يوم إنتحار عزرائيل

بهكذا عبارة وصف الروائي الجنوب سوداني الجميل (آرثر قابريال ياك) حالة الفوضى و العبث و اللاقيمة التي ضربت أوصال دولة جنوب السودان الوليدة و التي غدت بعد ذلك عليلة و غير قادرة على الحراك و مازالت أسيرة غرف الإنعاش (عل الاسلاف) يرسلون لها من يعطيها قبلة الحياة
و حدث كل ذلك جراء سياسة المحاباة و النظرة الأحادية المضخمة للذات الظالمة و الهاضمة للحقوق التي جعلت الناس يلجأون إلى خيار الحرب الأهلية كأداة لاسترداد الحقوق .
و بإتساق سردي و ترابط جميل و صف لنا حالة المجتمع عندما يعيش حالة اللاقيمة و يتبنى ثقافة العدم و ينتهج أفراده فلسفة ألعبث و وصف لنا كيف تبدأ الأشياء في التداعي عندما تصبح الحرب هي حرب الجميع ضد الجميع.
هكذا إذن تموت القيم و تشيع المبادئ إلى مثواها الأخير و هكذا اذن تصادر الحقوق و تغتصب الكرامات حتى في أكثر الأماكن قداسة بالنسبة لأفراد ذلك المجتمع المتداعية قيمه.
لتندثر بعدها الأشياء و يصيبها الانحلال و الاختلال و تفتقد معها الأماكن خصائصها المميزة لها فلا قداسة بعد ذلك و لا مبادئ و لا نظام و لا قيمة و كذلك لا حياة.
هكذا و لوهلة يتمرد الإنسان على النواميس و القواميس و يسخر من أكثر مناهج العلم علمية و يجعل بعدها لا حرصه أشد بيانا من الحرص و يساعد إرادة العدم لتغتال إرادة الحياة عمدا و هو ينظر لا و بل لا يحرك ساكنا.
ففي هذه الرواية يورد لنا (آرثر قابريال ياك) كولونيل فرانكو (عزرائيل) الذي يقتل أبناء جلدته من البشر و يجرهم نحو المذابح كما الخراف و ذلك نزولا عند أوامر مرؤوسيه في الجيش و ينفذ عزرائيل هذه الاوامر على انها واجباته الوطنية و في لحظة ما يدرك عزرائيل انه لم يكن يفعل الصواب فيقرر الانتحار.
مما يعكس حقيقة خطيرة عن سيكولوجية الإنسان عندما يبدأ في الانحدار و ينطلق من منصة اللاقيمة ليدافع عن مبادئ الخطأ.
و إذا اصبح هكذا حال هو حال جميع أفراد المجتمع يسقط بعدها الكل في بئر البهيمية المتأخرة و التي سوف تستعصى على العلاج إلا بعد حين.
و ما أريد قوله هنا هو أن هنالك و على هذه الأرض الظالم أهلها من ظلوا يعيشون هذا الشعور منذ أمد بعيد و ظلت تتنامى فيهم احاسيس الظلم و سرت في جيناتهم اشاعير لا قيمة المواطنة و التي لم تجلب لهم الحقوق و كفروا بالقوانين التي تبدو لهم و كأنها صيغت فقط من أجل أن تشرعن قبضة المستبدين و الطغاة.
و لكن الآن و بعد إجازة ميزانية التجويع و الامتلاق سوف تتسارع وتيرة الأحداث و قريبا لن يجد الجميع قوت يومه إلا أولئك المسبحين بإسم السلطان وحمده أو أولئك الباحثين عن سبل العيش و لو بإمتصاص الدماء.
و قريبا و بحسب مجريات الأمور و بناء على معطيات الواقع المنبنية على اساس حقيقة تمركز الجاه حول مجموعة ترى في نفسها مالكة الأرض و تتعامل مع الدولة على أنها كنتينها الخاص و التي طفقت تواجه كل جماعة تنادي بحقوقها المشروعة بسلاح العمالة الخارجية و التواطؤ مع مصالح الإمبريالية و المتربصين بقيم الدين و الثقافة فإن رحلة البحث عن الكلا و الماء سوف تصبح كالبحث عن المعادن النفيسة في عمق البحار الضحلة و عندما يكون هذا هكذا وقتها تصبح الحرب سجالا و يكون الصراع حربا من الجميع ضد الجميع و سوف تتفكك القيم فلا قيمة وقتها و لا مثل عليا و لا مبادئ و لا قداسة و لا عاصم يومها من الصراع من أجل البقاء و تغليب مبدأ(البقاء للاصلح).
فمنذا الذي قادر على أن يهدي هذا الاضطراب الوجداني و القلق الوجودي
و الذيين و إذا ما اصبحتا محركيين و دافعيين أساسيين للفرد فلا تستغرب إذا وجدته غائصا في عمق المستحيل باحثا عله يجد بعض الممكنات التي تكفل له سبل العيش دون مراعاة للنظم و القيم و غيرها من الشعارات البراقة و الخاطفة للالباب.
إن مسألة ايلولة الحال إلى هكذا حال لهو مسؤولية الفئة المستنيرة منذ تاريخ تشكل الدولة فلم يكن في القوم ليس رجلا رشيد بل لم يكن في القوم رجلا شجاع أو (قل) رجلا لم تتشابك مصالحه الخاصة مع مصالح جماعات معينة ألتفت حول جسد الدولة كما ثعبان الاناكوندا عندما يلتف حول فريسته فلا يتركها إلا و هي جثة هامدة فهي التي ورثت الدولة من المستعمر و لكنها بدلا ان تكون حاملة المشعل و رافعة رايات الوطنية و حافظة الحقوق تبنت هي أيضا (المنهج الإرثي) و ظلت( كقوة ارثية) تتمتع بكل سبل الراحة و العيش الكريم و ظلت تتوارثه كابر عن كابر.
جعلت سياسة التوارث هذه و مبدأ الاستئثار البعض يرون ضرورة انتظام الدروب الوعرة و الكفاح و النضال من أجل البقاء الذي يصبح غير ممكن إذا ما لم يحاربوا وحش الفاقة و الانعدام.
فواجهتهم الدولة بقوتها الترسانوية و كذلك واجهتهم لعنات القوى الارثية التي ظلت تفعل ذلك حتى و إن كان ذلك من منصة المعارضة و تعارض المصالح الشخصية.
و قادتنا مسألة العمل بمبدأ ثقافة التشبث و التمسك بالأهداف النابعة من الرغبات الأنانية و الفلسفة (الارثوية) العرجاء التي لا تؤمن بالآخرين و اختلافهم إلا كتابعين أو كدرجة أدنى إلى هاوية التفكك و انفصال الجنوب أولا و ثانيا و الآن الي حفرة العوز و الاملاق و اللاحريات و اللا سلم أو السلام القلق و اللا عدل.
و لأنه ربما لن يكون هناك ثالثا فإن الكلام يدور الآن عن سيناريوهات الهبوط الناعم و الانتقال الديمقراطي.
و إلا..فالعنف و المواجهة .
و إن تشبثوا بالرغم من المواجهة و واجهوا ذلك بقوة الدولة و القوى المؤدلجة (دعم سريع) أتوقع الخمود المؤقت و من ثم انتفاضة كبرى تتوفر بعدها إمكانية أن تسود اللاقيمة و اللا قداسة و كذلك العبث.
و يصبح بالإمكان بعد ذلك أن نردد مقولة جرت في الغابرين(أن الداخل عليها مفقود و الخارج منها مولود).
إن ميزانية التجويع و الافقار الأخيرة هي نتاج سياسات عرجاء و وعي اقصائي ظل يعتمل في جسد الدولة و شرايينها منذ زمن بعيد و عليه فإن كل الحكومات المتعاقبة على حكم الدولة مسؤلة عن هذا التضعضع و الانهيار و ذلك لأنها قد واجهت تاريخيا مشكلات الدولة أما بحلول قشرية أو بأساليب يتناسب و ايدولوجيتها و يوضح رؤيتها للآخر المختلف الباحث عن حقوقه كمتمرد و عابق و عاق خارج عن الطاعة و غير مرتكن للذل و الهوان و عليه فهو يستحق العقاب.
هل يبدو سيناريو السقوط هذا غريبا ؟
بعد اثنتان و ستون عاما أو يزيد من التدحرج نحو الهاوية يصبح السقوط امرا محتوم.
و بعد كل هذا….
هل أزف وقت اللجوء إلى الحلول الجذرية و ذلك بحشد كل المبادئ و القيم التي تكفل للكل حق الحياة و العيش الكريم؟
و أليس كذلك و من الضروري جدا تخلي البعض ثقافة الاستعلاء و معاملة الدولة ككانتون خاص أو ضيعة خاصة؟
أما آن الأوان لتتخلى القوى الإرثية عن سياسات المحاصصة و الترميز و التي تجعل البعض يزبح الذبائح عند استوزاره و ذلك بدلا عن الشعور بالضغط الناجم عن صعوبة المهمة؟
ماذا عسانا أن نفعل الآن؟
تقليل حجم الإنفاق الحكومي؟
أم إعادة دمج الوزارات و تخفيض نسبة التمثيل النيابي و التنفيذي؟
أم محاربة الفساد و محاكمة الفاسدين
الثورة ..و ما أدراك ما الثورة…. و الثورتين…في القلب تنطوي حسرة التقاضي عن حل المشكلات عند المقدرة
و عطفا على ما سبق هل تبدو لك هذه الحلول مناسبة؟
جميل….
أما أنا …….
فلا

[email][email protected][/email]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..