اقتصاد البصيرة أم حمد

مقدمة لابد منها :
كلنا يعلم قصة البصيرة التى حلت مشكلة دخول راس العجل فى الجرة بقطع راس العجل ثم كسرالجرة ، وهو حل ، بالرغم من تعسفه ، الاانه كان يعبر عن سذاجة البصيرة وليس على سوء نواياها ! أما فى حالة اقتصاد الجماعة ، فقد فعل به مافعل عن قصد وترصد وعلم بالنتائج المرجوة . لذلك ظللت فى أغلب مقالاتى لا اتعب نفسى وقرائى بمحاولة تحليل وتفسير مايحدث ، ذلك لأن مايحدث لاتكون له علاقة بالاسس المتعارف عليها فى دنيا الاقتصاد ، فهو اقتصاد “اسلامى “له اسس لايعلمها الا الراسخون فى علم التمكين . المثال على هذا الموقف الذى اصر عليه ، هو ماذهبت اليه من ان الميزانية المقدمة من اللواء وزير المالية ليست الا عملية حسابية للدخل والصرف بحيث نصل الى عجز صغير او فائض. ولأنه فى الحالتين ليس هناك أهداف اقتصادية وتنموية محددة ، فلن يعنى العجز مهما كبر أو الفائض شيئا ذا قيمة . فى حالة الميزانيات ذات الاهداف ،قد يعنى العجز ايجابية اكثر من الفائض . فهناك مايسمى التمويل بالعجز ، الذى قد يعنى قيمة كبيرة لمستقبل الاقتصاد اذا ذهب الى تمويل مشروعات مدروسة تدر عائدا يغطى ذلك العجز ويفيض فى مدة زمنية محسوبة . ولمزيد من التوضيح فى هذا المجال دعونا نقارن بما حدث فى مصر بالنسبة لعجز الميزانية وارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه المصرى . بالنسبة للعجز فانه تزايد باالرغم من الاجراءات فى تخفيض الدعم على بعض السلع الرئيسة وازداد سعر صرف العملات الاجنبية مقالب الجنيه الى اكثر من الضعف ، لكن فى المقابل زادت الصادرات وانخفضت الواردات وزادت السياحة وبدأت الاستثمارات تتدفق على مصر، بل وبدا سعر الصرف يتناقص ولو ببطئ .
ومن ناحية أخرى فانه حتى المصطلحات الاقتصادية المعروفة قد لاتصلح للتعبير عن غرائب الاجراءات التى تتخذ من طرف اقتصاديى الانقاذ . خذ مثلا مااشار اليه بعض الاقتصاديين المحللين بصدق ، من ان الاجراءآت الاجرامية الاخيرة ، وأعنى بها طباعة كميات كبيرة من العملات السودانية ، حسب تصريحات وزير الدولة للمالية، واستخدامها فى شراء الدولار ، اشارتهم الى انها قد تؤدى الى مايعرف بالكساد التضخمى ?stagflation? ، مما لايمكن ان ينطبق على الحالة السودانية المذكورة. فهذا الكساد التضخمى قد حدث بالفعل قبل اتخاذ تلك الاجراءات نتيجة للتدهور المريع فى انتاج كل شئ بالاضافة الى الطباعة المستمرة للنقود ، وحسب الطلب ، وليس حسب الاحتياجات الحقيقية للاقتصاد وبقية العباد. وهناك من امثلة الاجراءات “الاقتصادية ” التى يتخذها اقتصاديو البصيرة الكثير مما لاعلاقة له بالاجراءات التى تتخذ فى الاقتصادات التى تتطور بشكل طبيعى وسندلل على هذا بسرد ماحدث اخيرا ونترك الحكم للقارئ .
الاجراءات ونتائجها :
– أولا : الميزانية الكارثية ، التى ادعت عدم وجود أى زيادة اعباء على المواطنين ، ثم بعد ان مرت من البرلمان جاءت قرارات مضاعفة الدولار الجمركى من ستة الى ثمانية عشر جنيها وما ادى اليه ذلك من ارتفاع اسعار السلع المستوردة وغير المستوردة وتوالى ارتفاع العملات الاجنبية مقابل الجنيه الى ان وصل الى مافوق الاربعين .
– ثانيا : تكاثرت التفسيرات عن السبب فى ذلك الارتفاع الجنونى ، وكان من اصدق ماقيل من تفسيرات هو ما صدر عن الرئيس الذى قال ان السبب يرجع الى الشراء المكثف للعملات الاجنبية وانه يعلم شخصيا بمن سحب 90 مليار من حسابه بالجنيه ، وهو ما أكده لاحقا وزير المالية الذى قال : (ان سبب ارتفاع الدولار هو اقدام الكثيرين على تحويل مدخراتهم المحلية الى عملات اجنبية بغرض المحافظة على قيمتها . )وطبعا لم يكن من الضرورى ان يقول الرئيس ولا الوزير من هم الذين فعلوا ذلك ؟!وقد أشرت فى مقالى عن الميزانية الى ان السبب الرئيس فى ارتفاع الدولار بتلك الصورة هو شراء الدولار بواسطة الذين يستعدون لترحيله ثم اللحاق به فى الخارج !
– ثالثا كان الحل العبقرى ، الذى اشار اليه كثير من المحللين ، بل وبعض المسئولين ، هو طباعة المزيد من فئات الجنيه الكبيرة بغرض شراء الدولارات المتوفرة فى السوق ثم اغلاقه باعتقال كبار تجاره ومحاربة عملية البيع والشراء . وتزامن مع هذا ايقاف السحب من الحسابات الخاصة وماكينات السحب الآلى .وذلك كله بغرض تجفيف السيولة لتنزيل سعر العملات الاجنبية من ناحية وابطال مقدرة الآخرين على شرائها . اجراء لايستطيع ابليس التفكير فيه!
هذا ماحدث خلال اقل من شهرين من محاولات الاصلاح الاقتصادى بعد حراك الشارع ضد الغلاء والحرامية ، فهل يرى أحدكم ، حتى الذى لايعلم شيئا عن الاقتصاد ، ان هذه المذكورة أعلاه اجراءات يمكن ان تصلح اقتصادا ظل نهبا للسرقة وعدم الانتاج طوال ثلاثة عقود من الزمان ؟
غيران أحد الخبراء الاقتصاديين الكبار أدلى بهذا التصريح الذى يعتبر روشتة للاصلاح لاينقصها غير التنفيذ ، وذلك بعد ان أدت الاجراءآت أعلاه الى هبوط فى سعر الدولار : ( النزول الطفيف فى اسعار العملات ليس بسبب توفر العملات الاجنبية أو الانتاج أو الصادر ، وهنا تكمن المصيبة والخطر ، ففى الايام القادمة سوف يرتد سعر الدولار بقفزة كبيرة متجاوزا حاجز الاربعين جنيها .. ولن يتوقف فى ذلك ، لأن مايحدث الآن هو توجس المستوردين من الشراء ، وتوقف الحكومة عن استيراد الادوية ومدخلات الصناعة ، ومنع عملاء البنوك من سحب أموالهم .. وهذا ينبئ بكارثة اقتصادية ) . عندما أطلعت على هذا التصريح ظننت انه من اقوال الدكتور كبلو ، عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعى ولكنى تذكرت انه لايزال معتقلا من الذين ينتظرون تحسن سلوك احزابهم، ولكنى دهشت عندما علمت انه من تعليقات عبدالرحيم حمدى !! اذن فهم يعلمون مايجب فعله لانقاذ الاقتصاد ان كان هذا هو الهدف ، غير ان الذين لايزالون يرضعون من ثدى السلطة ويأملون فى الاستمرار الى يوم الدين يصرحون ، كماهى عادة أمثالهم حتى يفارقوها مثل السيد حمدى ، بالشئ ونقيضه من غير ان يرمش لهم جفن . فبينما شهدت البنوك صفوف المواطنين وهى تفض مثل المظاهرات بواسطة الامن والآت الصرف الآلية وهى خالية من النقود ، جاءت تصريحات المسئولين التالية :
– البنك المركزى يؤكد توفر وسلامة وضع السيولة فى البلاد ، وان البنك لم يصدر أى منشور بهذا الخصوص أو توصية للبنوك .
– .. وعلى أساس ما أحدثته سياسة أمتصاص السيولة من ركود ، لم يستبعد وزير الدولة للمالية ان يوجه البنك المركزى المصارف باستئناف عمل نظام الدفع عبر الصرافات !
اليس معنى ذلك ، بالعربى ، ان البنك المركزى كان قد وجه البنوك بايقاف عمل نظام الدفع عبر الصرافات ؟!وهل بعد ذلك فائدة ترجى من محاولة تحليل هذا ” البزرميط ” من الاجراءات “الاقتصادية ” ، أو انتظاران ينتج عنها أى نوع من الاصلاح ؟!
اذن : ما الهدف وراء هذه الاجراءات ؟
مثلها مثل الحوار الوطنى والتفاوض مع حملة السلاح وغيرهم والمفاصلة وكل التقلبات فى السياسات الداخلية والخارجية ، فان الهدف كان ويظل : كسب مزيد من الوقت لعل شيئا يحدث يعطينا مزيد من السنوات لمزيد من الكسب الجهنمى . شراء الوقت مهما تطلب . وفى الحالة الاخيرة فان الهدف قد أعلن بدون مواربة وهو : اعداد الظروف المناسبة لانتخاب الرئيس فى 2020 . جاءقوش لهذا الغرض وقد بدأ الفعل من طرفه ، ثم توالت الاجراءات فى الاتجاه نفسه :
– التغييرا الحزبية التى تمت والتى فى طريقها .
– التغييرات التنفيذية التى تعد فى المركز والولايات .
– استخدام الدولارات المشتراة بالفلوس المطبوعة تزويرا فى فك بعض الضائقات فى الادوية والبترول والدقيق فى محاولة لخداع الجماهير التى خرجت للشارع بان الاصلاح قد بدا فمزيد من الصبر !
– استخدام السيولة الكبيرة التى تبقت من الطباعة لمزيد من الاجراءات المخادعة ، مثل رفع سعر شراء القمح من المزارعين ، الذين لابد انهم يلاحظون ان القيمة الحقيقية لل750 جنيها قد اصبحت اقل من قيمة ال550 التى كانت سعرا لقنطار القمح بعد الذى فعل بقيمة الجنيه ! وربما يتبعها رفع للمرتبات ..الخ
– حسب بعض اقتصاديى البصيرة ، فان السيولة الزائدة التى يتوقعون دخولها المصارف بعد اذن البنك المركزى ، سيتم توظيفها فى المشروعات الانتاجية ! هذا مع ان الكثيرين يتوقعون ، وهو ما سيحدث نتيجة للاجراءات التى تمت ، ان تتناقص نسبة الذين يودعون فلوسهم بالبنوك لتراجع الثقة فيها . ومن ناحية أخرى لاأدرى ما الذى يجعل الاموال التى ستعود الى البنوك تستخدم هذه المرة للاغراض الانتاجية ؟
هل استخدمت مليارات البترول ومليارات الذهب ومليارات القروض فى غير تدمير ماهو منتج فضلا عن استخدامها فى مشروعات جديدة ؟!
يقول تعالى (الذين ان مكناهم فى الارض اقاموا الصلاة أتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الامور ) -41- سورة الحج ، فماذا فعل هؤلاء بعد التمكين لثلاثة عقود حسوم . وكم مرة سمعنا عن الخطط والامال ليس للسودان فحسب وانما للعالم العربى والافريقى ايضا ، واحيانا للعالم أجمع ؟!
انها ليست الا محاولة اخرى لكسب الوقت لصالح شخص واحد يخاف التقديم للجنائية الدولية ، ويسعى المستفيدون من حوله لتجنيبه ذلك المصير لأن مصيرهم مرتبط بمصيره . وعلينا جميعا ان نقول بصوت واحد : لامزيد من الوقت ، أو كما يقول الخواجات من حكام لعبة كرة السلة ” Time out ” !! والحمد لله ان أجمعت المعارضة فى لقائها بدار حزب الامة 26 فبراير الحالى على رفض محاولات الخداع بمزيد من الوعود واحلال احمد مكان محمد احمد ، ولله عاقبة الامور .

[email][email protected][/email]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..