قبر شداد .. وقصر البشير

قبر شداد .. وقصر البشير
? جسدت عودة البروفيسور كمال شداد لرئاسة الاتحاد السوداني لكرة القدم طبيعة التناقض الشديد الذي يعيشه الدولة السودانية بكافة أركانها من حكومة وشعب ومؤسسات دستورية ومدنية ، وواضح أن التركيبة التي نشأت عليها هذه الدولة منذ الاستقلال لم تتغير، والمواطن السوداني الذي عرف عنه(طولة البال)و الصبر على المنشط والكره، لا يريد أن يتخلى عن هذه الصفة ويواكب إيقاع الحياة السريع الذي يتطلب المرونة في كافة المجالات خاصة السياسة التي شهدت (كنكشة) الحكومات المتعاقبة فيما قالت أنه مبادئ وثوابت لتأتي و(تنبرش) بالكامل في النهاية وتتنازل عن كل شيء حتى لا يبقى من شيء في نهاية المطاف تتنازل عنه للآخرين في سبيل البقاء.. فقد باع عبود وادي حلفا للمصريين، وباع النميري الفلاشا لاسرائيل وتأرجح بين معسكري بغداد والقاهرة بعد أزمة كامب ديفيد، وكانت أم الكوارث تنازل الحكومة الحالية عن الجنوب بموجب اتفاقية نيفاشا.
? وكان من الطريف أن تواكب عودة شداد بعد سبع سنوات من خسارته أمام نفس تلاميذه الحاليين، عودة التوقيت القديم وعودة السلم التعليمي القديم ومن قبلها شواهد مماثلة مثل عودة قادة سياسيون تسببوا في أذية البلد والشعب فعادوا بامتيازات ومناصب بدلاً من المحاكمة أمثال الدكتور علي الحاج الذي كان يحرض الغرب على السودان من المانيا، ومحمد عثمان الميرغني الذي ينفذ أجندة المصريين على طريقة أبيه منذ الاستقلال، وأركو مناوي الذي عاد من قبل مساعداً للرئيس ولجا للغابة من جديد بعدما فشل في إثبات وجوده.
? شداد البالغ من العمر 80 عاماً ظهرت عليه المسحة الدينية وهو يقول أنهم جآوا بي من القبر، و حمد الله وشكره أكثر من مرة في خطابه وطالب بقراءة الفاتحة على روح إداريين راحلين وانتقد من أقسموا على المصحف ونكثوا بالقسم وتحدث عنهم بالتفصيل، فهو يجسد الشخصية السودانية التي تلوذ بالدين وتتقرب إلى الله في عمر متأخر مثله مثل أديبنا العالمي الطيب صالح الذي عاد للسودان في سن متقدمة بعد أن قدم للعالم رواية مشبعة بالجنس تم منعها في السودان واستسمح الشعب بعدما ذرف الدموع على شاشة التلفزيون وهو يقول ليس في العمر بقية.. والنميري الذي أسس حزب التحالف وأنزوي يصلي ويصوم في بيت العائلة بود نوباوي، حتى توفي وحمل على (عنقريب) ودفن على بعد خطوات من المنزل، ولايزال هناك من يشتبه في فسادهم تحتويهم الحكومة (وتغطي عليهم) طمعاً في أخذ نصيبها من هذا المال الفاسد أمثال جمال الوالي وأشرف الكاردينال وآدم سوداكال الذي ترفض الخرطوم تسليمه للامارات حتى لاتذهب مئات الملايين من الدولارات التي اختلسها خارج السودان.
? إذن الشخصية السودانية تتقبل التسامح بصورة تضر بالمصلحة العامة، والمؤسسات العدلية ومنظمات المجتمع المدني والصحافة لا تقوم بدورها في محاربة الفساد والمفسدين من مسئولين أو غيرهم حتى أن الحياة السياسية في السودان لم تشهد منذ الاستقلال سوى تقديم نماذج فاشلة لمحاربة الفساد فنجا بهاء الدين محمد إدريس بعدما اختلس ملايين الدولارات بعد أن هدد بكشف رؤوس كبيرة، ونجا الصادق المهدي الذي قتل أبرياء في أحداث المرتزقة 1976 بسبب مصالحته وخنوعه للنميري، وأفلت يوسف عبدالفتاح بعدما استولى على مساعدة قطرية بملايين الدولارت لإكمال المدينة الرياضية قبل سنوات، وأفلت الخضر والي الخرطوم السابق بعدما سرق موظفو مكتبه مئات المليارات عبارة عن أراضي استثمارية و شرعوا لهم قانون التحلل بعدما قالوا أنه شريك ، وأفلت على عثمان محمد طه بعد أن تكشف انه وراء قضم 75% من أراضي المدينة الرياضية لتصبح 25% فقط وتحويلها للأقارب والمحاسيب وغيرهم، ولا يزال الإداري الرياضي أسامه عطا المنان طليقاً حتى الآن رغم استيلائه على آلاف الدولارات من أموال الفيفا بصورة ممنهجة طوال سنوات رغم إدانته ورفض تسوياته،ولا تزال وداد زوجة البشير وأقربائه محل اتهامات قوية بالفساد دون أن يطالب أحداً بمجاكمتهم أو مطالبتهم بإبراء ذمة.
? عاد شداد إلى منصبه من القبر وهو معروف بخبراته الطويلة، وجاء البشير إلى القصر (عسكري) مغامر برتبة عميد وبلا خبرات سياسية.. اعترف الأول بانهم جآوا به لعدم وجود بديل، ويستعد الثاني للتجديد 5 سنوات أخرى لايستفيد من حكمة شداد وكأنه يعتقد أن لاقبر سوى القصر ولابديل غيره يستحق المنصب أو يصلح له، ويغطي على فساد حكومته بعلم أو بدون علم وهو يصرح غير مرة بأنه ضد الفساد ليبقى مم قال عنهم الله سيحانه وتعالى:( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِنْ لَا يَشْعُرُونَ).
جمال عيسى
[email][email protected][/email]



