قاسم بدري والوصاية المطلقة

دعونا قبل ان نخوض في الحادثة عينها لنجرم او نبرئ البروف ان نعود قليلا الى العرف التربوي المعين الذي يسود في كل بيت سوداني. فالبيت وبإعتباره النواة الاساسية التي يتكون منها المجتمع هو الذي يشكل النسبة العظمى مما نحن عليه الان ايجابا وسلباً.

لفترة طويلة عشنا بمفاهيم محددة ومنمطة لفكرة الابوة والحق الابوي في البيت . فالحق المطلق الذي يمارسه الاب او المربي في البيت يخضع له كافة اهل البيت بإذعان مريح تحببا في هذا الوالد دون توجيه اي نقد او لوم له في الطريقة التي يعامل بها ابناءه او اهل بيته والذي قد يفسر بانه نوع من الديكتاتوريه خصوصا في مايلي تبني الابناء لخياراتهم. المستقبلية . وهذا الولاء المطلق نادرا ما يترك اثراً سالباً على علاقة الاب مع بنيه بقدر ما يؤثر في سايكلوجية الابناء في التعامل مع محيطها والتعامل مع مقدراتها الشخصية .

فهو يولد نمطين من الوجدانيات ، أما ان ينتج شخص منبهر بأبوة أبيه فالبتالي يأخذ تقليد هذه الهيمنة كنوع من اكتمال الذكورة واحساس الكمال . حيث تكون المشاعر والاحاسيس على اطلاقها ومضخمه بشكل مخيف .لهذا تأتي الممارسات صارخة وغير منطقية عندما يبدأ بممارسة هذا الحق في محيط بيته وتجده نصب نفسه سيدا على اخوته وامه يري ان خدمته واجبة من الجميع وكلمته نافذة لا مرد لها حقوقه مستحقة وواجباته مضيعة . لتنتقل الممارسات للخارج وهكذا يصبح هذا هو نمط حياته ويكتسب الوطن (ديكتاتور ) جديد.

أما الوجدان الاخر فهو الوجدان المطمئن الذي استكان لفكرة الوصاية الابوية المطلقة ورضخ لها بشكل كبير فانتج لنا شخصية مهزوزة لا تستطيع ان تتدبر امرها في ابسط الامور لهذا تتلمس الوصاية عليها من الغير . مستكينة سهلة القياد مضيعة لحقوقها بكل رضى بل كثيرا ماتجدها تدافع عن من استبد بها او مايعرف بعقدة ( ستكهولم).

هذين النمطين من الشخصيات هي مايفسر كثيرا حالنا في هذه المرحلة التي نمر بها في الوطن ، فما بين دكتاتور يرى ان من حقه ان يمارس علينا كافة انواع الاضطهاد وبين مستكين له يعتقد ان واجبه الاذعان لهذه الديكتاتورية . وقس على هذا ، على جميع الاصعدة ستجد التجربة ماثلة في كافة مناحي الحياة السودانية .

بظنكم!! ماهو الفاصل المنطقي الذي يجب ان يتوقف عنده صاحب الوصاية ؟ وكيف يعرف من مورست عليه وصاية حقوقه ويطالب بها بكل جرأة وشجاعة ؟
وإن كانت الاجوبة لهذين السؤالين في غاية السهولة والبساطة ولكنه امر بالغ التعقيد في ظل مجتمع تربى تحت وصايا نصوص مكذوبة او اخرى فسرت في غير سياقها دفعت المفهموم المطلق لفكرة الوصاية في اتجاه برر للظالم ظلمه وخوف المظلوم من المطالبة بحقوقه او التطرق لها حتى ، فخضع لهذا المنطق بكل استكانة وطمأنينة.

كنا نفهم ان تطوير الغرب لمفاهيم ساهمت في وضع قوانين تحمى الابن من ابيه في حال التعدي الجسدي كنوع من التدخل في الحرية الشخصية لهذا الوالد ومغالطته في الطريقة التي يربى بها ابناءه . فمن غير المعقول حسب تربيتنا ان يصد الاب عن بنيه فغاية الاب سامية لا محال ومتروك له تقييم الوسيلة التي يراها هو فقط صالحة . واكيد نحن مخطئون اذ اختزلنا هذه القضية في هذا الاطار فقط فالنظرة اعمق من ذلك بكثير فبناء المجتمع الذي اساسه الفرد يبتدئ من هذا الوالد الذي يضطلع بمسؤولياته بكل جدية فدوره بناء الثقة في هذا الولد وافهامه ان اداء واجباته وحفظ حقوقه والمطالبة بها حيث استدعى الامر هو اساس البناء الانساني القويم الذي يعمل بشكل مباشر في بناء الامم والدول ، عليه يجب ان يسود البيت جو من التفاهم يمارس فيه الكل حياتهم بشكل تتاح في الحريات لاتخاذ بعض القرارات الخاصة بكل فرد وتبني وتشجيع هذه القرارات حتى يفهم الطفل انه شخص مؤثر في من حوله لينتقل تأثيره هذا الى مجتمعه والبلد ككل ، ومتى ما تعدى الوالد هذا النسق الى ماسواه من عنف جسدي او لفظي سيتدخل القانون بما يكفل لهذا الطفل حمايته حتى من اقرب الناس اليه .

وما بين الغاية ووسيلتها تضيع مفاهيم تربوية عظيمة تحتاجها مجتمعاتنا لاعادة صياغة نفسها بالشكل الصحيح . فهذا المطلق في الوصاية الابوية والتي برر بها الكثير من بنات قاسم بدري فعلته (بابا قاسم) هو عينه ما يربك اتزاننا الانساني . فقد تماهينا مع فكرة (الوصي المطلق ) بشكل كبير للدرجة التي اصبح فيها التنازل عن الحقوق ليس كافيا بل ذهبنا ابعد من ذلك وهتفنا للظلمة والطغاة وبررنا لهم اجحافهم في حقنا بكل اريحية وطيب نفس ليستمرأوا اذلالنا وتحقيرنا .

لا نستطيع ان نفهم تبرير قاسم بدري لتصرفه الا على ذات السياق فهو يستهجب انتقاده ويبرر لذلك بالنصوص القرآنية التي فسرها على هواه والارث المجتمعي الذي لا يلوم الاب في تقديره مصلحة ابناءه وممارسة هذه الابوة بالطريقة التي يراها هو صائبة .

عليه لا يمكن ان نلوم البدري وحده في هذه القضية فالمنظومة واحدة ومتكاملة تبدأ من البيت للمجتمع للتعليم للسياسة لنصوص مكذوبة ونصوص فهمت في غير سياقها . لانسان يذعن للظلم ويستلذ به واخر يرى ان من حقه ممارسة الظلم على غيره بكل طيب خاطر .

حيدر الشيخ هلال
[email][email protected][/email]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق