نادي الكتاب السوداني بواشنطن (10): الطيب السلاوي: “كانت لنا أيام”

الطيب السلاوي: عمر محمد الطيب كان زميلي في المدرسة، وبحيري ساعدني كثيرا
د. عثمان الحسن محمد نور: في زماننا يتقدم أكثر من ألف طالب ويقبل منهم 80 طالباً فقط
صلاح شعيب: الصحافي السلمابى بنى مدرستنا، وبسيوني كان ناظرنا، ومعلمونا شماليون
عابدين الطاهر: الكتاب وثق لحقبة من التعليم عاشها معظم الذين تلقوا التعليم في السودان
د. احمد الأمين البشير: الكتاب جعلني أتذكر سنوات مدرسة عطبرة الوسطى ودورها الوطني
د. كمال موافي: كنت “ولد الناظر?، ومع ذلك كنت “الحيطة المايلة”
———————————
واشنطن: محمد علي صالح
عقد نادى الكتاب السوداني بواشنطن حلقة شهرية أخرى. هذه المرة لمناقشة كتاب الأستاذ الطيب السلاوي عن ذكرياته في مدرسة مدني الأهلية الوسطى، في أربعينات القرن الماضي. وعنوان الكتاب: “كانت لنا أيام”.
اشترك في النقاش، الذي عقد في منزل السلاوي، في ولاية ميريلاند، مجموعة من الإخوان. وانقسم النقاش الى قسمين: تعليقات على الذكريات في الكتاب، والحدث عن ذكريات كل المشتركين من تلك مرحلة الدراسة الوسطى، أو الابتدائية.
————————————
خلفيات صدور الكتاب:
الطيب السلاوي
(وكيل سابق لوزارة التربية)
في الحقيقة، هذا كتيب، وليس كتابا. عن مدرسة مدني الأهلية الوسطى، في أربعينات القرن الماضي. حاولت أن أقدم فيه تفاصيل عن الأساتذة، والتلاميذ، والعمال، والفراشين. ووضعت في الكتاب خريطة الفصل عن مكان جلوس كل تلميذ. أكتب الآن حلقات عن سنوات مدرسة حنتوب الثانوية. ونشرت بعضها في مواقع في الإنترنت.
كانت بدايتي الدراسية في مدرسة النهر الأولية في مدني، على شاطئ النيل الأزرق. تلك المدرسة العريقة التي تأسست في بداية القرن العشرين. كانت بناءً من القش والأخشاب. ولاحقا، صارت بالطوب الأحمر. بالقرب منها كانت المدرسة الأميرية الوسطى. ثم جاءت المدرسة الأهلية الوسطى، التي التحقت بها، والتي كتبت عنها هذا الكتيب، إذ غطيت السنوات 1942 الى 1948.
يعود الفضل لكتابة السفر الى أستاذ الأجيال مصطفى محمد حسن (مصطفى أبو شرف) عندما تقابلنا في عام 1998، في ولاية فرجينيا، في منزل الأخ وليام إبراهيم خليل، وهو أحد تلاميذه. وتذكرنا سنوات مدني، والحركة الوطنية، والحركة التعليمية فيها. وتذكرنا بعض أساتذة المدرسة الأهلية الوسطى، وبعض نجوم مدني في ذلك الوقت. هكذا بدأت فكرة الكتاب بعد 50 سنة تقريبا من نهاية دراستي في مدرسة مدني الأهلية الوسطى.
أتذكر يوم أخذني والدي الى المدرسة في سنة 1942. قابلنا الطيب حبورة، ناظر القسم الغربي في المدرسة، وطلب الوالد أن أقبل بالسنة الثانية لأنى كنت قد قضيت سنة إضافية في مدرسة النهر الأولية. وافق حبورة، وقال إنها حالة استثنائية واحدة لن يكررها. لكن، كان ذلك بعد أن تدخل صالح بحيرى، مفتش تعليم مديرية النيل الأزرق، الذي جاء للمدرسة في زيارة تفقدية، وصادف لقاء والدي وناظر المدرسة.
تذكر بحيرى أن والدي كان من تلاميذه “الشطار” قبل ذلك بعشرين سنة تقريبا. وأوصى بأن أقبل على قاعدة أن “الشبل من ذاك الأسد.”
هكذا بدأت سنواتي في مدرسة مدني الأهلية الوسطى. استمر حبوره ناظرا لها حتى نهاية تلك السنوات. كان مربيا ممتازا، وكان وقورا، وهاشا باشا. درسنا الرياضيات، واللغة العربية. وكان من زملائي عمر محمد الطيب (لاحقا صار نائب الرئيس جعفر نميري). وكان من المعلمين الشيخ احمد إبراهيم سعد، والشيخ محمد أحمد حامد، والشيخ سليمان وهبي.
وكان هناك الشيخ عثمان محمد خير، والشيخ إبراهيم محمود أبو عيسى، شقيق الدكتور عبد الرحيم أبو عيسى، وهو من قادة الحركة الوطنية في مدني.
وكان ذلك دليلا على التشابك بين الحركة التعليمية والحركة الوطنية في مدني، بل ربما التصاقهما. كانت تلك سنوات تأسيس مؤتمر الخريجين، الذي لعب دورا كبيرا في الحركة الوطنية، وفي استقلال السودان. وتستمر الذكريات …”
———————————
ذكريات الطفولة والصبا:
د. عثمان الحسن محمد نور
(أستاذ جامعي وباحث في مجال قضايا السكان والتنمية)
تمثل مرحلة الطفولة والصبا من الذكريات الجميلة التي لا تنسي وتظل محفورة ومحفوظة في الوجدان، وخاصة تلك التي ترتبط بالمدرسة والمعلمين والزملاء وفضاءات اللعب والترفيه والترويح والسمر. وتشكل تلك المرحلة أيضا شخصية الإنسان وارتباطه بمجتمعه وبيئته وتشكل مرحلة الوعي.
كانت مدة الدراسة في زماننا، أي في خمسينات القرن الماضي، أربع سنوات تسبقها أربع سنوات للمرحلة الأولية، وتعقبها أربع سنوات للمرحلة الثانوية.
والجدير بالذكر أن اجتياز الطالب المرحلة الأولية والتحاقه بالمرحلة الابتدائية يعد من أصعب الأمور لمحدودية المقاعد الدراسية بالمرحلة الابتدائية. ففي منطقة الخرطوم بحري التعليمية، علي سبيل المثال كان عدد الممتحنين للالتحاق بالمرحلة الابتدائية علي زماننا، أكثر من ألف طالب، يقبل منهم 80 طالباً فقط لمدرستي بحري الأميرية بحي الدناقلة جنوب، ومدرسة الخرطوم بحرى الأهلية بحي الختمية، التي درست فيه بجانب أخي الأسد الخليفة الحسن، وعدد من أبناء مدينتنا حلفاية الملوك.
وكان يتنافس علي هاتين المدرستين طلاب المدارس الأولية بمدينة الخرطوم بحري وضواحيها بشرق النيل الي حدود مديرية كسلا، ومدارس الريف الشمالي للخرطوم بحري الذي يمتد الي حدود مديرية نهر النيل. ونسبة لمحدودية مساحة المداخلة لهذه الحلقة التي توثق للمرحلة الابتدائية، من خلال كتاب قريبي واستاذ الأجيال الطيب علي السلاوي، سوف اختصر الملاحظات في شكل نقاط لأهم محطات وذكريات تلك المرحلة الدراسية:
1-تميزت تلك المرحلة بالمناهج الدراسية المنتقاة والمعدة إعداداً جيدا من خبراء المنهج بمعهد بخت الرضا، كأكبر مؤسسة تربوية في أفريقيا والعالم العربي في ذلك الوقت. وتخضع تلك المناهج الي اختبارات مكثفة في مدارس بخت الرضا والدويم وما جاورها قبل أن تطبق في جميع المدارس السودانية.
2-بجانب المقررات الدراسية المتميزة، يشتمل البرنامج المدرسي اليومي علي حصص للفنون والمكتبة العربية والإنجليزية وحصص للجمباز.
3-وهنالك “النشاط اللاصفي” الملزم لجميع الطلاب خلال فترتي العصر والمساء، وتشمل تلك نشاط الجمعيات الأدبية، ونشاط المسرح والنشاط الرياضي بأنواعه المختلفة. وكنا نحن طلاب المناطق الريفية البعيدة ننتظر داخل مباني المدرسة حتى وقت النشاط المسائي لبعد مكان إقامتنا عن المدرسة، وكنا نستغل تلك الساعات في حل الواجبات المدرسية.
4-الجدير بالذكر أن غالبية طلاب هاتين المدرستين كانوا من أبناء الريف الشمالي والشرقي لمديرية الخرطوم، وذلك لتفوقهم في الأداء الأكاديمي علي أبناء مدينة الخرطوم بحري. وكنا نوصف من قبل زملائنا سكان مدينة الخرطوم بحرى “بعرب الحلفاية وشمبات” وغيرها من المناطق الريفية، وتعني كلمة “عرب ” من لا يسكن المناطق الحضرية، والأقل حضارة.
5-كنا نعاني كثيراً في الوصول الي المدرسة خلال موسم الخريف، حين تنقطع المواصلات تماماً لوعورة الطريق. ولحرصنا الشديد علي الحضور للمدرسة نذهب راجلين في مجموعات، لمسافة 16 كيلو متراً يومياً ذهاباً أياباً. ورغم التعب والمشقة كنا نستمتع بتلك الرحلة، ونستغل وقت رحلة الذهاب الطويلة في حفظ وتسميع القصائد والآيات القرآنية المقررة علينا. أما رحلة العودة فكانت كلها أنس وحكايات ونكات وطرائف نستعين بها في تخفيف مشقة الرحلة. وكنا نسد ضراوة الجوع خلال رحلة العودة بأكل ثمار شجر “تمر أبونا” الكثيف في المنطقة التي شيدت فيها المساكن الشعبية الحالية في ستينات القرن الماضي.
———————————
كانت هناك مساواة وتطابق:
لواء “م” عابدين الطاهر
(مدير سابق للامن الداخلى)
سعدت جدا بالمشاركة في مناقشة كتاب الأستاذ المربي الطيب علي السلاوي (كانت لنا ايام). وازدادت سعادتي بوجودي وسط نَفَر كريم، يتدفقون علما وثقافة. لقد قرأت محتوي الكتاب في عهد باكر، وقبل طباعته، بحكم الصِّلة التي تجمعني بالأستاذ الجليل وقد كلفني بطباعته.
رغم أن الكاتب قد قصد توثيق ذكرياته المتعلقة بفترة دراسته كطالب بمدرسة مدني الأهلية، إلا أنه، في الحقيقة، قد وثق لحقبة من التعليم عاشها معظم الذين تلقوا التعليم في السودان وبنفس الكيفية وهذا ما يؤكد ما كان عليه نظام التعليم في السودان، والعناية التي كانت توليها الدولة للتربية والتعليم، والمستوي المتميز الذي تعارفنا عليه.
ما يلفت الانتباه في ذلك الكتاب ما يتمتع به الأستاذ الطيب السلاوي من ذاكرة مكنته من وصف حتى مكان جلوس كل واحد من أقرانه داخل الفصل آنذاك. ثم ذكره لأسماء المعلمين، والمواد التي كانوا يدرسونها، وبعض تفاصيل تلك الدروس.
النقاش عن الكتاب في منزل الأستاذ الطيب السلاوي شمل ذكريات الذين حضروا النقاش، فيما يتعلق بمراحلهم الدراسية. ولقد تأكد فعلا التطابق في الأساليب الدراسية في كل بقاع السودان. ووحدة المناهج. وكذلك المساواة في كل متطلبات واحتياجات التعليم. وعدم التمييز بين مدارس المركز وبقية جهات السودان المختلفة. والانضباط الذي كان سائدا في كل المراحل التعليمية. وتوفر الأنشطة المصاحبة للعملية التعليمية. ومهنية المعلمين. واهتمامهم بالعملية التعليمية. رغم ضيق الفرص المتاحة، وضيق مواعين التعليم وقتها، إلا أن من نالوا حظهم كانوا يتمتعون بمستوي عال من ذلك التعليم.
أثناء النقاش، اتفق الجميع بأنه في الزمن الحالي، رغم توفر المدارس بكل مراحلها، إلا أن الناتج منها أضعف بكثر مما كان عليه الحال في الزمان الماضي.
———————————
تنقلات تعليمية
د. كمال موافي
(أستاذ سابق بكلية الزراعة بجامعة الخرطوم)
بدأت المرحلة المتوسطة في مدرسة مروى الأميرية الوسطى، بعد امتحان طويل عريض اشتركت فيه كل المدارس في منطقتي الشايقية والدناقلة. كان الوالد، في ذلك الوقت، حكيمباشى مركزى مروي ودنقلا. هذه منطقة واسعة، تمتد من مروي الى كرمة، التي كانت تسمى “كرمة النزل”، وأظنها لا تزال.
عندما بعث الوالد الى بلاد الفرنجة، بقيت في مروي. كانت الخطة أن أسكن في داخلية. لكن، لم يكن هناك مكان لي. فسكنت مع ناظر المدرسة، مصطفى أبو شرف، رحمه الله، حتى يظهر المكان.
كان هو صديق الوالد، وزوجته صديقة الوالدة. كانت سنة جميلة جدا، استمعت فيها لأني كنت “ولد الناظر.” لكن، أشعرني الناظر أنه أبو الجميع. عكس ذلك، كنت أنا “الحيطة المائلة”، إذا جاز التعبير. كنت “المتهم الأول” في كل كارثة.
وأنا في السنة الثانية، عاد الوالد من البعثة، بعد أن نال شهادة الصحة العامة. وقد تمت ترقيته ونقل نائبا لحكيمباشى صحة مديرية دارفور، في الفاشر. ونقلت الى مدرسة نيالا الأميرية الوسطى بسبب عدم وجود مدرسة مثلها في الفاشر. ف
ي سنة 1954، كنا في الأبيض في طريقنا الى دارفور عندما وقع تمرد توريت. (تمرد جنود جنوبيون هناك. وهجموا على الشماليين. وكانت تلك بداية تمرد الجنوبين الذي استمر عشرات السنين). لهذا، تأخرنا في الأبيض، وكنا في منزل الخال د. أحمد مجذوب عبدون، رحمه الله، مفتش الثروة الحيوانية في مديرية كردفان.
وتقرر أن أبقى في الأبيض. وأدرس في مدرستها الأميرية الوسطى، بعد مشاورات مع ناظرها مكاوي المرضى، رحمه الله. هكذا بقيت في منزل الخال عبدون، واعتبر عبدون في مقام والدي الثاني، لأني تمتعت برعايته الفائقة، ورعاية الفاضلة زوجته.
لحسن حظي، بعد نهاية السنة الثانية، نقل الوالد من الفاشر الى الأبيض، نائبا لحكيمباشى مديرية كردفان. فبقيت في مدرسة الأبيض. وكان لي نخبة من الأصدقاء في تلك المدرسة. منهم: المرحوم مصطفى زكى مصطفى، والأخ د. عابدين أحمد سلامة، والأخ أحمد عبد الرحيم شيخ محمد، والفنان مكي محمد السيد (مكي سنادة، كما عرف لاحقا). كان مصطفى زكى أقرب الأصدقاء لى لأننا كنا نسكن في نفس الحى. وكان والده زميل مهنة والدي. وكنا نتنقل في عربة والده. وكان عابدين مغرما بالسياسة، وإسلاميا متشددا. (لم يكن “داعشى” بلغة العصر). وكان مكي يهتم بالفن أكثر من اهتمامه بالدراسة …”
———————————————
التعدد العرقي في مناخ التعليم
صلاح شعيب
(صحافي وكاتب في واشنطن)
درست في مدرسة الفاشر الابتدائية. كانت تلك سنوات بداية النظام التعليمي الجديد الذي وضعه د. محى الدين صابر، أول وزير للتعليم في نظام نميري. ثم صار مديرا للمنظمة العربية للتعليم والعلوم والثقافة (ايسكو).
اتذكر أنى قابلته، لاحقا، في وظيفته الجديدة. وتحدثنا عن تغييره للسلم التعليمي، وسألته عن السبب، خاصة لأن كثيرا من النقد كان قد وجه للسلم التعليمي، ولصابر. وهو قال إن الهدف كان إدخال السودان في النظام التعليمي العربي. ولكن بهدف تطوير النظام التعليمي السوداني، وليس “لخبتطه”، كما اتهم.
كانت أكثرية معلمي المدرسة من العاصمة، ومن المديريات الشمالية، مثل مدرسي بقية مدارس دارفور. وكان ناظرنا، ناظر مدرسة السلمابي في المرحلة المتوسطة من مدني. وهو بسيونى.
وكان مدرسونا في الابتدائية والمتوسطة معظمهم من الشماليين، ولهذا التصقتا كثيرا بثقافة الشماليين. وكان أولاد بعض هؤلاء زملاء لنا في المدارس. بل إن الصحافي محمد أحمد السلمابي بنى مدرستنا، وهو لم يكن من دارفور.
كنا نشجع الهلال والمريخ، ونشترك في منافسات رياضية على نطاق السودان. فزاد هذا من الروح الوطنية عندنا، ومن الانتماء الى السودان الكبير. أضف الى ذلك المناهج المدرسية، مثل الجغرافيا (وأصدقاء “سبل كسب العيش في السودان”). ومنقو زمبيرى وعمك تنقو.
بل كانت الفاشر كلها ليست مدينة دارفورية فحسب، وإنما كانت تشكل كل السودان. واختلطت فيها كل الأعراق، ليس فقط اعراق الشماليين والدارفوريين، ولكن، أيضا، أعراق قبائل دارفورية مختلفة (مثل الزغاوة والفور).
كتاب الأستاذ السلاوي يمثل جوهرة وسط التوثيق لهذه المرحلة التي تعيش في وجدان كل سوداني متعلم، وغير متعلم. وقد استطاع أن يقدم للمكتبة السودانية سفر عظيما وسيظل نبراسا للأجيال القادمة والأمل أن يواصل الكتابة عن كل مراحله التعليمية بذاكرته المتقدمة، إذ هو بهذا يؤرخ للتعليم في البلاد.
————————————–
بيئة تعليمية وتأثير شيوعي
د. أحمد الأمين البشير:
(أستاذ سابق في جامعة “دى سى” في واشنطن)
الأخ السلاوي معلم مائة في المائة، وهذا الكتاب تسجيل رصين ومفصل مائة في المائة لمرحلة المدرسة الوسطى. وجعلنا نعيش معه، في تفاصيل دقيقة، ومع ذاكرة قوية، سنواته في مدرسة مدني الوسطى. وجعلنا، أيضا، نتذكر أيامنا في مدارسنا الوسطى.
لهذا، جعلني الكتاب أتذكر سنوات مدرسة عطبرة الوسطى. كان بيتنا في حى السوق، وبالقرب من مكان المولد النبوي، وصلاة العيد، وإقامة المظاهرت.
نعم، مظاهرات عطبرة، عاصمة الجديد والنار، دخلت تاريخ السودان، بل ساهمت في تحريك تاريخ السودان، خاصة أيام الحركة الوطنية والمعارك من أجل الاستقلال.
وكان هذا لحسن حظي. نشأت في بيئة سياسية متفتحة ونشطة. بيئة الحزب الشيوعي، والجبهة المعادية للاستعمار، وحزب الأشقاء. بيئة الوطنيين والتقدميين، لا بيئة اليمين، متمثلا في حزب الأمة والإخوان المسلمين. في ذلك الوقت، كانت عطبرة محمية من هؤلاء النخبة.
كان لوالدي دكان صار ملتقى الأساتذة والموظفين والمتعلمين. وكان والدي يثير النقاش أكثر بسبب انتقاده للطائفية الدينية. رغم أن خلفيته من بلاد الشايقية. وعندما يأتي ضيوف من الشايقية، ويزورونا، كانت المواجهة بين الفكر اليسارى والفكر الطائفي تصل قمتها. يتهمون والدي بالشيوعية، لكنه لم يكن شيوعيا. كان تقدميا ووطنيا مناضلا. لكن، كان هناك خلاف خفي مع والدتي الختمية، التي كادت أن تقدس السيد على الميرغني.
كنا ننتظر الصحف بشغف حتى تصلنا من الخرطوم. ومن أجل اختبار قدرتي في القراء كان والدي يقول لي: “يلا أقرا لينا الجرائد، ورينا الحاصل أيه في الخرطوم.” ف
ي تلك السن المبكرة، استمعت الى خطب عبد الخالق محجوب، وقاسم أمين، والشفيع أحمد الشيخ، وغيرهم. وكان من أساتذتي محمد سعيد معروف، وفتحي حسن المصري، وغيرهم. ومنهم من حاول إدخالي الحزب الشيوعي، ومنهم من أهداني كتاب خالد بكداش (زعيم الحزب الشيوعي السوري): “المادية الجدلية.”
====================

[email][email protected][/email]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..