البُشريات الكذوبة

 

كلما اضطررت إلى السفر عبر طريق (الدندر – المحمية) وهو ما يعرف محلياً بطريق الشرق، تقفز إلى ذهني عبارات ذات تقاسيم قاسية، ومذاق مر، أتجرعها ولا أكاد أستسيغها، بالطبع هي عبارات مثل الظلم والتهميش والاستغفال، والغش والخداع – أي ورب الكعبة .
طريق الشرق الرابط بين مدينة الدندر ومحمية الدندر القومية، يرسم معاناة أهل الدندر في لوحة حزينة ذات تفاصيل تراجيدية، وبقايا من دموع متحجرة على الخدين، ويجسد الاستهتار والاستهانة بالمنتج المحلي ووضع الأشواك على طرقاته الوعرة…
فعلى امتداد الطريق تجثو أعداد مهولة من القرى على ركبتيها، كطفل كسيح يشكو لله إهمال والديه وتجاهل ذوي القربى وظلمهم الذي كان ولا يزال أشد مرارة من الحسام المهند…
أما الذي أشد مرارة من كل ذلك هو أن منطقة شرق الدندر تعج بأهم نشاط اقتصادي، نشاط تستحلب منه الدولة للخزينة العامة أموالاً طائلة من عائدات الزراعة الآلية المطرية الواسعة التي تقدر بأكثر من مليون فدان تنتج محاصيل الذرة والسمسم وزهرة الشمس، وحب البطيخ، والمحاصيل البستانية التي تشمل كل أنواع الفواكه، وكذلك الثروة الحيوانية الضخمة التي تقدر بحوالي (6) ملايين رأس، هذا كله بجانب اكتشاف النفط في المنطقة منذ سبعينات القرن الماضي..
علاوة على كل ذلك، فإن المنطقة تقع فيها محمية الدندر القومية والتي تمثل المورد السياحي الأكثر أهمية في السودان رغم الإهمال المتعمد… هذا إلى جانب كون المنطقة تمثل مصدراً مهماً للموارد الغابية وإنتاج عسل النحل، وغير ذلك من الانشطة الاقتصادية…
لكن للأسف رغم هذه الأهمية الاقتصادية للمنطقة وإسهامها في دعم الخزينة العامة إلا أن إنسانها لا يزال يعيش حياة بدائية حيث لا يزال سكان قرى شرق الدندر يعيشون في ظلام دامس، ويعانون شح مياه الشرب الصحية ووعورة الطرق …
أما مأساة الطرق هذه فيجسدها طريق شرق الدندر الذي يربط مناطق الإنتاج وأسواق شرق الدندر حيث تقع على طول الطريق أسواق: (الدندر، ود بركي، والعزازة وأب بقرة..) وهي أسواق تمثل أهمية كبرى لإنسان المنطقة وتشكل نشاطاً اقتصاديًا ضخماً طول أيام السنة يسهم في زيادة الدخل القومي ومع ذلك ظل هذا الطريق حجر عثرة ومعوقاً أساسياً لعمليات الإنتاج والتسويق، عنوان بارز لمعاناة المسافرين والمرضى، وتصل هذه المعاناة ذروتها في موسم الخريف حيث ينقطع الطريق تماماً وتصبح وسيلة المواصلات الوحيدة التراكتورات التي تحتاج لقطع مسافة الطريق إلى أكثر من يومين…
لقد سمع أهل المنطقة من الوعود الرسمية بشأن سفلتة الطريق ما يفوق “مواعيد عرقوب”، وكم استرخت أجسادهم البالية من رهق المعاناة لـ”بشريات” كذوبة… وهاهم الآن يعيشون على آخر الآمال والعشم، فلئن تمخض الجمل ولم يلد كما في السابق، لن يلد فأراً هذه المرة ولكنه سيلد حمماً من غضب الحليم المظلوم… ألا وإياكم وغضبة الحليم، ودعاؤه الذي ليس بينه وبين الله حجاب… اللهم هذا قسمي فيما أملك…
نبضة أخيرة:
ضع نفسك دائماً في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين..
الصيحة.

محتوى إعلاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..