أكتوبر 21 الثورة التي أجهضت -2-

كما الأمس في مقالي يستطرد وزير داخلية نظام 17 نوفمبر اللواء محمد أحمد عروة متذكراً أحداث ثورة أكتوبر 1964 قائلاً لي بعد أن مكثت في منزلي ثلاثة أيام بعد نقاش حاد داخل الاجتماع المشترك للمجلسين العسكري والوزاري أخذت إجازة لزيارة والدي وأخي في قرية الختمية بكسلا.

أذكر جيداً إنه لم يتحدث قط عن أي خلافات داخل النظام أو رغبته في عدم الاستمرار في السلطة ولكن حين جرت أحداث ندوة الجامعة التي استشهد فيها الطالب أحمد القرشي تم استدعاؤه للخرطوم رجع فوراً ولم أجده بالمنزل ظهراً.

قال لي حين سألته بعده بسنوات طالما كنت على خلاف مع زملائك حول سياستك حيال اتحاد الجامعة وأساتذتها لماذا رجعت؟، قال لي أنا رجل عسكري منضبط تربيت وقضيت في العسكرية جل حياتي فلست من النوع الذي يتخلى عن مسؤولياته وزملائه في أوقات الشدة.

استطرد اللواء عروة قائلاً لي أن أول قرار اتخذته عندما عدت لمكتبي بوزراة الداخلية كتبت باللون الأحمر في التقرير الذي طلبته عبارة: من أمر بدخول قوات الشرطة لحرم الجامعة؟ حيث أنني كنت أصدر أوامر صريحة بعدم دخول أية قوات لحرم الجامعة حسب اتفاقي مع مديرها النذير دفع الله. ثم طلبت إجراء تحقيق فوري، ولكن كانت الأقدار تجري مجرى آخر فقد أصيب مدير البوليس بحادث حركة في كبري النيل الأزرق، ثم تطورت الأحداث سريعاً باندلاع المظاهرات والدعوة للإضرابات، فأصدرت أوامر بعدم التجمعات حتى فجر اليوم التالي، ولكن المظاهرات استمرت. وهنا روي لي اللواء عروة الدقائق الأخيرة لنظام نوفمبر قائلاً: بعد يومين دعا الرجل المحترم الرئيس الفريق إبراهيم عبود أعضاء المجلسين العسكري والوزراء لاجتماع عاجل في القصر الجمهوري، وعندما حضرنا وجدناه ينظر من شرفة القصر الجمهوري في اتجاه شارع القصر وهو يرى القوة تطلق النار على المتظاهرين ويبدو أن الرئيس يتمتع بطيبة قلب شديدة رغم عسكريته التي لا شك فيها ولا يريد أن يتحمل مسؤولية الدماء أمام الله فردد قائلاً (هل كل هؤلاء الناس لا يريدوننا، لنسلمهم السلطة) إذ يبدو أن الرئيس عبود شعر لأول مرة بقوة الشارع ويرى المظاهرات عياناً بياناً. وبعد قليل حضر إلينا اللواء الطاهر عبد الرحمن المقبول قادماً من اجتماع لممثلي جميع الأحزاب السياسية المعارضة بقبة المهدي وقدم تقريره لنا ذاكراً أسماء ممثليهم واحداً واحداً وقال إن أحمد السيد حمد قال إنه جاء ممثلاً للختمية!! وهنا سأله عبود مستغرباً هل أنت متأكد من ذلك؟ وفي تلك اللحظة أخذني الرئيس عبود ? قال لي اللواء عروة- إلى غرفة جانبية بها جهاز الهاتف وقال لي اتصل بالسيد محمد عثمان الميرغني وأسأله هل أحمد السيد حمد يمثلكم وعندما أدرت قرص الهاتف حدثني أخيه السيد أحمد إنه لا يعرف غير الحكم العسكري، وقال لي أن محمد عثمان في الجنينة فأخذ مني عبود الهاتف ولاطفه قليلاً وكان يحبه جداً. ثم اتصلت بالسيد محمد عثمان في الجنينة وقلت له هل أحمد السيد حمد يمثلكم؟ فتردد وتلعثم في الحديث ثم قال نعم عندما احتديت معه وطلبت إجابة قاطعة!! وهنا قال لي عبود أغلق الخط ولم يخاطبه وذهب إلى حيث الاجتماع المشترك للمجلسين وقال بصوت حاسم: لقد قررت حل المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومجلس الوزراء.. إنصاع الجميع إلا محاولة من أحمد خير رفع يده ليقول شيئاً ولكنه جلس فجاة دون أن ينطق ببنت شفة!! سألته وقد كان أحمد خير صديقاً حميماً له كانا يتبادلان الزيارة لسنوات حضرت جزءاً منها وكان لهما موقف مشهود إبان ثورة شعبان 1973 عندما دعاه أحمد خير للندوة الشهيرة بدار اتحاد طلاب الجامعة أخذته لها والتي هاجم فيها أحمد خير نظام مايو هجوماً عنيفاً وكانت سبباً في اعتقاله وغضب النميري من اللواء عروة كما روى لي..

سألته ترى ماذا كان يريد أحمد خير قوله؟ قال لي كان يريد القول ألا يحل عبود المجلس العسكري حتى لا تحدث فوضى في البلاد ويكتفي بحل مجلس الوزراء ثم تعالج الأوضاع بهدوء!!

هل يا ترى كانت وجهة نظر أحمد خير صحيحة وأكثر حكمة وواقعية؟ لا شك عندي في ذلك فما حدث بعدها من فوضى وصراعات سياسية وحزبية بائسة أجهضت الثورة وأدت لعودة الحلقة السياسية المفرغة إذ لا تستفيد الأحزاب من التجارب المريرة وكانت تستعجل دوماً الانتخابات للعودة للسلطة دون إجراء حوار حقيقي ومثمر حول حاضر ومستقبل البلاد مثلما حدث بعد ثورة أكتوبر وانتفاضة أبريل.. حقاً ما أكثر العبر وما أقل الاعتبار.

التيار

تعليق واحد

  1. فعلاً والله ما أكثر العِبر و ما أهبل شعبنا !! فوالله لو كُنا نعتبر لكنسنا فور نجاح إنتفاضة إبريل كل زبالة المقبورة مايو وسحلنا زبانيتها جواسيس الموساد اللذين رحلوا اليهود للفلاشا لإسرائيل وعلى رأسهم عقيد أمن الدوله المنحل الفاتح محمد أحمد عروه ثُم أعقبنا ذلك بشنق الأخوان الشياطين في ميدان الاُمم المتحده فوالله لو فعلنا ذلك لِما أطاح الكيزان بعهدنا الديمقراطي والله من وراء القصد

  2. تريدون من أن تصنعوا من الفريق عبود رجلاً طيبا و هو الذي اصدر أوامره بشنق ضباط تم اتهامهم بمحاولة انقلاب ،، و استكثر عليهم أن يتم التنفيذ رمياً بالرصاص باعتبارهم عسكريين ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
    لا يوجد حاكم سوداني منذ المهدية يمكن ان تصفوه بالطيبةو الأخلاق

  3. إن كان محمد احمد عروه (كما زعمت يا محجوب عروه) قال لك بالنص :- ( أنا رجل عسكري منضبط تربيت وقضيت في العسكرية جل حياتي فلست من النوع الذي يتخلى عن مسؤولياته وزملائه في أوقات الشدة.)
    فلماذا تخلى إبنه الفاتح محمد احمد عروه عن زملائه وشهِد ضد رئيسه الذي إصطفاه دون الآخرين (ربما إكراماً لوالده كم يقول اللواء عمر محمد الطيب أو لِأشياء تانيه حامياني كما يقول زملائهم العسكريين) !!
    فالإبن في العاده يقتدي بأباه – أم إنه فقط يحمل إسمه وليس إبنه !!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى