الشعبي حقيبة سفر

(1) الحياة السياسية السودانية أصبحت رتيبة ، أحداثها تكاد تكون علي نمط واحد من التأنق الممل ، و لعل ما نشاهده من مشاهد ينطبق عليه وصف مسرح الرجل الواحد بكل تأكيد ، لم يشهد المسرح السياسي السوداني منذ رحيل الأموات الشيخ الترابي و الأستاذ نقد ، وصمت الأحياء السيد الصادق المهدي والسيد محمد عثمان الميرغني أي بصمات تدل علي حيوية هذا الجسد المسجى المسمي بالقوي السياسية ، عدا بعض المظاهر والمشاكسات من قوي سياسة أقل تاثيراً وشعبية ترتفع أعناقها لتقول أنها ما زالت علي قيد الحياة .

(2) صعود رجل في قامة الدكتور علي الحاج الي سدة القيادة في أكثر الأحزاب السودانية حيوية ونشاط المؤتمر الشعبي أعطي إشارات الي ان المسرح السياسي موعود بحراك كبير ، لكن للأسف لم يتأثر المسرح كثيراً ذات ملامح الجمود والركود الذي أصبح سمة مائزة للمشهد السوداني .

(3) لعل سنوات العمر الطويل الذي مضي والصحة المعتلة والملعب السياسي الممتلئ بإشارات المرور الحمراء في كل زواياه ، لم يساعد الدكتور علي الحاج في تقديم عطاء كان مطلوباً من رجل أدهش الناس لأزمان طويلة بقدراته البارعة في تقديم الحلول الإبداعية والخروج من الأنفاق المظلمة بأيسر الطرق المأمونة وأقل الخسائر ، الخلاصة ان متعهد المشاريع الكبرى في السياسة السودانية لم نري منه حتي اليوم أي عطاء إبداعي .

(4) قد يعتقد البعض ان الأشهر القليلة التي تولي فيها الدكتور علي الحاج أمانة الشعبي ليست كافية للحكم عليه وهذا صحيح فما يزال هناك شوط ثاني مارثوني يخطو الرجل للدخول فيه من بعد استراحة طويلة في المانيا أوشكت علي الانتهاء ، و لا شك أن استراحة ما بين الشوطين كانت فرصة مناسبة للتأمل والتدبر في حال المسرح السياسي واستعادة اللياقة السياسية والثقة في الذات ابتدراً لمعارك طويلة قادمة ، وتقديم إجابات واضحة لأسئلة صعبة ليست لها إجابة حتي اليوم ، وقف الكل حيالها في حالة من الصمت الخجول .

(5) أول الاسئلة الصعبة ولا شك ان إجابتها لا تحتاج الي كثير عناء ومشقة علي طاولة الدكتور علي الحاج ، الأوضاع التنظيمية الداخلية للشعبي ، حالة الغياب القسري للأمين العام كشفت عن قصور في أداء الحزب يستدعي تدخلاً جراحياً علي مستوي الأشخاص وعلي مستوي طريقة الإدارة والتنظيم ، لا يعقل ان يرتهن حزب بقامة الشعبي في حقيبة سفر ، هذه الحالة لم تكن مألوفة حتي في حياة الشيخ الترابي عند دخوله السجون ، كان بالحزب قامات كبري تعرف كيف تدير الأشياء بوضوح وعلي هدي من رؤية موضوعية ، الشعبي افتقد هذه الثقة عند قياداته الحالية وافتقد الرؤية كذلك التي تدعم الثقة ، عودة الثقة تقتضي ان يستعيد الشعبي حيويته ويتمثل ذلك في البحث عن وجوه جديدة تملك القدرة علي توليد الأفكار و لا تنتظر التعليمات .

(6) ثاني الأسئلة علي طاولة الدكتور علي الحاج وهي أشد تعقيداً من الأولي ، يلاحظ المتابع للمشهد السياسي اختفاء مريب في الشهور التي مضت للمشروع الأكبر للشعبي من ساحات الفعل ، لم يعد أحد يتحدث عن الحوار الوطني في صفوف الشعبي وكأن هذا المشروع قبر مع صاحبه الشيخ الترابي ، يحتاج الدكتور علي الحاج ان يقدم إجابات واضحة في هذه المسيرة التي امتدت لأربعة سنوات ، لا شك ان الحوار الوطني دخل في بيات شتوي وصيفي طويل الامد ، لا يخرج من بياته إلا باذن كلما احتاجت اليها السلطة الحاكمة أخرجته من أضابير الأدراج ، ولذلك الإجابة المطلوبة كيف يمكن اخراج الحوار من هذا البيات طويل الامد الي ساحات الفعل الحقيقي .

(7) وبلا شك ان الإجابة علي السؤال أعلاه تفتح البواب واسعاً علي قضايا تفصيلية متعلقة بالتعديلات الدستورية في باب الحريات والتي سكت عنها الشعبي تماماً ، وكذلك أسئلة متعلقة بجدوي المشاركة فهي ليست شيكاً علي بياض ، وفي هذا المحور يجب ان لا تغيب عنا ملاحظة جادة أنه منذ انتخاب الدكتور علي الحاج تشهد ملفات الحوار الوطني ضبابية واضحة في كل مساراتها ، صحيح انه لا يتحمل ذلك وحده فهو عند الطرف الاخر المكمل لعملية الحوار يصور علي أنه كما يقول باولو كاويلو رجل يسير علي الأرض وبصحبته شيطان ، ولذلك افتقد ثقة الرجل المحوري في عملية الحوار الرئيس البشير ، و تطابقت مقولة الزعيم الانجليزي تشرشل مع هذا الواقع البائس ، لا يمكنك التفاوض مع النمر ورأسك داخل فمه .

(8) السؤال الثالث وهو أم المعارك ، قضية ترشيح الرئيس باي كيفية أصبحت هي الشغل الشاغل للمشهد السياسي ، صحيح ان هذه القضية لم تفصح عنها مؤسسات الحزب المعني بها ولم تتخذ اي خطوة عملية و بالتالي يصبح من الشطط ان تبتدر أي جهة أخري الحديث عنها ، لكن هذه القضية من الأهمية بمكان في المشهد السياسي بحيث لا يمكن السكوت عنها مطلقاً ، خاصة في ظل الحديث المتداول ان الشعبي لا يملك خياراً سوي دعم ترشيح الرئيس بمخرج سياسي حصيف بدعاوي تنفيذ مخرجات الحوار ، ولذلك الواجب علي الشعبي ان يفصح عن رؤيته في قضية التجديد للرئيس البشير ، يعلم الدكتور علي الحاح انه لم يكن حليفاً يمكن الوثوق به من الرئيس في معركته للبقاء في سدة الرئاسة ، ولكن بحسابات السياسة يعلم الرئيس أنه في حالة تخليه عن الترشيح فالقادم في كل الأحوال أسوء الخيارات التي يمكن ان يبتلي به الشعبي والمشهد السياسي السوداني .
[email][email protected][/email]

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..