع الحظر ونحن لا نستطيع أن نشعر بالعدالة الاجتماعية في وجود هذه الحكومة وسياسة التمييز والتمكين

كان من الممكن أن تكون الرسالة التي تلقتها السيدة العجوز قمة السعادة بالنسبة لها لو إكتشفت أن زوجها ما زال حيا .. وأنه سيعود إليها وهو يحمل سنوات عمره الطويل .. ورفع الحظر عن السودان كان من الممكن أن يكون جميلا لو وجد نظاما آخر حياً ولم يجد من تسببوا في فرضه جاثمين على صدورنا ومستمرين في تدميرهم لكل شئ ومستمرين في غيهم وفي فسادهم .. ما الذي يضمن لنا أن يتسببوا مستقبلا في عقوبات أسوأ من التي كانت مفروضة ؟ … نعم لرفع العقوبات عن السودان وليس عن الشبح الذي كان يسمى السودان … ويبدو إنه لقد ضل طريقه.. فلم يكن ذلك الشاب الشامخ المفعم بالنشاط والحيوية ولم تجده في شبابه وعنفوانه لكي يصنع المستحيل بإمكانياته وموارده الضخمة التي ذهبت من حيث لا ندري … لقد وجده هذا القرار لقد شاخ وكبر وهرم وظهرت التجاعيد على وجهه وتغيرت خارطة وجهه التي أصبحت كخرقة القماش البالية

والرسالة التي وصلت إلى الزوجة العجوز … كرفع العقوبات عن السودان لقد أشعلت في الرماد بعض النيران في ليلة شتاء طويلة … وسرعان ما خفت كل شيء
[email][email protected][/email]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى