أزمة الخرطوم التاريخية مع أهلنا!

أزمة الحداثة والمدنية، أزمة التنوع العرقي والثقافي والآيديولوجي هي في الحقيقة أزمة غياب صيغة مرضية ومتفق عليها للعيش السلمي المشترك!.

لاحظت من بعض الوثائق التي تجمعت عندي هذه الأيام أن علاقة أهلي التاريخية بالخرطوم ليست على ما يرام!.
أجدادي وجداتي من الطرفين عندهم مشكلة على الدوام مع الخرطوم كمدينة وناس وثقافة. مع العلم أنهم يقيمون منذ العام 1822 وبعضهم أبعد على الضفة الشرقية من النيل مباشرة “أم أرضة وجزيرة أم أرضة” عدة كيلومترات شمال التل الصخري المسمى بجبل أولياء وحوالي 30 كيلومترا جنوب الخرطوم العاصمة.

هناك موقف ضدي دائم من الخرطوم!.

في البدء أعتبروها صناعة المستعمر التركي ورفضوا التعامل معها.. يبدو منطقي!.
لكن عندما جاءت المهدية 1885 وحولت العاصمة لأمدرمان أصبحت الخرطوم شبه خرابة وهم عندهم مشكلة أصلاً مع المهدية لشعورهم الأصيل بأنها طائفة وقبيلة مضادة لهم فرفضوا التعامل مع الخرابة القديمة والخرابة الجديدة (حسب ذلك الفهم) والخرابة الأخيرة هنا بمعني المصيبة في اللغة الشعبية “العامية”!.

وعندما جاء الإنجليز عام 1900 أعتبروها عاصمة المستعمر الجديد ورفضوا أيضاً التعامل معها كل الوقت لكن دون كثير عداء معلن تلك اللحظة التاريخية!.

وفي سنة 1956 عندما جاء الإستقلال كانت الخرطوم غريبة عليهم وأندهشوا للمباني العالية التي تحبس الهواء وصدموا بالمدنية اللعينة والنساء المتمردات ومظهرهن أشبه بالرجال و”متقرضمات” والرجال شبه مثليين يلبسون بناطلين وقمصان ضيقة محزقة ولا يحملون عكاكيز على كتوفهم ولا سكاكين في ضرعاتهم.. من أين أتى هولاء!.

ذلك والمزيد: إذ لم يستوعبوا التنوع العرقي واللوني في الخرطوم، غريب على مخيلتهم العشائرية المنسجمة في الشكل والمعنى. فأخذوا موقف من المدينة ضدي ومعادي بشدة هذه المرة كونها مجرد تجمع عبثي لناس لقطاء لا أصل ولا فصل لهم.. وذلك الموقف في الأساس مبني على رفض المدنية نفسها كمهدد محتمل للحياة المطمئنة التي ألفوها!.

كل ذلك قبل أن يأتي حين ويأتي الأحفاد ليندمجوا رويداً رويداً في المدينة والمدنية ولو ما زال هناك في الضمير شيء من “حتى”!.

تلك مجرد ملاحظة صغيرة لكن أظن يجوز تعميمها في مسافات أخرى كثيرة لذا وددت لو أشركها معكم لمزيد من التأمل في واقعنا الأعمق.. ونحن نشتغل على مشروع السودان200 نبحث في كل شيء ونفكر في كل شيء ونوثق كل شيء بمنتهى معاني الشفافية الممكنة.. إنه مشروع الوعي العلمي بالذات الجماعية والبيئة الطبيعية المحيطة بنا!.

محمد جمال الدين
[email][email protected][/email]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..