اسطورة المجتمع الدولى

( الى الذين لايزالون يولون وجوههم قبل اديس ) :
هل كان هناك فى يوم من الايام مايمكن ان يسمى المجتمع الدولى ، وذلك بمعنى جسم دولى محايد يقف مع الحقوق من حيث هى حقوق ؟ لااظن ان اى أحد يلم الماما عاما بتاريخ السياسة فى العالم لايتردد فى الاجابة على هذا السؤال بلا .فقد بدا استخدام هذا المفهوم بشكل واسع بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وتكوين هيئة الامم المتحدة ، التى كانت تعكس حالة التفاؤل التى عمت العالم بعد نهاية النازية والفاشية وظهور شعارات الديموقراطية وحقوق الانسان ومع بدء استقلال الدول المستعمرة .
غير ان الهيكل التنظيمى للامم المتحدة نفسه كان يعكس شيئا لاعلاقة له بتلك الشعارات : مجلس أمن تسيطر عليه الدول المنتصرة فى الحرب وجمعية عمومية لاتفعل اكثر من التصويت الذى قد يعكس رأى أغلبية دول العالم ولكن بدون فعالية . ومع ذلك فان اصحاب الحقوق من الدول الصغيرة كانت ، فى مرحلة وجود القطبين الرأسمالى والاشتراكى، تستفيد من التوازن بينهما وتحصل على بعض الحقوق ، خصوصا بعد تكون كتلة عدم الانحياز . ولكن بعد انهيار المعسكر الاشتراكى وتحول مابقى منه الى دول تشير يسارا وتتجه يمينا (!) انتهى زمن القطبين ، واصبحت الدول العظمى تتقاتل على مناطق النفوذ : وهذا هو المبدأ الذى يسود العلاقات الدولية فى الوقت الحاضر . ولكن التحولات التى حدثت فى اوزان الدول الكبرى جعلت الحابل يختلط بالنابل .
فبينما جلس المستعمران البريطانى والفرنسى، اللذان لم يكن لهما ثالث بعد الحرب العالمية الاولى ونهاية الخلافة العثمانية ، ليقتسما ما ورثاه من العثمانية ، فان ما يحدث اليوم هو توزيع جديد لنفس المنطقة تقريبا ولكن فى صمت وبطريقة غض الطرف من هذا الطرف عما يفعله الطرف الآخر ، أو أنتهاز فرصة معينة بانشغال طرف بقضية ما والحصول على قضمة ما فى مكان ما . والمثال على ذلك هو انتهاز الولايات المتحدة فرصة انشغال الروس يما يحدث فى كامل المعسكر الاشتراكى لتعيث فسادا فى المنطقة كانت نتيجته ما حدث فى العراق وسوريا وليبيا .. الخ ، ولكن الوضع الآن فى هذه المنطقة يدل على ان الروس ايضا استطاعوا انتهاز فرصة التحولات التى حدثت فى السياسة الخارجية الامريكية ابان فترة اوباما ليأسسوا موقع قدم ، وربما قدمين ، فى نفس المنطقة ، مع بعض المحاولات الخجولة من الولايات المتحدة لاستعادة بعض النفوذ فيها .
النتيجة المهمة من كل هذا ، هو التدليل على ان قضية المجتمع المسمى الدولى هى ،على احسن الفروض ، محاولة تقاسم مناطق النفوذ فى العالم ، مع تفادى الاحتكاك المباشر بقدر الامكان ، ولا علاقة لها بالحقوق للدول او لانسان تلك الدول الممثلة فى الجمعية العمومية للامم المسماة ” متحدة “. ولو نظر الانسان الى ما يحدث فى انحاء الدنيا شرقا وغربا وشمالا وجنوبا لوجد الكثير من الامثلة الدالة على ما ذهبت اليه فى شان المجتمع ” الدولى “.
الهدف من كل هذا الحديث المعروف والذى لاجديد فيه غير تجميع لاحاديث ماضية عن نفس الموضوع ، فى اطار الحديث عن القضية السودانية التى طالت واستطالت ولعب فيها المجتمع الدولى، ولايزال يلعب ، دورا كبيرا وهاما فى هذا الطول وتلك الاستطالة . وكنا نفهم الى حدما الجهود التى تقوم بها بعض أطراف المعارضة مع ما يسمى بالمجتمع الاقليمى والدولى ، وذلك عندما كان الشارع ساكنا ، ولكنا لانفهم هذا الآن وقد اتجه الشعب بكلياته الى جهد لن تكون نهايته غير نهاية هذا النظام . وذلك ايضا بعد ان عرفت جموع الشعب انه لم يعد لدى هذا النظام مايقدمه ، حتى فى مجال التدمير ، وان أى تحسن فى الوضع العام للبلد لن يحدث قبل ذهابه الى مزبلة التاريخ . ولذلك فان مايأمله البعض من دور للمجتمع الدولى وتابعه الاقليمى ، لن يؤدى الا الى تغبيش وعى الشعب وتأخير وصول الثورة الى محطتها الاخيرة .
ولمزيد من توضيح الدور السلبى لذلك المجتمع وتابعه ، اليكم آخر مايفعلانه :
– بينما تقول اخبار دارفور انه لايمر يوم دون ان يموت العشرات برصاص الجماعات التابعة للنظام بشكل رسمى او بالتغاضى ? آخرهم طفل فى الثانية عشر وصاحب مطعم اجهضت زوجته من الضرب وعندما ذهب ليسال عنها قتل ورميت جثته أمام المطعم الذى يمتلكه ، ودون عشرات الاغتصابات ، بتشجيع من راس الدولة ، حسب اعتراف الترابى عليه . فى هذا الوقت يجتمع مجلس الامن ليكافئ النظام نتيجة تحسن الوضع على الارض ! أرض اليس ؟!
– اللجنة رفيعة المستوى تدعو البعض ويذهب اليها البعض الاخر دون دعوة لمناقشة سلام المنطقتين ، بينما يموت سكانهما من الجوع والرصاص وغيره .
مايعرفه ذلك البعض عن هذين المجتمعين من خلال عشرات اللقاءات السابقة دون تقدم لشبر واحد ، أكثر كتيرا مما ذكرنا ، ومع ذلك يصرون على الأمل ، فهل هؤلاء مع الثورة أم ضدها ؟!!!

[email][email protected][/email]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..