مقالات سياسية

متى تدرك الحكومة؟

لا شك أنّ أهم أسباب تُجارة تعاطي المخدرات في أغلب دول العالم الثالث هو الفقر وسُوء الظروف الاقتصادية والسِّياسيّة وعبث الحكومات بكرامة الشعوب، والسُّودان لم تنتشر فيه المُخدّرات إلّا لهذه الأسباب، خَاصّةً في العقديْن الأخيريْن، وبالأخص آخر خمس سنوات، ولذلك علاجها بالرّدع لا يُفيد، ولا أعتقد أنّ هناك أحداً وَجَدَ عملاً يُوفِّر له حياة كريمة واختار تجارة المُخدّرات، ولا وجد الشباب ما يملأ فراغهم ويُساعدهم على تطوير أنفسهم فتركوه وانشغلوا بتعاطي المخدرات، ولا أظن أنّهم جميعاً تُجّار ومتعاطون لا يعرفون خطورة تجارة أو تعاطي المخدرات ولكن الذي جبرهم على المُر هو الأمرّ منه، ولا شك أنّهم جميعاً يتمنّون أن يأتي اليوم الذي يَجدون فيه ما يبعدهم عنها، ولكنهم يا حسرة تحت رعاية حكومة تقتل الأمنيات جهراً.

في لقاء رئيس اللجنة القومية لمكافحة المخدرات د. الجزولي دفع الله بوزيرة الدولة بوزارة الصحة د. فردوس عبد الحميد، طالبت وزارة الصحة الاتحادية بتضافر الجُهُود الرامية إلى مكافحة المخدرات ونشر الثقافة المُوضّحة للمَخاطر الصحيّة التي يتعرّض إليها متعاطو المُخدّرات، وضرورة التنسيق مع الجهات ذات الصلة كَافّة للحد من انتشار المخدرات وتوفير الحماية الآمنة وتوعية المُجتمع بحجم المَخاطر المصاحبة لتعاطي المخدرات من خلال برامج التدريب وخلق شراكات فاعلة، وإعداد البحوث والدراسات العلميّة وسَن التشريعات والقوانين التي من شأنها أن تُحسِّن من شكل الأداء في مجال مكافحة المخدرات، بجانب دراسة الأسباب التي تدفع البعض لتعاطي المخدرات خاصةً وسط الطلاب والشباب، وأنّ وزارتها ستُساهم في دعم اللجنة وتوفير المعينات التي تسهم بفاعلية.

أعتقد أنّ الدراسات مُتوفِّرة والمُواطنين متفهمين وواعين جداً بإضرار المخدرات فقط هم يحتاجون إلى عمل مُختلف تماماً لما تقوم به اللجنة وتتحدّث عنه الوزارة، فهذا عمل ثانوي، المُفيد فعلاً هو العمل الاقتصادي ومُحاربة الفقر والعَطَالة ودوافع تجارة وتعاطي المخدرات مثلما فعلت دولٌ كثيرةٌ.

لقد استطاعت باكستان من خلال برنامج التنمية البديلة الذي استغرق خمسة عشر عاماً من القضاء شبه التام على إنتاج الخشخاش، بعد أن كانت أحد أهم الدول المُنتجة له، ولم تعد تايلاند مُنتجة للأفيون، وتمكّنت بيرو من خفض إنتاج الكوكا بنسبة 50% في سبع سنوات بعد أن كانت الأولى، أمّا دولة بوليفيا فقد أقامت مشروعاً باسم خط الكرامة فتمكّنت من تقليص الأراضي المزروعة بالكوكا إلى 78%، ونجحت جمهورية لاوس ? وهي ثالث أكبر مُنتج للأفيون في العالم ? في تخفيض المساحات المزروعة بنسبة 90%، وتمكّنت لبنان من القضاء بالكامل على زراعة خشخاش الأفيون في وادي البقاع، ونجحت تركيا في القضاء على إنتاج الأفيون خلال عقد التسعينيات وحل محله إنتاج قش الخشخاش لاستخدامه في صناعة الأدوية، مثل هذه المشاريع التي توقف الدافع لتجارة المخدرات هي التي تقلل انتشار المخدرات، هذا إذا علمنا أن السودان يملك إمكانات يمكنها أن تؤسس عشرات المشاريع التي تقدم الحلول الجذرية، ولكن السؤال هل تملك الحكومة النية والعزم والإرادة والرغبة؟ مؤكد لا، فما دامت غير مُهتمة برعاية المواطن ورفاهيته فلا شك أن انتشار المخدرات سيزداد وكلما حاولت تحاربها بالردع كلما تفنّن المواطن في الإفلات.. فمتى تتدرك الحكومة أنّها تستخدم الأسلوب الخطأ في مُحاربة المخدرات..؟!
التيار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق