التفاوض من أجل السلام ليس عيباً ولا خطأً!

د. محجوب محمد صالح

المسؤولون في الحكومة السودانية يرددون كثيراً أن الأزمة الحالية في ولايتي النيل الأزرق وجبال النوبة أزمة داخلية, ليست من شأن أحد غيرها, وأنها لا تسمح بأن تفرض عليها أي جهة خارجية حلولاً لأزماتها الداخلية, ولا شك في أن النصف الأول من هذه المعادلة صحيح فالأزمة في الولايتين شأن داخلي يهم السودان حسبما تقول الحكومة وهي المسؤولة عن حلها, ولكن السودان أيضاً عضو في منظمات إقليمية ودولية ذات سلطة فعلية وقانونية على الدول الأعضاء, والمفهوم الكلاسيكي لسيادة الدولة القومية قد انتهى ولم تعد (السيادة) سيادة حكومة تملك الحق بأن تفعل بشعبها ما تشاء, بل أصبحت (السيادة) للشعوب, ويوفر القانون الدولي -المطبق الآن على الجميع- الحماية للشعوب داخل دولها في مواجهة حكوماتها, هذه هي القاعدة التي سنت على أساسها قوانين الشؤون الإنسانية وقوانين حماية المدنين وقوانين وقواعد الحرب التي تنطبق حتى على الحروب الأهلية وكل دولة في العالم تخضع للمحاسبة والمساءلة وفق هذه القوانين إذا ما انتهكتها أثناء ممارستها لسلطتها داخل بلادها, بل وبسبب هذه القواعد الجديدة التي تحد من سلطة الدولة القومية أقرت الأمم المتحدة (مبدأ التدخل من أجل الحماية) الذي يتيح للأمم المتحدة أن تتدخل عسكرياً لحماية المدنين في دولة ما إذا ما انتهكت حكومتهم حقوقهم بصورة مريعة.

والسودان عضو في الأمم المتحدة وملتزم بميثاقها, وذلك الميثاق أعطى مجلس الأمن الحق في إصدار قرارات ملزمة النفاذ في شأن أية دولة متى ما قرر أن الموقف فيها يهدد الأمن والسلم العالمي, وذلك يعني أن المجلس يمتلك الحق في إصدار القرارات التي يراها مناسبة, سواء وافقت عليها تلك الدولة أو لم توافق وأن يطبق قراراته بالقوة إن اقتضى الأمر, أو أن يلجأ لفرض عقوبات على الدولة التي تتقاعس عند التنفيذ. وهذا هو ما حدث بالفعل في حالة السودان وجنوب السودان بصدور قرار المجلس رقم 2046 تحت الفصل السابع من الميثاق, وقد أعلن المجلس في ذلك القرار أن (الحالة السودانية تمثل تهديدا للسلم العالمي), ولذلك لم يلزم القرار الطرفين بالتنفيذ فحسب, بل حدد توقيع عقوبات على الدولة التي تعيق التنفيذ بموجب المادة (41), وهي تنص على إعلان حالة حصار على تلك الدولة, وتضمن هذا القرار نصاً واضحاً يلزم الحكومة وقطاع الشمال بأن يتفاوضا حول الموقف في الولايتين, وأن يكون التفاوض على أساس الاتفاق الموقع في يونيو العام قبل الماضي بين د.نافع ومالك عقار, وقد قبل السودان القرار بكامله, وهذا يعني أن التفاوض بين الحكومة وقطاع الشمال لا ينطوي على تدخل خارجي, بل هو إلزام للطرفين بالتفاوض المباشر بينهما تحقيقاً للأمن والاستقرار وقد قبله السودان علانية.

بالإضافة إلى الشرعية القانونية التي يكتسبها التفاوض من قرار المجلس هناك قضية أخرى تضفي على القرار شرعية إضافية عبر القانون الإنساني هي قضية معاناة المدنيين في الولايتين الذين ما زالوا يكابدون من جراء عدم وصول العون الإنساني لهم بسبب الخلاف بين طرفي الصراع وهذه قضية لا تحتمل التسويف لأنها تعرض حياة الآلاف من البشر للخطر.

الأزمة الإنسانية تحتدم بصورة خطيرة في المنطقة التي تسيطر عليها قوات قطاع الشمال, أما المنطقة التي تسيطر عليها الحكومة فهي أحسن حالاً لأن المساعدات الإنسانية تصلها مباشرة من الحكومة أو بالتعاون بين الحكومة والأمم المتحدة, الاتفاق على المبادرة الثلاثية التي تبنتها الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة وحصلت على موافقة مبدئية من طرفي الصراع بتوصيل الإغاثة للمواطنين في مناطق سيطرة قطاع الشمال لم تنفذ بسبب خلافات واشتراطات لاحقة أجهضت المشروع, وعرضت حياة أولئك المواطنين وما زالت تعرضهم لخطر كبير, وحسب الأرقام التي أذاعتها الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية فإن عدد المواطنين الذين نزحوا داخلياً أو تضرروا في الولايتين يبلغ السبعمائة ألف مواطن فيهم 275 ألفاً من المناطق التي تسيطر عليها الحكومة, و420 الفاً من المناطق الواقعة تحت سيطرة قطاع الشمال وكلهم في حاجة لعون عاجل, هذا بالإضافة إلى من لجأ منهم إلى جنوب السودان وإثيوبيا والتفاوض حول إنقاذ المدنين في الداخل لا يحتمل تسويفاً.

وفي نيويورك أعلن منسق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة أن الكثير من الناس في جنوب كردفان والنيل الأزرق ظلوا يعيشون على جذور الأشجار وأوراقها نظراً لعدم وصول العون الإنساني لانعدام الإدارة السياسية لدى كل من الحكومة والمتمردين على حد سواء, وحذر من المزيد من حالات الوفاة وعمليات النزوح ما لم يتم السماح بتوصيل مواد الإغاثة.

ثمة التزام أخلاقي وقانوني وإنساني يفرض على الطرفين أن ينخرطا فوراً في ذلك التفاوض ومهما كانت التحفظات والتصريحات فهما في نهاية المطاف سيجلسان إلى مائدة التفاوض وفاء بما التزما به تجاه القرار 2046, وأي مماطلة أو تأخير في محاولة لكسب الوقت لن تحقق إلا المزيد من الدمار والمزيد من المعاناة الإنسانية غير المبررة في وضع يزداد سواء كل يوم. التفاوض المباشر بين الطرفين ليس عيباً وليس خطأ ولا ينطوي على تدخل خارجي, الخطأ هو أن تستمر الحرب في وقت توفرت فيه فرص السلام عبر التفاوض!.

د. محجوب محمد صالح
[email][email protected][/email]

العرب

تعليق واحد

  1. الصورة لمدرسة تعتبر جميلة مقارنة بالمدارس الاخرى في ريفي طوكر بشرق السودان المنسي ممن الحكومة والمعارضة ومن الجميع

  2. التفاوض يعنى ان ينخرط الثوار فى دين الاخوان المسلمين ويرضوا بالعبوديه لخليفة المسلمين الاعرج مقابل وظائف تافهة شبيهة بوظيفة الحاج ساطور … او يتم تقسيم السودان الحالى ( الفضل ) نصف لدولة الخلافه الاسلاميه العربيه القرشيه بقيادة الرئيس الدائم الى ان ينفخ فى الصور .. والنصف الاخر للثوار دولة علمانيه افريقيه الناس فيها احرار فيما يعتنقون ..

  3. حديث د/ محجوب محمد صالح هو عين العقل و لكن اين الحكومة الرشيدة التي تضع هموم و مشاكل و معاناه المواطن السواني في سلم أولياتها ؟ حكومة الانقاذ حكومة فاشلة و فاسدة و مستبدة – اشعلت الحروب و ارتكبت كل الموبقات المحرمة دوليا فيها فهي لا تكترث و لا تهتم لما يحدث – كل اهتمامها ان تحكم اطول فترة ممكنة و لو علي اشلاء السودان و جماجم انسان السودان ( الفضل )– كل مشاكل السودان قابلة للحل و لكن العقبة الكؤد هي وجود الانقاذ علي سدة الحكم — اذن زوال الانقاذ هو الحل التلقائي و الاسرع لمعظم المشاكل الحالية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..