محنة المواطن المسلم

مفهوم الاسلام في عقل المسلم اصبح مجرد إتباع أعمى، مع تغليظ شديد لحرمة استخدام العقل، تصل إلى حد ممارسة الإرهاب الفكري والحسي لكل من يتحسس عقله، في محاولة بائسة وبدائية لنسخ كافة آي الذكر الحكيم التي تحض على التفكر والتدبر والنظر وتجاوز مفاهيم الآباء بالمفهوم (الديالكتيتي) من ناحية أو بالمفهوم الزمني التراكمي، وبما أن التكوين العقلي لنا كمسلمين سابق لتكوين مفهوم (الوطن)، فقد وقع الجميع فريسة وصيداً سهلاً لكل ناعق سرب ولا أقول حزب.
فأحزاب اليمين وأحزاب اليسار تشترك جميعاً في مفهوم (البيعة)، كلا طرفي المعادلة لا ينتج فكراً وإنما يمتح من معين (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ).
تتراوح أحزاب اليمين من سلفية تكفيرية (تكفير المجتمع كله) مروراً بالسلفية الجهادية وصولاً إلى تيارات الإصلاح المهادن التي أصبحت تسيطر على عقول الناس في مرحلة ما قبل التكفير، لا بوحي من فكر وإنما استغلالاً للعاطفة الدينية الفطيرة القابلة للتشكل.
بينما في الجانب الآخر تتراوح أحزاب اليسار من شيوعية تنطلق من أن (الأهداف لا يمكن بلوغها وتحقيقها إلا بهدم النظام الاجتماعي التقليدي بالعنف وبالقوة) كما جاء في البيان الشيوعي، مروراً بالاشتراكيات الحديثة التي انتشرت في أوروبا (اهذه المرحلة لم نبلغها بعد).
إذن أقصى اليمين عندنا يكفِّر بالمفهوم الديني السقيم، وأقصى اليساري الشيوعي يحكم بالرجعية والامبريالية وضرورة هدم النظام الاجتماعي بالقوة.
فإذا ما أفرغنا المحتوى الفكري أو المنتوج الفكري وذهبنا رأساً إلى (بنية العقل) فسنفاجأ بأننا نتعامل معى شيء واحد مع اختلاف تجلياته وأشكاله، لذلك كلاهما ئؤمن بالعنف والقوة كوسيلة وحيدة للتغيير.
وهذا هو سبب الصدام الذي نشهده بين هذه (الأسراب) الحزبية، الناتج عن عقلية (لا تعترض فتنطرد) والتي نشأت عنها ظاهرة التشظي والانشقاقات الحزبية، فكل عضو يعترض على لائحة أو قرار أو قول يُضطر معه إلى أن يستقيل ليكوِّن حزبه الذي يمارس نفس الغباء الفكري الذي أدى به للانشقاق، وغني عن القول أن الانشقاقات الحزبية ليست حكراً على طائفة اليمين أو اليسار فكلاهما ينتمي لبنية عقل (دوغمائية)، لا تؤمن بالحوار.
تقام ندوات وتعقد مؤتمرات ويجأر كلٌ بعقيرته دون النظر لتغيير عقلية (العوام) الذين هم وقود الانتخابات، ثم يطلب منهم الخروج الى الشارع للثورة ضد الظلم، وهم لا يعلمون فيم يتحدث القوم.
فعلى كل مواطن أن ينظر في أمور دينه و وطنه معاً نظرة الباحث المتدبر لا نظرة التابع الذليل، فتكليف النظر والبحث والتدبر لا يقل عن تكليف الصلاة والزكاة والحج، والبحث عن الحلول بالتدبر في كل مسألة تناقض العقل والتفكير السليم المنطقي، بلا خوف وبلا رهبة، فأنت مكرم عند الله بالعقل لا بالاتباع.
فلا تعارض بين صحيح المنقول وصريح المعقول، وإن بدا لك أي تناقض فهذا أمر طبيعي جداً وما عليك إلا أن تعيد البحث كرة أخرى دون الشعور بالعجز، في عملية مستمرة لا تهدأ من المهد إلى اللحد وهذا هو فحوى الدين، رحلة لا تهدأ وقلق مستمر للترقي الدائم والتزكية المستمرة.
فبدون الشعور بالقلق والخروج من منطقة الراحة وأقوال الفقه البائسة الجامدة وأدبيات الأحزاب التي كتبت قبل مئين السنين فلن نصل إلى وطن.
لقد آن الأوان للمواطن أن يفكر ويتكلم وعلى الأحزاب والشيوخ أن يستمعوا لا أن يُملوا ما حفظوا من كتب الفقه الصفراء التي لم تعد صالحة وقرارات ومانفستوهات أحزاب أصبحت في محلها المتحاحف الفكرية.
وظيفة الدين هي بناء الانسان القادر على بناء الوطن، وليس العكس كما يريد أصحاب العقول النخرة الذين حولوا الدين إلى مطيِّة يقتاتون منها، وبالمقابل وظيفة الأحزاب هي بناء منظومة فكرية قادرة على بناء الانسان وتأهيله على القيام بمهمة التفكير وممارسة إرادته في الاختيار لا الاجبار.
صديق النعمة الطيب
[email][email protected][/email]



مقال رائع جدا جدا ,قصير وواضح.
مقال رائع جدا جدا ,قصير وواضح.