الحريات!!

بالأمس القريب استبشر الناس خيراً برفع العقوبات الأمريكية عن السودان، والتي استمرت زهاء العقدين من الزمان، شهد فيها الإقتصاد السوداني تراجعاً واضحاً، جعل الكثيرين يرجعونه لما ألحقه الحصار بالإقتصاد من أضرار تأثر بها المواطن، ولو بنسبة أقل مما ألحقته برموز النظام من أضرار، ولعله أصبح في واحدة من حالاته – أي الحصار – مطية لتبرير كل إخفاق حكومي من قبيل ارتفاع سعر صرف الدولار، وتدهور الأحوال المعيشية للمواطنين، وارتفاع نسبة التضخم، واستشراء الفقر، وارتفاع نسبة البطالة، وما إليه من نوازل، سواء كان للحصار الأمريكي يداً فيها أم لم يكن.
وعشية رفع العقوبات كان الناس يتسقطون أخبار الشروط التي رُفع بموجبها الحصار، من إنفاذ لحقوق الإنسان، والحد من انتهاكاتها الجسيمة، والكف عن الإعتقال الجزافي في قضايا الرأي، وتوسيع هامش الحريات، تنفيذاً للشروط الأمريكية لرفع الحظر، إن لم يكن حفاظاً على كرامة الإنسان السوداني، وإحقاقاً للحق ورداً للمظالم إلى أهلها. واعتقد البسطاء من جماهير شعبنا أن الأسعار ستنخفض بلا ريب، وأن سعر صرف الدولار سينخفض ليصل إلى العشرة جنيهات بحسب ما كانوا يأملون، وأن البلاد ستشهد حقبة من الإنتعاش غير مسبوقة عنوانها رفع العقوبات. لكن كل ذلك لم ينل من النظام خاطرة التفاتة فها هو يمنع مؤتمراً يناقش فكر الأستاذ “محمود محمد طه”، في حوارية عن الدين والحداثة، تداعى لها الباحثين من مختلف أنحاء العالم، للبحث عن مخرج يحفظ للدين والإنسان معاً سبيلاً للعيش الكريم، في زمان التطرف، والإرهاب، وتفجير الأجساد. وغني عن القول أن فكر الأستاذ “محمود محمد طه”، هو من قبيل الفكر المسالم، الذي ينبذ العنف ولو جاء على هيئة كلمة جارحة، أو نظرة مؤذية. لكن الضيوف فوجئوا بمنع قيام الفعالية، التي أخذ القائمون عليها وقتاً طويلاً في التحضير، وأنفقوا ما أنفقوا في سبيل تنظيمها كفعالية تستهدف الفكر في المقام الأول، بعيداً عن تعرجات السياسة ومنحنياتها، مما حدا بهم لتحويلها لمنزل الأستاذة “أسماء محمود محمد طه”، الشئ الذي أشعر الكثيرين بالغربة داخل أوطانهم، وأنهم لم يعد لهم مكان في منتديات بلادهم العامة، باعتبارهم رعايا، لا مواطنين يمتلكون حق المواطنة بالأصالة.
وفي سابقة ظلت تتكرر في كل وقت وحين منع النظام قيام حفل تأبين للراحلة فاطمة أحمد ابراهيم بجامعة الأحفاد، بحجة أن الجامعة ليست مجالاً للأنشطة السياسية، ليتم تحويل الإحتفال إلى قاعة الصداقة، لكن المفاجأة الثانية، كانت أن منع النظام قيام الفعالية في قاعة الصداقة كذلك، ليُعلن عن موعد جديد للتأبين في الرابع من نوفمبر القادم بدار الأمة.
ومن كل ما سبق يتضح أن الستار قد أسدل على قرار رفع العقوبات الأمريكية عن السودان دون أن يتغير شئ، فلا انخفض سعر صرف الدولار، ولا امتثلت الحكومة للشروط الأمريكية لاستمرار رفع الحصار، ولا تحسنت حالة الحريات، ولا حقوق الإنسان، ليصبح حالنا كما المنبت الذي لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى.
[email][email protected][/email]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..