السودان … الذي كان

(موجه للشباب)

ليس على سبيل النوستالجيا أو حب الرجوع الى الماضى ،تفاديا لسوء الحاضر . وان كان هذا قد اصبح مرضا ومطلبا فى نفس الوقت ، حتى يستطيع الانسان ان يعيش متحملا الاخبار اليومية ، التى أصبحت أقرب الى الخيال منه للمعقول ومهما أوتى الانسان من قوى الخيال والتحمل !
أردت ان أحدث الشباب عن ماضى السودان حتى يستطيعوا على الاقل عذر الكبار، من هاجر منهم ومن انتحر أو يفكر فى الانتحار، ومن اصابه الجنون وهو انواع منه الذى لا يكون واضحا لكل من يرى . ومن ناحية أخرى ليستوعبوا مدى الخراب الذى حل بالسودان نتيجة حكم هؤلاء الذين لاندرى من أين مكان أتوا، وأن كنا قد أصبحنا نعلم من اين فكر !
اذا بدأنا بنوعية البشر الذى كان :
– كان الاغنياء يعيشون عيشة متقاربة مع غيرهم من البشر ، وذلك لان مايعرف بالفشر لم يكن موجودا ولأن الفلوس كانت تأتى لمن يبذل الجهد وليس من يبذل ماء الوجه داخليا او خارجيا . فهل تعلم مثلا ان الشيخ مصطفى ،أغنى أغنياء السودان ، الذى حتى مجئ الاتقاذ كان يمتلك اكبر مصنع لصناعة الزيوت والصابون فى منطقة الشرق الاوسط ! وانه فى العام 1989 استطاع ان يزيل الغابات الكثيفة من 250000 ( مائتين وخمسين الف فدان ) ليزرعها بزهرة الشمس فى نفس العام ! وهو ماشاهدته بنفسى عندما اشرف مكتبنا الاسشارى على زراعة 20000 (عشرين الف فدان ) لمصلحة شركة مرحب للزيوت ، هل تعلم انه بدأ اعماله من قرية تسمى الغبشة فى شرق كردفان ، حيث كان يوزع سلعه على القري المجاورة على ظهر حمار،؟ وهل تعلم ان شركة هذا الرجل كانت من أولى ضحايا الانقاذ الاقتصادية وباشراف من عراب الانقاذ شخصيا،حيث انتهى الحال بمصير شركتة للاقفال وابنه للسجن .
– وهل تعلم ان مائدة الموظف متوسط الحال والشيخ مصطفى نفسه أو السيد عبدالرحمن المهدى كانت تحتوى على نفس انواع الطعام ؟! وان ودنفاش المشهور بقفشاته الامدرمانية كان من المدعويين شبه الدائمين الى مائدة السيد عبدالرحمن ؟! ( لاحظ : مدعو وليس متطفلا !)
– وهل تعلم ، ان الانجليز تركوا لنا أفضل خدمة مدنية بمنطقة افريقيا والشرق الاوسط بدرجة انهم نصحوا الشيخ زايد ? رحمه الله ? على الاستعانة برجال من الخدمة المدنية السودانية ليساعدوا فى بناء دولة الامارات الحديثة ، وقد فعلوا بافضل مايمكن الفعل !
– وهل تعلم ، ان اغلب سكان المدن وبعض القرى الكبيرة قد كانوا ينتظرون يوم الخميس لعقد جلسات الفرفشة ، التى لاتخلو من تناول بعض مكملات الفرفشة من ال114 بار ، التى ذكرها احدهم فى الرد على الشيخ الكارورى. لكنهم جميعا كانوا ينامون وربما لم تصدر اساءة ، ولو لفظية من أحد على أحد . ثم كانوا يستيغظون للاستعداد لصلاة الجمعة ! وان تلك الفرفشات كانت تحدث على أشدها فى مناسبات الزواج والحفلات الغنائية وبنفس النتيجة المسالمة ؟!
فى مجال الحياة الاقتصادية :
– هل تعلم ان الجنيه السودانى كان يساوي أكثر من ثلاثة دولارات امريكية حتى منتصف عهد مايو تقريبا ؟!
– وهل تعلم ان مشروع الجزيرة كان يزرع من القطن طويل التيلة مايكفى احتياجات البلاد من العملات الصعبة ويفيض ؟! وان الجزيرة لم تكن تعرف شيئا اسمه العطش ؟ وانه كان لديها مصانع لحلج قطنها جميعه ؟ وان المزارع لم يكن يحتاج للاستدانة لان الادارة كانت تمده بسلفيات للعمليات الزراعية ؟ وانه الى جانب المحصول النقدى كان ينتج غذاءه ؟ وهل تعلم انه كان للمزارعين اتحاد لم يكتف بالمنافحة للحصول على مصالح المزارعين وانما تعدى ذلك لمصالح البلاد العليا ، حتى اصبح رئيسه وزيرا بعد ثورة اكتوبر ؟!
– وهل تعلم ان السودان كان مكتفيا ذاتيا من بعض السلع مثل زيوت الطعام وفى سبيله للاكتفاء من أخر مثل منتجات النسيج ؟
وفى مجال السكان وخدماتهم :
– هل تعلم انه فى السودان الموحد ن لم يكن سكان عاصمته يزيدون عن المليون ونصف حتى مجئ الطامة ؟ وان هؤلاء السكان كانوا يتمتعون بالرعاية الصحية والتعليم المجانى ؟ وان دخولهم مع بعض الاستدانة من الدكان كانت توصلهم لقبض المرتبات فى الشهر التالى من غير كثير معاناة؟ وان الافندية العاملين فى مؤسسات الدولة او القطاع الخاص ” الحقيقى وغير المصنوع ” كانوا يرسلون بعض مايتيسر من مرتباتهم لاهلهم فى الاقاليم ؟! بل ويستطيع الواحد منهم شراء قطعة ملابس جديدة له أو لاحد افراد اسرته ، وان يجامل اهله واصدقاءه فى مناسباتهم حتى اذا استدعى الامر السفر البعيد ؟!هذا بالاضافة الى احتياجات الخميس !
– وهل تعلم ان من الخدمات التى كانت متوفرة : السفر بالسكة حديد حتى بورتسودان شرقا ونيالا غربا وحلفا ” القديمة ” شمالا وواو جنوبا ؟ وان العاملين بالدولة كانوا يحصلون على تصاريح بالسفر المجانى لهم ولاسرهم على تلك السكك ، وكذلك على الخطوط الجوية ، التى كانت فعلا خطوطا وجوية . هذا بالاضافة الى اسطول بحرى يرفع علم السودان فى أعالى البحار . ونقل نهرى يربط شمال السودان بجنوبه الذى كان !
– وهل تعلم انه كانت هناك مؤسسة حكومية تدعى المخازن والمهمات ، كانت توفر وتخزن كل احتياجات الدولة من متطلبات العمل المكتبى وعلى اسس محددة وثابتة . وهل تعلم انك اذا دخلت احدى الوزارات فى ذلك الزمان الاغر لاستطعت ان تعرف أوضاع العاملين فيها من مجرد النظر لترابيز العمل التى يجلسون عليها ! وأيضا مؤسسة اخرى تسمى النقل الميكانيكى ومن مهامها تحديد نوعية السيارات التى تدخل البلاد والتى تستخدم لدى موظفى الحكومة ، كل حسب درجته ، الى جانب القيام بتوفير قطع الغيار والاصلاح لهذه السيارات ؟
وهكذا يمكن الاستمرار فى ذكر الذى كان بما يدمى القلوب . وحقيقة الامر اانى عندما أعدت قراءة ماكتبت بهدف المراجعة ، كاد يحدث معى ماحدث لطالب ” عرض حال ” عندما قرأ عليه ” العرضحالجى ” ما أملاه هو بنفسه عليه ، فبكى قائلا : بالله انا حالتى كعبة لهذه الدرجة ؟!!!

[email][email protected][/email]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..