الإسلاميون وندوة ثورة أكتوبر: دقنك حمست جلدك خرش ما فيه (3-4)

من رأي الأستاذ أنور الهادي، السكرتير الثقافي للجنة اتحاد طلاب جامعة الخرطوم خلال ثورة أكتوبر 1964، في ذكرياته للصحف عند كل ذكرى للثورة، أن الشيوعيين عارضوا اقتراح الندوة المعروفة في مساء 21 أكتوبر 1964 لأنهم كانوا قد فتروا من نضال عبود، وجنحوا إلى مهادنة النظام. ولا أدري كيف توصل أنور إلى هذه النتيجة عن جبننا أو تقاعسنا ونحن من اقترح مظاهرة حاشدة في الشارع؟ بل كان المؤتمر الديمقراطي الاشتراكي لا يرى أن تقوم ندوة ولا تنعقد مظاهرة لينشغل الطلاب بتربية الشعب في مدارج النضال. بل، مرة أخرى، كان قيام الندوة موضع خلاف واأخذ ورد كثير في أروقة الإسلاميين أنفسهم كما نقل عنهم شاموق في كتابه الباكر عن ثورة أكتوبر “الثورة الظافرة: يوماً بيوم” (1968) مما عرضنا له في الكلمة الماضية. ولم يكن اقتراحنا بالمظاهرة مُسبباً فحسب بل كان معروضاً أمام الطلاب للتصويت له أو عليه.
ما لا يعرض له أنور الهادي مطلقاً هو من “حرّر” الندوة أي جعلها ما انتهت إليه من صراع مع الشرطة ومقتل القرشي وبابكر حسن عبد الحفيظ وجرح 22 طالباً؟ فلم يكن للاتحاد خطة مواجهة مع الشرطة. ولا أعتقد أن كان للاتجاه الإسلامي، سيد الندوة السحرية، مثل تلك الخطة. فمن كان وقود تلك المواجهة؟ سأناقش ببينة في هذه المقال أن عناصر الجبهة الديمقراطية في داخليات البركس هي التي كانت رأس السهم في هذه المواجهة. وربما فعلوها بغير توجيه من تنظيم بل حرارة قلب ساكت. فلا أذكر توجيهاً من الجبهة الديمقراطية وقتها بالمواجهة.
وقبل أن اخوض في شهادات بسالة رفاقي في الجبهة الديمقراطية في المواجهة مع الشرطة أرجع بكم إلى لحظة بدء الندوة نفسها وتكوين المتحدثين. فمَثّل الجبهة الديمقراطية (الجبانة في راي أنور الهادي) على المنصة اثنان: هما العبد الضعيف ، مدوناً للندوة، والمرحوم بابكر الحاج متحدثاً. وكان للاتجاه الإسلامي ممثلان مثلنا تماماً هما أنور الهادي، مقدم الندوة، والمتحدث عنهم الذي اعتذر عن غيبة اسمه عني وأنا أكتب. وهذا إما تعادل في الشجاعة أو تعادل في الجبن. وكان ذلك بالحق تفوق لنا في الشجاعة والالتزام. فكيف لجبان يتستر خلف التظاهرة ليتفادى غشيان وغي الندوة أن يقبل بالجلوس في منصة ندوة له رأي سلبي في نفعها للنضال؟ فهذه شجاعة أخرى لأنها شجاعة التنزل عند رأي الجماعة الذي لا تشقى البلاد به. وجاء على لسان أنور الهادي ما فهمت أن هناك من عرض عليهم الحديث في الندوة فترددوا. واضطر إلى إغراء أحدهم بأن الدور، متى قبل وضع اسمه ضمن المتحدثين، لن يحصله لأن الندوة لن تدوم حتى يلحق بنمرته. وخطر لي سؤال بعد قراءة هذه العبارة الغامضة من أنور الهادي: هل لهذا وضع بابكر الحاج، مندوب الجبهة الديمقراطية، كأول المتحدثين ليأكل ناره؟

انعقدت الندوة أمام داخلية عطبرة لتعذر انعقادها في دار اتحاد الطلاب التي سدت الحكومة أبوابها، أو في ميدان أفسح لأن الحكومة أغرقت الميادين بالماء في غير موسم. وكانت عطبرة (والقاش) من الداخليات الجديدة الرشيقة العالية. وقد بنوها من الساس خلال عام 1960-1961 وهو أول سنيّ بالجامعة. وأزعجنا من البناء كرير كراكاته ومندلة ندالاته وغبار وعفار رابط عند سماء داخلياتنا. ولكن كنت ضمن أول من سكن داخلية القاش. واستمتعت بفوح المبني الجديد وملمسه.
اتخذت موقعي على المنصة بجنب المرحوم رفيقنا بابكر الحاج بابكر الذي هو من قدواب بربر. وكان زعيم الجبهة الديمقراطية ورأس قائمة مرشحيها للاتحاد. وهو من شيوعيّ أروما الذين تربوا على يد المرحوم الجزولي سعيد. وتزوج وما يزال طالباً وسمى بكره “قاسماً” للقدوة الحسنة. ولم أر رجلاً في فضله وذكائه ورباطة جأشه وسداد عبارته. وسعدت بزمالته وحلو معشره أعوام 1963-1964 التي أوقفتنا فيها الجامعة لعام دراسي ضمن آخرين في اتحاد الطلاب لمظاهرة تفجرت خلال تخريج الطلاب في 1963 وفي حضور مدراء الجامعات الأفريقية. وعملنا مدرسين في المدراس الأهلية. أنا في الجمهورية بأمدرمان بحي اصقور عند مقابر حمد النيل. وهو بجهة الخرطوم 3. ولم نكن لنفترق. رحمه الله وبارك في ذريته. الزين الرصين الرزين.
فرشت كراستي بعد افتتاح أنور للندوة. وكان أول المتحدثين رفيقنا بابكر الحاج. وبدأت في تدوين منطوقه. ولم يستمر طويلاً. فداهمنا البوليس يطلب منا أن نتفرق. وكان هناك من بين أعضاء اللجنة التنفيذية للاتحاد، وربما أنور الهادي نفسه، من طلب من الطلاب التفرق بانتظام. طويت أوراق محضر الندوة التي عوجلت، وأخذته متجهاً نحو داخليتي عبر بوابة البركس. وحَذِرت، حذر من طبع الشيوعيين، أن أقع في القبضة قبل بلوغي مكاني فدخلت غرفة بداخلية ما والتمست من ساكنيها أن يحتفظوا بالوقائع القتيلة حتى ينجلي الموقف. وخرجت. ولم استدرك أحداث ما وقع بعد الندوة إلا في مستشفى الخرطوم ومشرحتها حين تواترت أنباء عن ضحايا المواجهة. ولا زال هذا المحضر يلوح لي كلما عدت بذاكرتي إلى ذلك اليوم. فهو الأثر المكتوب من ندوة تحدث فيها الرصاص فصرع الحضور وأدماهم.
ولكن يبدو أن مزاج داخليات الجيش (البركس)، التي انعقدت الندوة في حوزتها، كان خلاف مزاجنا نحن ساكني داخليات الطلاب النهائيين. وكنت أسكن النيل الأبيض التي هي كلية القانون الآن. وقد علمت لاحقاً أن جماعة من طلاب البركس كانوا بالفعل يعدون العدة لمواجهة البوليس. فلربما ساءهم تفرقهم عن سكات في ندوة سلفت بتاريخ 10-10-1964. ولابد أن اعتقال اللجنة التنفيذية للاتحاد في 15-10 قد قوى عزائمهم في الرد على الحكومة صاعاً بصاعين. فقد كوموا طوباً ونفايا بناء لرد عدوان البوليس. وقد سبق القول إن الطلاب كادوا اتهام اللجنة التنفيذية بالتقاعس دون الرد على اعتقال لجنتهم في ما ذكرنا من تمرد معروف للباشمهندس عمر صديق. فخطب في الطلاب بغير ما كلفته اللجنة التنفيذية به لما رأى حماستهم لمواجهة النظام.
وفي كلمات أخرى أعرض لشهادات عن رفاقنا في الجبهة الديمقراطية الذين “حرروا” ندوة عارضوها وفدوها بالدم المراق واثخان الجراح.

[email][email protected][/email]

تعليق واحد

  1. السيد المرشح الرئاسي السابق
    تحياتي
    شايفك واقع تاريخ بس وجماعتك الجدد محتار بيهم الدليل من روسيا امريكا قد دنا عذابها … ومالي يا نفسي اراكي تكرهين الجنة الى محاولات حثيثة من اجل ولو نظرة رضا…. يا اخي ديل عملوا المستحيل لارضاء امريكا (مجرد ارضاء فقط) وهسي زعلانين ولأنوا عندم مرض العاطفة الحادة قبلوا على الدب الروسي ههههه على اساس انو المعسكر المقابل … ياخي ما تشرحي ليهم زمن المعسكرات ولى الى غير رجعة
    غايتوا كيزان واشباه كيزان مصيبة كبيرة

  2. السيد المرشح الرئاسي السابق
    تحياتي
    شايفك واقع تاريخ بس وجماعتك الجدد محتار بيهم الدليل من روسيا امريكا قد دنا عذابها … ومالي يا نفسي اراكي تكرهين الجنة الى محاولات حثيثة من اجل ولو نظرة رضا…. يا اخي ديل عملوا المستحيل لارضاء امريكا (مجرد ارضاء فقط) وهسي زعلانين ولأنوا عندم مرض العاطفة الحادة قبلوا على الدب الروسي ههههه على اساس انو المعسكر المقابل … ياخي ما تشرحي ليهم زمن المعسكرات ولى الى غير رجعة
    غايتوا كيزان واشباه كيزان مصيبة كبيرة

  3. “وفي كلمات أخرى أعرض لشهادات عن رفاقنا في الجبهة الديمقراطية الذين “حرروا” ندوة عارضوها وفدوها بالدم المراق واثخان الجراح.”

    وهسى مالك ياقنوط منبطح ومنفرش للكيزان؟؟؟

  4. “سأناقش ببينة في هذه المقال أن عناصر الجبهة الديمقراطية في داخليات البركس هي التي كانت رأس السهم في هذه المواجهة.”
    السؤال المؤسف هو أين تبددت تلك الشجاعة وسط إتجاهاتك الأخيرة و اللهجة المخادنة و التبريرية للإسلاميين؟

  5. “وفي كلمات أخرى أعرض لشهادات عن رفاقنا في الجبهة الديمقراطية الذين “حرروا” ندوة عارضوها وفدوها بالدم المراق واثخان الجراح.”

    وهسى مالك ياقنوط منبطح ومنفرش للكيزان؟؟؟

  6. “سأناقش ببينة في هذه المقال أن عناصر الجبهة الديمقراطية في داخليات البركس هي التي كانت رأس السهم في هذه المواجهة.”
    السؤال المؤسف هو أين تبددت تلك الشجاعة وسط إتجاهاتك الأخيرة و اللهجة المخادنة و التبريرية للإسلاميين؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..