في سيرة العجز واليأس!!

عندما انكرنا في مادة سابقة مشابهة الانقاذ بغيرها، ونسبنا السبب لانتماءها لفضاء القرون الوسطي، لم يكن ذلك بسبب كره الانقاذ، رغم استحقاقها للكره واكثر، او تجنٍ علي بعض مظاهر الحداثة التي تسمها بحكم انتماءها لهذا العصر، والاصح فرض قونين هذا الاخير عليها. ولكن قبل كل شئ بسبب مفهومها للسلطة وطريقة تعاملها معها. من هذا المنظور، الانقاذ متخلفة حتي قياسا علي الانظمة النازية والفاشية، التي تحركها نوازع عنصرية وعصبيات قومية تصارع ضد الفناء، او ضد قيم مشروع حداثي طرح اصلا لتجاوزها. مما يبيح وصفها بالحداثة الارتدادية، او ردة فعل علي الحداثة بصورة غير حديثة او رجعية. بمعني، السلطة مثلت لهذه المشاريع وسيلة لانجاز غاية (بغض النظر عن سلامة او شرعية هذه الغاية). اما في حالة الانقاذ العكس هو الصحيح، لان السلطة كانت غاية تم من اجلها توظيف المشروع الحضاري لاحتكارها. واكثر من كان واعٍ بهذه الحقيقة، هو الترابي مصمم المشروع. ولذا ليس بمستغرب ان تلقي هذه الغاية (السلطة) بظلالها علي طريقة تصميم المشروع، وتحديد وسائل انجازه، والمحافظة عليه. بل وان يكتسب المشروع نفسه صفة الشمولية، او التغييرات الراديكالية للمنظومة القائمة واستبدالها بمنظومة مختلفة كليا. ولهذا السبب تحديدا كان الدمار شاملا، ولم يستثنِ شيئا البتة، في الدولة السودانية المنكوبة. اي وبما ان السلطة هي في طبعها ظنية، وتاليا السلطة المطلقة ظنية بصورة مطلقة، اذا ما استلفنا تعبير اكتون الشهير. فهذا ما جعل سلامتها مقدمة علي كل شئ ( مؤسسات دولة وعاملين بها، وبصورة اخص احزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني ..الخ) وكل هذا تم بصورة تكاد تكون هاجسية، اي اكثر رعونة وهمجية. وبكلمة مختصرة، تم توظيف الدولة بما فيها وبمن فيها، لخدمة السلطة والمتسلطين، وليس لتطوير الدولة وخدمة المواطنين.
ولكن هذا بدوره احتمال لا يفسر كل شئ، ولكن بالعودة الي العصور الوسطي وطريقة تكوين السلطة واشتغالها وكيفية الحصول عليها، يمكن ان تضح الصورة بالقدر الكافي. اي المقصود الطريقة الطبقية التراتبية، ليس كمنوذج ولكن كوعي وثقافة ايضا. وتاليا الانقاذ في محصلتها النهائية، اعادة انتاج لاكثر النظم تخلف ورجعية، ومن ثمَّ انفتاح علي ظلم العباد واستباحة موارد البلاد. اي طبقة من الحكام ومساعديهم تستفرد بالسلطة، وتجيِّر كل امتيازتها لمصالح الطبقة والاصح رفاهيتها الخاصة. وطبقة من الحراس وظيفتها حماية طبقة السلطة، نظير امتيازات اقل ودرجة ادني. وطبقة الشعب، ووظيفتها ليس خدمة الطبقة الحاكمة دون مقابل او بمقابل اقل فحسب، ولكن قبل ذلك تتصارع علي الفتات او تعيد انتاج نفس التراتبية، ولكن علي مستوي ادني. وهذا ما قد يفسر ضراوة الصراع (ندرة الفرص والامتيازات) من جهة، ومن جهة اخري، جشع التجار والاطباء ورجال الاعمال وغيرهم، وقابليتهم جميعا للتورط في الفساد دون رادع. وهذا ما جعل الفساد يضرب باطنابه علي علاقات التعامل البينية البسيطة بين المواطنين، ناهيك عن الدولة ومؤسساتها التي تستثمر في واجباتها. بمعني ثقافة السلطة الحاكمة، تصبح هي الثقافة الحاكمة علي كل المستويات، وبهذا تضمن سيطرتها المطلقة، وقبلها البقاء لاطول فترة ممكنة.
إذا صح اعلاه، يصح اكثر ان المصدر الاول للعجز، والذي بدوره المؤسس الشرعي لليأس، هو الانغلاق داخل دائرة ثقافة السلطة الحاكمة واللعب بنفس قوانينها. والحال هذه، كيف يمكن هزيمة من يتحكم في اللعبة؟ بمعني الصراع في اصله اصبح صراع علي المكاسب والامتيازت (المادية والمعنوية) ليس علي مستوي السلطة فحسب، ولكن علي كل المستويات. والحال كذلك، ليس مصادفة ان تصبح المصلحة العامة، كالخرافة او اليوتوبيا التي ينصرف اليها بعض الرومنسيين. اما الواقعية (وهي علي اي حال واحدة من صور العقلانية!) هي الانتصار للمصالح الخاصة والحلول الفردية. وسبق ان اشرنا انها نتاج ثقافة سائدة، اي اصبحت ليست مشروعة اجتماعيا فقط، ولكنها اكتسبت مزايا ايضا. وتاليا من لم يتحصل عليها، ليس بسبب موقفه منها، ولكن لانه لم تتسنَ له الفرصة اصلا.
في هذا السياق، تصبح الدعوة للانتخابات، ليست قطع مع ثقافة سائدة او ابتكار لطريق ثالث، ولكنها بالاحري الصورة المزيفة للثقافة السائدة، وان تلبست لبوس المسؤولية الوطنية والمخاوف من انهيار الدولة ذاتها. اي هي في محصلتها النهائية، لم تخرج من دائرة الثقافة السائدة، وتاليا تستهدف الاقانيم والاصنام المولدة لتلك الثقافة السلطوية الفاسدة، سواء في ابعادها الثقافية او السياسية او الاجتماعية او التاريخية بصفة عامة. وهذا هو القطع بمعناه الحقيقي، الذي يعقبه تحول شامل في شكل الرؤية او محتوي الوعي، اقلاه علي المستوي النظري. وهذا عموما ما يسبق الارادة (للتغيير)، او يمنحها طاقة الحركة والفعل والاصرار، والاهم دقة المسار (الغاية). وبكلمة صريحة يكسر حاجز العجز واليأس الماثل.
اي المطلوب من المثقفين ليس هو المطلوب من السياسيين. الاخيرون قد تحكمهم حسابات وتوازنات حساسة، اما الاوائل فلا يحكمهم إلا سقف المعرفة والتحصيل، وهو بدوره افق مفتوح علي التراكم والاضافات والحذف والتجاوز في كل زمان ومكان. وليس هنالك ما يمنع التحول من والي، ولكن بالطبع لا يشمل ذلك تحول الوظيفة. اي الخلط بين المثقف والسياسي ضار بالطرفين، قبل ان يطعن في طبيعة الوظيفة ومردودها النهائي. وهذا ما يبيح القول ان المنتج الثقافي يرتقي ويكتسب توهج وديمومة، كلما كان اكثر تجريد ومتجاوز لكل العوائق (الزماكانية). وبطبيعة الحال، يضمر ويكتسي بالشوائب وعلامات قصر العمر، كلما وظف لخدمة السياسي، سواء كان مشروع/ايدولوجية او مرحلة سياسية. وهذا اكثر ما يتوضح في منتوجات كثير من المتحولين من والي. ولا يعني ذلك الا تصبح السياسة مادة عمل المثقف، او لا يستفيد السياسي من الثقافة المنتجة. ولكن كل المقصود ان لكل منهما طريقة اشتغال وافق عمل. مع الاعتراف بصعوبة الفصل بينهما في الاوضاع الملتبسة كحالنا خاصة. اي المبتلي بالضغوطات السياسية، وزيادة الطلب علي الحاجات المعيشية. وتاليا الحاجة الماسة للحلول الاسعافية، التي بطبعها تكتنفها العجلة.
المهم، في هكذا اوضاع راهنة، الدعوة للانتخابات، عندما تصدر عن المثقفين والمفكرين، يكون وقعها اسوأ! ليس لانهم انخرطوا في اغراء السياسي بطابعه الضيق (ولكن الساخن والمثير)، بدلا عن الثقافي بمعناه الاوسع (ولكن الاكثر برودة واقل تلقي). ولكن لانهم يردون علي العجز المهيمن، بعجز اشمل او اشد وطأة. اي بدلا عن بذل الجهد واستغلال المواهب للتحرر من العجز، وتاليا الاسهام في التخلص من الياس. نجد ان اقصي ما يطمحون اليه، هو التخفيف من آثار العجز. اي صرف بعض المسكنات، ومن ثم تمهيد الطريق للسياسيين لانتهاز الفرص! اي عوضا عن كبح جماحهم ببعض الاطارات المفاهيمية، ولا نقول المبدئية، ليس لانها استهكلت كثيرا بسبب استخدامها من كل الاطراف وغالبا ضد قيمها، ولكن لانها تصدر عن جذر اخلاقي قيمي، اكثر منه مفاهيمي. وكما هو معلوم الاخير اكثر واقعية وديناميكية او استجابة لسرعة الحركة والتغيير من الاول (اميل للثبات)، إلا في الحالة الانتهازية فالعكس صحيح.
وبما اننا لسنا من المثقفين ولا السياسيين، ولكن هذا لا يمنع التورط في شؤوننا العامة، او هذا بدوره سلاح ذو حدين، الا اننا سنتجاوز الحد السلبي الذي تكتنفه شبهة التناقض (كل عدم انتماء تناقض/سراب) ونركز علي الحد الايجابي فيه، وهو ما يمنح سهولة علي الحركة، ونتمني ان ترافقها بركة ونحن نتورط فيما سيرد ادناه،
وهذه المداخلة، إذا جاز التعبير، تسعي لتتبع بعض مصادر العجز/الياس، الذي يخيم علي واقعنا الماثل، ويحيله الي حال شخص منقطع في الفلاة، دون مياه، ومنتظر فقط، رحمة الله او نفاذ القضاء.
اول مصدر لهذا العجز/الياس، ان لم يكن اهمها، هو الثقافة الابوية، كاحد افرازات الثقافة القلبية، الحاكمة لمعظم تاريخنا الوطني. رغم بعض الاستثناءات التي لا تستعصي علي الحساب. فهذه الثقافة كما هو معروف، تسفه المبادرات الفردية، وتقمع الانحراف عن النمط السائد. قبل ان تستدخل عليها السلفية، النزعة الدينية، عبر مفهوم البدعة، الرافض مبدئيا للتجديد، ناهيك عن التغيير. اي هي بطبعها ثقافة محافظة، وتاليا ولَّدت قيم علي نفس الشاكلة. اي كل ما هو ساكن فهو خير! اي يتحول السكون الي نوع من الاستقرار الباعث علي راحة النفس. وبالطبع كل حركة او تغيير هو شر محض، ليس لشئ إلا لانه يخل بالاستقرار، ومن ثم الطمأنينة. اما الاسوأ من ذلك، ان السكون او الاستقرار نفسه يستحيل علي الفحص، وإلا لفقد امتيازاته. ولذا من دون مراجعة هذه الامتيازات لا يمكن تحرير الفحص (النقد). وهذه المراجعة (التشكيك في الامتيازات) هي مدار التضحيات او القربان الذي يجب بذله، حتي ينفتح المجال امام التغيير. والتغيير نفسه ليس شئ آخر، سوي الانفتاح علي المجهول. اي كل تغيير هو مغامرة غير مامونة العواقب، بما انه نقيض الاستقرار (الامتياز المجاني) بمعناه التقليدي. وتاليا هو مبادرة لصناعة الامتيازات علي حجم التطلعات، او تحريرها من يد الخاصة واشاعتها بين الناس. وبتعبير صريح، ليس هنالك تغيير من دون تضحيات او مخاطرة، وتاليا لا يمكن الجمع بين النقيضين اي التغيير والاستقرار (بمفهومه التقليدي). وهذا ما يجب ان يتنبه له كل دعاة الانتخابات.
اما الجانب الآخر من الثقافة الابوية، والذي تعرض للقليل من التعرُّض (المواجهة)، بسبب تورط الجميع في دائرته. فهو وثيق الصلة بترك المسؤولية لجانب الاب! بمعني انتاج الاتكالية. اي إذا كان الاب سعيد بسيطرته المطلقة، فالابن اكثر سعادة بإتكاليته المطلقة. ومؤكد الاب المقصود هنا يتجاوز الاب البيولوجي الي رمزية الاب (الآله القبيلة الحزب، وبصفة عامة المسؤول الاول والاخير في كل شان). وطالما هنالك اب غير مساءل، فلا مكان للمسؤولية بمعني الالتزام! وتاليا ما يوجد فقط، هو الخوف المولِّد للنفاق والتملق، والتواكل المولِّد للهروب من المسؤولية. وليس بالشئ المدهش، ان الاب الادني يخضع لنفس القانون. اي الاب الرمز ليس الا كائن متعالٍ فقط، ولكنه حاكم علي سلسلة من الابوات او العلاقات الراسية. ولتقريب الصورة نورد بعض النماذج للهروب من المسؤولية.
مسؤولية ضعف الاحزاب السياسية، تلقي علي عاتق القائد/الاب، الذي لم يتزحزح من سدة السلطة منذ تاسيس الحزب، وهذا في حال لم يرثه من والده، كجزء من تركة الاسرة، او صديقه وكاتم اسراره او من يسايره في كل شئ/نسخته الباهتة في حال الاحزاب غير التقليدية. فهذا التفسير بقدر ما هو وجيه وصحيح، إلا انه اكثر ما يجد القبول والارتياح ليس من الغرباء واعداء الحزب فقط، ولكن للغرابة من اعضاء الحزب نفسه، لا لشئ إلا لانه يرفع عن كاهلهم مسؤولية هذه الطغووية السلطوية والتردي العام للحزبية. وكذلك، هنالك سلطة مستبدة حاكمة للبلاد وتكثر فيها الفساد، وتاليا تستنفد كل طاقة الحزب وبما فيها عملية الاصلاح الداخلي. وهذا بالطبع صحيح، ولكن الاصح ان ما في الامكان تغييره، دائما اصعب وبما لايقاس، بما ليس في الامكان تغييره، اقلاه علي المدي القصير. اي طالما هنالك شماعة (اب) مسؤول عن كل الاخطاء والخطايا الكبري تحديدا، فتاليا هنالك متسع للهروب من تحمل مسؤولية الاخطاء الصغري.
والمعارضة السياسية نفسها، من وجهة نظر غير المنظمين سياسيا، وللغرابة من بعض المنظمين انفسهم، تلعب نفس الدور. اي بما انها الوريث الشرعي المنتدب لمواجهة النظام، اي كتعريف ووظيفة لها. فتاليا يقع عليها حصريا عبء كل الاخفاق في مواجهة الانقاذ. وبهذا يتم التخف من رهق المسؤولية. التي في حقيقتها جماعية، بما ان اضرار الكارثة الانقاذية، تصيب الجميع بطريقة مباشرة او غير مباشرة. كما ان هذا الهروب نفسه، يسبب نوع من التشويش او يخلق فراغ، تطل من خلاله كل مشاريع ومبادرات الخلاص، مهما كان حجم زيفها وضلالها وامكانيات تلاعب النظام بها. غض النظر عن نوايا طاريحها او داعميها او مستقبليه بفرح غامر (ليس هنالك ما يفرح النفس اكثر من رفع المسؤولية عن عاتقها). اي طالما ليس هنالك من يتحمل تبعات هذه المبادرات علي مصالحه او ما قد يصيبه من رشاشها. فليس هنالك من مشكلة في طرحها. اقلاه لاقناع نفسه بالتخلص من عبء المسؤولية التاريخية، او اثار جرائم وفساد النظام علي الراهن والمستقبل. وبكلمة مختصرة، تخلق سوق رائج لعرض وابتذال المبادرات حد التخمة، وتاليا النفور منها ومن ممكنات الجاد منها. وهذا عين ما ترغب فيه سلطة غير جادة ولا مسؤولة كالانقاذ.
ولكن عندما لا تكون هنالك حكومات انقلابية واستبدادية مسيطرة، كيف يلعب الاب دوره بعد ان اصبح عاريا او مكشوفا من دون حجب تبرر تسلطه، وتاليا الوقوع في شراك تحمل المسؤولية المرفوضة مسبقا من الابناء. اي في الفترات الديمقراطية علي قلتها وقصرها، كيف يتم الالتفاف علي هذه الثقافة السلطوية المضللة؟ وكيف يعيد تشغيلها الاتكاليون حتي ولو سمحت الظروف بفرص التحرر؟! للاجابة يلزم الرجوع قليلا لما قبل الديمقراطية، اي المشلكة لا تكمن فيها (الديمقراطية) ولكن خارجها. ولكن هذا لا يمنع، ان لم يؤكد، ان الديمقراطية في حقيقتها يمكن ان تكون كارثة علي الجميع! لا لشئ إلا لانها تعري ضعفنا وتكشف زيفنا وتجبرنا علي تحمُّل ما نكره حمله (المسؤولية). والتي لطالما التففنا عليها جميعا بكل الحيل، السنا ابناء نفس الآباء؟!
ولا يفهم من هذا الحديث انه ضد الديمقراطية، ولكن المؤكد انه ضد الديمقراطية غير المسؤولة، التي تفضي للانقلابات لا محالة؟! ونفس الشئ يمكن ان يقال عن دولة الرعاية، فالمطلوب دولة الرعاية التي لا تسمح بالعطالة والاتكالية، ولكن تشجع علي العمل والجدية. اي رعاية الضعفاء والمشاريع الخدمية، كالعلاج والتعليم المجاني، ورفع مهارات العمل وتوفير بيئته السليمة لجميع المواطنين، وبما يتوافق مع الملكات والقدرات والرغبات. اي بكلام عام، ما ينقصنا ليس سلطة الاب (رعاية الدولة او الرعاية من اي جهة)، ولكن ما ينقصنا هو الثقة في قدراتنا ومواهبنا، وليس هنالك من سبيل لاكتشاف واختبار ذلك، سوي اتاحة الفرص (او حتي خلقها) وقبول التحديات. وتاليا تختفي المهن الهامشية بانتفاء مبرراتها. لان الانسان بطبعه يتطلع للافضل، والاهم من ذلك انه يستحق الافضل. اي ليس العطف علي المهمشين والمحرومين بكافٍ، ولكن الاولي اقتلاع اسباب التهميش ومسببات الحرمان من جذورها.
المهم، من حيل عدم تحمل المسؤولية التي تفصح عن ذاتها في سلوكيات الاحزاب، ومن ثم تشي بطبيعة نفس المسالك في الفترات الديمقراطية، ولكن بصورة اسوأ، هي.
مثلا الحزب الشيوعي وبسبب مرجعيته الطبقية، التي ليست بالضرورة مطابقة لمشاكل الواقع السوداني. اي التي تاسست نوعا ما في مدار قضايا العمال ومشاكلهم، تكونت لديه عقلية نقابية او منازع مطلبية تسم عمله او سلوكياته، ولذا نجده غالبا ما يتخفي خلف النقابات لتمرير اهدافه. أي كرافعة تنهض بالحزب وتستجيب لبرامجه. وإذا كان هذا الدور قدم خدمة، مرة او اكثر في اسقاط الحكومات الانقلابية غير الشرعية، إلا انه لعب دور معاكس في الفترات الديمقراطية. بكثرة المطالب والضغوطات، ودون مراعاة للتجربة الديمقراطية في طور التكوين. اي لم تنضح حتي تلبي كل المتطلبات. وهذا غير انه كما اشار البعض، كان سببا في تحطيم النقابات، وقبلها مؤسسات العمل نفسها، علي يد الانقاذ، كاحد الاحتياطات من اجل البقاء. والمقصود بصورة اوضح، هروب الحزب من القيام بمسؤوليات التبشير بايدولوجيته بطريقة سلمية (ومن دون مساعدة او استغلال لكيانات دولتية او مدنية)، ومسلحا فقط بقدراته الاقناعية، وتضحيات ومساهمات اعضاءه والمتعاطفين. ولكن ذلك كان مستحيل حتي في الظروف الديمقراطية! والسبب ان تحليله للاوضاع الداخلية لم يكن يتناسب وطبيعة حقيقتها، واسلوب ولغة طرحه لا يوافق مزاج او ميول اغلبية المواطنين. اي كمجتمع تقليدي تحكمه ثقافة قبلية، واقتصاد معيشي طابعه البساطة، وليس التنظيم والتعقيد، وتاليا لا يمت بصلة للصراع الطبقي او التحليل الماركسي. ولو ان ذلك لم يمنع الاستغلال الذي تعرضت له العناصر الاشد فقرا وضعفا في المجتمع. ولكنه للمفارقة ليس ذو طابع مؤسسي، كالذي تعنيه التحليلات الطبقية، ولكنه بالاحري اقرب للاستغلال الخام، المرتبط بنوازع النفس البشرية. والحال هذه، يصح وصف اسهام الحزب الشيوعي الوطني بايدولوجيته المفارقة، بانه كان صرخة في وجه الظلم وضد الاستغلال، اكثر منه اقامة لصرح العدل وانتاج الثروات. لذلك ما يفتخر به الحزب غالبا، هو نظافة اليد وبذل التضحيات، وهذا ما يعترف به الاعداء الصادقون قبل الاصدقاء المخلصين. ولكن هذا للاسف لا يقول الكثير عن قدرة ايدولوجية الحزب، علي حل المعضلة الوطنية، او اي معضلة في وطن آخر، او حتي الاسهام في هذا الحل بقدر كافٍ! وهذا غير ان تجارب الحكم الشيوعي حول العالم، غير مشرفة علي الاطلاق، وهي تتراوح بين القمع ورعاية الدكتاتوريات. اي بما انها ايدولوجية مصممة لخدمة شريحة معينة (العمال المستغلين، وان بصورة مؤقتة)، فتاليا عندما تصل الي السلطة سواء بطريقة ديمقراطية (نادرا) او انقلابية (غالبا). فالمحتمل ان تخدم شريحة العمال عندما لا يتعارض ذلك مع مصالح السلطة، اما المؤكد فانها لن تخدم غيرها، وهذا عندما لاتقمع هذا الغير وتصادر حقوقه كافة! وإلا دخلت في تناقض مع ذاتها او انكرت هويتها! وإذا فعلت ذلك فقدت مبرر وجودها؟ وهذا ما لا يمكن توقعه بحال من الاحوال. بل حتي التجربة الصينية التي توصف بالنجاح، إذا ما اعتبرنها شيوعية بقدر ما. فمصدر هذا النجاح يتعلق بالاقتصاد حصريا. وللمفارقة لم تتحصل علي هذا النجاح، إلا بعد مفارقتها او اقلاه تخففها من الايدولوجية الشيوعية المتصلبة.
اما الجانب الاكثر سخرية من هذا الجانب المفارق، فهو مختص بتجربة الحزب الشيوعي السوداني نفسه، فهذا الحزب عمل بطرحه سواء بصورة مباشرة او غيرها، علي لعب دور السماد او المخصب الذي ساعد التجربة الاسلاموية المبتدئة او الباهتة في الساحة السياسية، علي النمو بصورة مذهلة! خاصة وقد كان في مواجهته، خصم اكثر براعة واقل مبدئية او مجرد منها تماما كالترابي. لذلك لو كان هنالك صوت شكر يمكن ترسله الحركة الاسلامية، لحزب في ساحتنا السياسية، لكان وجهته بريد الحزب الشيوعي.
وكل هذا ناهيك عن الشد والجذب الذي امتد لما يقارب النصف قرن، عن دور الحزب في انقلاب مايو واحداث بيت الضيافة. فمن باب المسؤولية الموصوفة اعلاه، لا اعتقد ان هنالك مبرر اصلا (لسلخ جلد النملة) الذي يهدر فيه الشيوعيون جهدهم لدفع الشبهات عن حزبهم. فلو اصدر الحزب ومنذ وقت مبكر بيان صريح وصادق ووافٍ، صفي فيه حساباته مع نفسه والآخرين. لما استمر الدوران في هذه الحلقة المفرغة، او اقلاه لما اكترث الشيوعيون للشنشنة التي ترد من وقت لآخر، ولما شهدنا كذلك التعامل بحساسية مفرطة مع هذه المسألة، وكانها انتهكت شرف ديمقراطية الحزب وروحه المتسامحة، وجعلته يمشي مطاطئ الراس بين الاحزاب السودانية. بل كثرة التطرق لهذه المسالة من جانب الشيوعيين بداع ومن غيره، يثير الشك اكثر ما يبعث علي الاطمئنان. وعموما لا مسألة العنف ولا التباس قضية الديمقراطية، مما هو غريب علي الاحزاب الشيوعية في السودان او غيره، حتي تثير كل هذه البلبلة، بل لهذا السبب تحديدا، يبدو انها تثير كل هذه البلبلة.
وكل هذا يقال عن حزب يمارس فضيلة النقد الذاتي، دونا عن بقية الاحزاب! ولكنه للاسف يبدو كالنقد الاسري الذي يتم خلف الابواب المغلقة وبتكتم شديد، وتاليا هو يحرص علي ستر الفضيحة اكثر من تصحيح المسار. اي طالما هو حزب يتعاطي الشان العام، فمن باب اولي ان تكون المكاشفة في الفضاء العام. ولو تم ذلك، لما انفجر الحزب من الدخل في كل مرة، لافظا اكثر عناصره حساسية ديمقراطية الي الخارج.
اما عن الاسلامويين فامرهم عجبا، ليس لانهم اكثر من تتجلي فيهم مساوئ الروح الابوية فحسب، ولكن لان تلك الروح تتخذ طابع التقديس. ولذا كان الترابي (اب) روحي، اكثر منه قائد (اب) سياسي. وبالطبع الفارق كبير رغم البؤس الذي يشملهما معا. بمعني اذا كان الاعتراض علي الاخير، جرم يحمل صاحبه علي حمل عصا الرحيل! فان الاعتراض علي الاول خطيئة، تكلف صاحبها اللعنة والخروج من رحمته، قبل ان تقفل باب التوبة وترفع خصومته او نبذه من الآخرين الي مرتبة العمل الصالح.
وعموما، الترابي قد يكون من اكثر القادة (الآباء) براعة ووعيا بمخطاطاته، وهو ما يجهله حتي المقربون منه، والذين يستغلهم حتي النخاع. اي الترابي الطامح للقيادة المطلقة، والتي لا تجسدها إلا الابوة الروحية (غير المساءلة). دفعه ذلك وبذكاء شديد، لاختيار تنظيم الاخوان المسلمين، لتلبية تلك الرغبة المجنونة، باقل كلفة واسرع وسيلة. ويساعده في ذلك، خلفيته القانونية من جهة، والدينية (ليس بمعني الطاعة والعبادة، ولكن بقصد اطلاعه علي تجربة الحكم والخلافة) من جهة مقابلة. اي ما يحتاجه الترابي هو السلطة من ناحية، والطاعة العمياء من ناحية اخري. وهذا عين ما توفره الدولة الدينية. وبما ان هذه الدولة غير منتقدة بصورة كافية، في الوعي او التصور العام لدي المسلمين، بسبب قمع الثقافة (الابودينية). ولذا كانت موجودة بصورة خام (يوتوبيا) في اذهان ليس البسطاء ولكن غير قليل من المتعلمين. اما الترابي فقد عمل فقط علي تاكيد هذه الاوهام، او القراءة التبسيطية في نظر اتباعه. اي بما انصاره اصلا مستلبين تجاه نموذج مثالي/خيالي بحكم تكوينهم المحافظ. فهذا ما لم يعمل الترابي علي اكثر من استثماره، ولكن بصورة بقدر ما هي مواربة، بقدر ما تسمح له بتمثيل الدولة الدينية او تجسيدها علي ارض الواقع. ولكن بما ان ذلك يصعب تسويغه في نظر النابهين من تلاميذه، وقبلهم الاحزاب المنافسة. فقد لجأ لحيلة الحركة الاسلامية اولا والمشروع الحضاري ثانيا والمؤتمر الوطني ثالثا والشعبي رابعا، بل ولم يخفِ انفتاحه علي اي تشكُّل يبرر طموحه في قنص السلطة. اي الغرض دولة دينية بوسائل حضارية، تلبي اشواق المتاسلمين من ناحية، وتعفيهم من مغبة اجتراح مشروع حديث كامل الاوصاف ومواكب، يدخلهم في شبهة الارتباط بالعلمانية، وتاليا يفقدوا هويتهم المميزة او ماركتهم التجارية. وعموما، اثبتت التجربة ان الترابي لم يستنسخ إلا ذاته في اعضاء الجماعة. اي كلهم يعبدون السلطة والمال، والاكثر شهوانية حيازة كافة انواع المتع وبالاخص والنساء.
وخلاصة هذه الجزئية، الترابي بمشروعه السلطوي العدمي، مثل التجلي الاعظم للاتكالية والهروب من المسؤولية، بالادعاء ان الحل متوافر في السماء! وفي ذات الوقت النموذج الاردأ للابوية، بفرض قانون الوصاية كآلية حكم علي الآخرين والتحكم في خياراتهم والاسوأ مصايرهم. اي مشروعه جمع الشرور من كل اقطارها. والحال كذلك، ليس مصادفة ان يتنج هذا المشروع منظومة عقيمة وعاطلة كالانقاذ، تستسهل الحصول علي الموارد، وتمتنع عن الايفاء بواجباتها او خدمة المواطنين. اي خلاصة مشروع الترابي، انه لم يقدم حلا، ولم يترك الفرصة للآخرين كي يقوموا بهذا الواجب. وهذا غير انه اغلق كل الطرق امام الحلول الآنية، وجعل فرص الخلاص المستقبلية ضئيلة. وكل هذا دون ذكر الاكلاف الهائلة، بشريا وماديا ومعنويا، التي رافقت هكذا تجربة عدمية. اي مأساتنا مع الترابي ان مشروعه كالمنبت لا ارضا قطع ولا ظهر ابقي.
اما الاحزاب الطائفية، فلا اعتقد ان طريقة تكوينها وعملها، من وجهة النظر الاتكالية بالطبع، تحتاج لمزيد من التعليق. سواء من ناحية اعتماد قادتها علي شرعية وراثية، او من ناحية ثقة اتباعها في قادتهم، اكثر من مشروع ومشروعية الحزب نفسه. وتاليا لا مجال لمنازعة القائد/الاب هذا الحق، واقصي ما يسعي اليه العضو هو رضي الزعيم/الاب. وإلا وجد نفسه صديقا للشكوي والمظلومية والنفور من بقية الاعضاء! وكل ذلك يحدث، وكأنه امر غريب عليه، رغم مكوثه فيه وصمته عليه منذ (الازل الحزبي).
ومثل هذا الحديث قد يكون مؤلم للبعض، او قد تبطله بعض الاستثناءات، او قد يثير غضب الدوائر المقربة من الزعماء، ولكن ما نقصده السمة العامة او المحصلة النهائية لهذه المسالك.
اما ما يخص اتكالية الجمهور بسبب تجذر الثقافة الابوية، او الاب الذي من حقه فعل كل شئ، وليس من حق احد مراجعته، او حتي لومه، مع واجب غفران اخطاءه! فهي ما تجسدها بشكل صارخ الانقلابات العسكرية. اي هذه الانقلابات تجد القبول او اقلاه الرفض السلبي من قبل الجمهور عند حدوثها. كما تجد الصبر علي اخطاءها مهما كانت كارثية، وقراراتها مهما كانت مستفزة، وغالبا ما هي كذلك، بل ومهينة للكرامة ايضا، وذلك طوال فترة حكمها. وكل هذا الانكسار والمذلة، لا لشئ إلا لانها انعكاس للاب الماثل في وعيها ومتغلغل في اعصابها وشراينها. اي نتاج لرهبة اكثر منه اقتناع. ولكن الرهبة نفسها تكتسب قيمة ايجابية في ثقافة الرق الابوية! اي هي تعبير اقرب للانضباط والهيبة والقسوة ايضا. كعلامات او دلائل علي المقدرة والحماية التي تبعث علي الاطمئنان. وهذا غير ان المنظومة كلها يمكن تجسيده في شخص (زعيم الانقلاب). وتاليا من السهولة بمكان ان يضللها ببعض الرسائل والاشارات والشعارات، التي تجد هوي في نفوسها. وكل ذلك بالطبع، علي العكس من الديمقراطية، بتوزع سلطاتها، وحدها لبعضها البعض، وغل يد الرئيس من التصرف بحرية، واتاحة الفرصة للاحتجاج والاعتراض ..الخ. وكل هذا ما يشوش علي صورة الاب الرمز، القادر علي كل شئ في كل الاوقات. وتاليا فقدان اهم جانب وهو الاطمئنان. اي الديمقراطية تضع الجمهور امام مواجهة مسؤولياته، كتحديد مصيره وتحمل نتيجة اختياره. اي اجباره علي الفطام وما يرافقه من حرمان، ليس من وهم الحماية والاطمئنان فقط، ولكن قبل ذلك من اوهام كثير من الامتيازات (الدينية العرقية المناطقية المهنية..الخ). إذا صح ذلك، يصبح انطباع كره الجمهور للديمقراطية وتفضيل الاستبداد بالمعني السياسي الدارج، يحتاج للمراجعة؟ والسبب ان العلة تقيم في مكان آخر غير سياسي، قد يكون ثقافي او نفسي او اي احتمالات اخري. في هذا المعني، تصبح المفاضلة بين الدكتاتوريات والدكتاتوريين الشائعة، واحدة من اعراض الطفولة المتاخرة، او رفض لا واعٍ لمغادرة الطفولة وبلوغ النضج. اي الدفاع عن الدكتاتوريات ولو بطريقة غير مباشرة، عن طريق مهاجمة الديمقراطيات، ليس اكثر من دعوة للبقاء في خانة الطفولة المؤبدة. ومؤكد ان الاطفال حتي عندما يحاولون الاصلاح، يخربون العالم من حولهم. إلا إذا كان المطلوب الفوضي وليس النظام، وذلك شان آخر؟!
المهم اذا صحت الفرضية الابوية اعلاه، يمكن تلخيصها في مخطط كالآتي.
الجميع منتظر ان تقوم المعارضة السياسية بواجب مواجهة الانقاذ انابة عنهم. والمعارضة السياسية منتظرة الشعب يثور لاجلها. والشعب بدوره منتظر الطلاب او الشباب او الظروف او القدر، ان يقوم بالواجب ويعفيه من المخاطرة. وفي مسار آخر مشابه، المهاجرون ينتظرون من الداخل ان ينتفض. والداخل يرنوا الي الخارج ان يتقدم لازاحة الانقاذ. وفي النهاية نجد الجميع عالق داخل هذه الدائرة المغلقة من العجز، وبالقطع الجالبة لليأس والمرارة. وكهروب من هذه الحقيقة الفاضحة، يلقي كل طرف مسؤوليته علي الآخر، ويتجاهل ان الكارثة لن تنتظر حسم هذا الجدل الدائري، او ترحم حتي من توهم انه قام بدوره كاملا.
والعجز نفسه يطال النظام بعد ان حطم الدولة ونهب مواردها. ليجد نفسه تحت رحمة ابتذال عاطفة الجمهور بالعاب بهلوانية، كقصة محاربة الفساد واستبدال مدرسة الاقتصاد وتغيير الوزراء واجراء الانتخابات واكتشافات اليورانيوم وتطمينات بلة الغائب. وبالوصول الي المستوي الاخير من الدجل والشعوذة، تكون الانقاذ تجاوزت قاع الفشل والافلاس. ولكن ماذا يوجد بعد القاع؟ لا اعرف! ولكن ما اتصوره شئ كالتحليق في الفضاء، اي فقدان السيطرة والتحكم في كل شئ وعلي كل شئ.
المهم، لن يتم كسر هذه الدائرة الجهنمية، إلا بتتبع جذور العجز ومعالجتها. اما الارتهان لدائرة العجز بحجة استحالة كسرها. فهذا الانتحار عينه، وليس بعد الانتحار من عدمية.
وفي سياق آخر، اعتقد ان جزء من ازمتنا (عجزنا) ذات مظاهر مستحدثة، او تقيم في مكان آخر، اي نقطة التقاء المحلي بالدولي بالعولمي. بمعني، انكشاف الحياة عن كثير من اسرارها او متعها، جعل الانسان اكثر تمسكا بها من ذي قبل. اي طالما هنالك متسع للمتع هنا والآن، لماذا ينتظر الموت او يراهن عليه؟ والحال، ان هذا احدث تحول في لحظتنا الراهنة الموصوفة بالتسارع والسيولة. اي حدثت تحولات علي مستوي القضايا والافكار والمشاريع والمبادئ الكبري التي ميزت الاجيال السابقة، مفسحة المجال امام المتع الوقتية او اشباع الغرائز او حياة الاستهلاك الشرهة. اي تحوُّل من السمعي التاملي الي البصري العابر اذا جاز التعبير. وتاليا انزوت نجوم الفكر والادب والنضال والمثل، لتحل محلها نجوم الرياضة والفن والمجتمع ورجال المال والاعمال. وتاليا تتخذ طابع النمذجة، ليس كافراد ولكن كنمط حياة مشتهاة. اي ما يصح وصفه ببروز عصر الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي الهادر كالشلال. واكثر ما يميزه انحسار الوهج الديمقراطي بعد ان اصبح ينتج نقيضه. وقد ساعد علي ذلك لبرلة الاقتصاد بصورة مرعبة. بعد ان اصبح مدار اشتغاله الربح ومضاعفته. لدرجة تحول الانسان من غاية الي وسيلة (سلعة)، يتم الاستثمار في شكله ومواهبه وغرائزه. وبالمجمل السيطرة عليه، بعد التلاعب بوعيه، وبيعه ثقافة استهلاكية مضروبة، تستنزف جهده واعصابه، وتتركه آخر المطاف حطام انسان.
ولكن ما دخل كل هذا فيما نحن بصدده (تكريس العجز)؟ المقصود، ان اللحظة الراهنة غير تنسيبها لمسالة الكرامة والحرية والوطنية وهلمجرا. إلا نها جعلت قضية التضحيات والتعرض للاخطار، من اجل غايات كبري، كتحرير النفس والمجتمع والوطن او رد الكرامة للمواطنين والاعتبار للشهداء والانصاف للضحايا. هي مسائل ان لم تكن خارج السياق، فهي نوع من التهور، او اقلاه ليست هي الطريق الامثل للحياة النموذجية السالف ذكرها. وبتعبير آخر اضعفت ممكنات المقاومة ونزعات الرفض وفتحت مخارج التعايش والقبول. بل لا يستبعد حتي ما تبقي من جهود النضال، ان تنصرف في آخر المطاف، لذات الغايات الاستهلاكية او بهرجة الحياة وابهة السلطة والصولجان، والانغماس في الملذات بصفة عامة. وهو للاسف نفس الطريق الذي سلكته الحركة الشعبية في الجنوب. الشئ الذي يجعل الحركات المسلحة جميعها في خطر، إن لم تنتبه لهذا المنزلق الخطر، وتجعل نصب عينيها، او في غدوها ورواحها صحوها ومنامها اتفاقاتها وحروباتها، عذابات اهلها وتضحياتهم الجسام، وحاجاتهم الماسة للخدمات بكافة انواعها. اي كأن الجهاد الاكبر في عصرنا ليس التحرر من قبضة النظم الاستبدادية فحسب، ولكن يتواصل للتصدي لتيار الاستهلاك المعولم الجارف، والذي يحمل في جوفه اخطار بيئية تنذر بخسارة الكون باسره.
وعلي العموم، وبما ان فرضية الثقافة الابوية التي تم الاستناد عليها، هي ظاهرة اجتماعية، فمؤكد انها اكثر تعقيد، وقد تتداخل معها عوامل اخري، او تسهم هي في التاثير علي بعض العوامل بدرحات متفاوتة. وقد تصح في جوانب وتخفق في اخري. لكل ذلك هي تحتاج لامرين. اولا، يجب التخلص من الثقافة الابوية بصورة مؤسسة ومدروسة، مع تجنب التطرف في التخلص من الاب (الرمز) بقتله، لان ذلك يتسبب في ولادة فردانية متطرفة، ما زالت الحداثة تعاني من عواقبها حتي الان.
ثانيا، فرضية كهذه لا يكفيها تناول مبتسر كاعلاه، وهي احوج ما تكون للاندراج في التناول الاكاديمي بادواته ومناهجه المنضبطة. وتاليا هي دعوة موجهة لطلاب الدراسات العليا بالجامعات ومعاهد البحوث لتناولها بالبحث والتحليل، ولكن مع استصحاب غيرها من عوامل ومسببات العجز، حتي تكتمل الصورة وتسهل معرفة المخارج. والاهم بالطبع ليس الخلاص من الانقاذ فحسب، ولكن اعطاء فرصة افضل لاستدامة الديمقراطية.
آخر الكلام
لشد ما احزنني خبر اغلاق موقع حريات، كنافذة للاستنارة والدفاع عن حقوق الضحايا وكشف فساد الطغمة الحاكمة. وذلك بسبب العجز المالي. خاصة ونحن في امس الحاجة اليه وامثاله، في معركتنا المفتوحة ضد نظام الانقاذي العدمي. ولكن ما يثير السخرية، كيف نترك اقوي اسلحتنا تتسرب من بين ايدينا او نعجز عن معرفة مشاكلها والاسهام في حلها. ثم نتوقع الانتصار في معركة اشد شراسة ضد منظومة اكثر اجرام؟! ودمتم في رعاية الله.
[email][email protected][/email]

تعليق واحد

  1. سلطة الأب وميراث التسلط تطرق لها عالم الاجتماع القدير هشام شرابي و بسببها نجد المثقف ابن نسق الطاعة الذي لا يؤمن بالحرية كمطلب جماهيري أما فكرة العجز نجدها ايضا في مقاربات حليم بركات و هو ايضا عالم اجتماع مع هشام شرابي كانت ابحاراتهم في نقد الذات عكس صديقهم ادوارد سعيد الذي اهتم بنقد الآخر وعلى اي حال كتب هشام شرابي و حليم بركات في مسألة معالجة سلطة الأب و ميراث التسلط قد أصبحت من الكلاسيكيات في المكتبة العربية و كالعادة السودان متأخر حتى اذاما قارناه بالمكتبة العربية.

  2. سلطة الأب وميراث التسلط تطرق لها عالم الاجتماع القدير هشام شرابي و بسببها نجد المثقف ابن نسق الطاعة الذي لا يؤمن بالحرية كمطلب جماهيري أما فكرة العجز نجدها ايضا في مقاربات حليم بركات و هو ايضا عالم اجتماع مع هشام شرابي كانت ابحاراتهم في نقد الذات عكس صديقهم ادوارد سعيد الذي اهتم بنقد الآخر وعلى اي حال كتب هشام شرابي و حليم بركات في مسألة معالجة سلطة الأب و ميراث التسلط قد أصبحت من الكلاسيكيات في المكتبة العربية و كالعادة السودان متأخر حتى اذاما قارناه بالمكتبة العربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..