كانوا يعلمون..يا إخوتي ..غنوا لهم

عندما فجع النظام شعب السودان بالميزانية الصادمة التي أبانت قمة عجزه وفشله بعد عقود ثلاثة جثم فيها على صدر الشعب الصابر ، مستنداً على رصيده القمعي .عقب تجاربه في الولوغ في دماء العزل في سبتمبر 2013 عقب ميزانية كارثية مماثلة. وعبر قراءة خاطئة لواقع المعارضة واستهانته بها بل وازدرائها. كانت للمعارضة قراءة أخرى مستندة على نفس الحيثيات. فهي تعلم إلى أي مدى يمكن للنظام أن يمضي في عنفه وقمعه لأي عمل معارض. ناهيك أن يكون العمل خروجاً إلى الشارع والتظاهر مهما كان سلمياً في شعاراته وسلوكه. ثم ما أصاب جسدها طوال سني النظام جراء حجره لحرية العمل في الأحزاب مهما كانت تحمل شهادة تسجيل تشرعنها في وجه النظام. في ظل هذا الواقع ، كانت خيارات محصورة في اثنتين لا ثالث لهما. إما السكوت على الكارثة ، أو اتباع كل الوسائل السلمية التي تتيحها كل المواثيق الدولية بما في ذلك التظاهر.
لذلك لم يغب عن ذهن قادتها وقادة أحزابها وهي تقرر الخروج إلى الشارع، ليس سلوك النظام تجاهها فقط .بل وحتى سلوك الشعب المغلوب على أمره. في التعامل السلبي مع خيارات الخروج وتداعياته على هذه القوى.رغم غليان المراجل في الصدور. وقد تجلى ذلك في اختيار الغالبية ممارسة حياتهم العادية. ففي الوقت الذي كان المتظاهرون يسيرون بهتافاتهم نحو مناطق التجمع. كانت السيارات الخاصة وحافلات النقل ووسائل الترحيل الأخرى ملأى بالعائدين بعد يوم العمل إلى منازلهم.وهم يحملون كل هموم الزيادات، دون أن تحدثهم نفوسهم بالمشاركة في إزاحة الكابوس. بل وانخرطوا فيما تعودوه ورسخه النظام في الأحاديث الممجوجة عن البديل ، وعن قوة النظام وقمعه. وان هؤلاء لن يقدر عليهم إلا رب العالمين، كأنما سبحانه وتعالى علواً كبيرا، مقاول لدى الشعب لينجز له ما لم يعمل له.
في ظل هذا الواقع، كان القرار. أن الكثير قد يكونون ضحايا. إما بالقتل أو الضرب والسحل والسجن دون أدنى اعتبار لعامل السن رجالاً كانوا أو نساءا..فتيات كن ام صبية.لكن يجب أن تصل الرسالة لعامة الشعب وليس النظام. أن حل مشكلة البلاد يكمن في إزالة النظام.وأن السكوت ثمنه باهظ وليس كما يدعي النظام كل مرة، تحملاً من اجل الإصلاح التي اثبتت التجارب أن علاقته بالنظام كما وعلاقة الحراز بالمطر.
فكان قرار الخروج . وكانت الأثمان التي دفعها المعارضون قادة كانوا أو قواعد.لقد استخدم النظام كل لؤمه وزج بالجميع في السجون. وحاول التفريق بين مكونات قوى الاجماع التي تبنت خيار التظاهر ، بإطلاق سراح قيادة ونشطاء حزب الأمة، وأخذ البقية ..ويا لخزيه ،رهائن حتى يتحسن (سلوك أحزابهم) كما تطوع رئيس جهاز أمنه بالتوضيح.في هذا الإطار ، تمنيت لو رفع المعارضون القبعات لقوى نداء السودان، في اختيارهم لرئيس حزب الأمة وإمام الأنصار رئيساً لمجلسها السيادي ، بوصفها صفعة في وجه النظام مهما اختلفت الآراء حول السيد المهدي وغيره.
لقد كان القيادي بالحزب الشيوعي صديق يوسف، صادقاُ عندما قال بعد إطلاق سراحه بأنهم معروفون. لكن هنالك معتقلون لا يعرفهم الجميع.فلك ان تتخيل أن قوى الأمن في خطة اعتقال أي كادر قديم في الحزب الشيوعي على سبيل المثال. تابع الباشمهندس مصطفى عبده الذي يكتب أحياناً في الراكوبة وسودانايل عن قضايا ترسيم الحدود مع مصر وفق تخصصه في المساحة ،وعمله رئساً لقسم الطبوغرافيا قبل تشريده. تابعه حتى موقف شمبات وهو يسير راجلاً من ميدان الشعبية بعد المشاركة في التظاهر. ليستفسر من حاول اعتقاله منتهراً إياهم عن صفتهم. فاضطروا للإتصال برئيسهم الذي خاطبه عبر جوالهم( أركب يا عم مصطفى) !!!؟ فيقبع مع الكثيرين من أمثاله رهن الاعتقال في الظروف التي أوضحها صديق يوسف. مهما كانت الصفة عما أو خالاً أو خالة في عقدهم الثامن.
سادتي وسيداتي.. الخطيب والدقير ومحمد الحافظ وود قلبا ومصطفة عبده، والعشرات من امثالهم. كانوا يعلمون ما سينالهم من النظام . لكنهم ما استكانوا..واختاروا أن يكونوا رسل وعي للشعب السوداني عبر تضحياتهم. فحيوهم ..وغنوا لهم يا إخوتي..فلتحي ذكرى الثائرين. ولكن لا تكتفوا بالغناء..فهو اضعف الإيمان. وانشروا الوعي الذي أرادوه في وسط المترددين. والذين ينحصر همهم في كيس الخبز ورطل السكر..مهما نازعه لصوص النظام عليهما..ليعود بشعور الغانم إلى داره ، مهما كابد في توفيرهما.



