حرائق بلا حدود

وزارة الداخلية كل يوم تكشف لنا خبراً جديداً سيئاً وتكشف لنا عن حقائق محبطة وتثبت أننا نعيش في وطن مأزوم بالمصائب والجرائم والحوادث، وهذا إن دل إنما يدل على سوء السياسات التي تتعلق بالأمن بجميع أنواعه اقتصادياً اجتماعياً نفسياً وغيره مما يؤدي إلى خسارات فادحة اقتصادية واجتماعية وأخلاقية.
قبل أيام كشفت الداخلية عن ارتفاع نسبة الجرائم المرتكبة ضد الأطفال، وقبلها كشفت عن ارتفاع جرائم المخدرات وقبل ذلك كشفت الكثير، وقبل أن نفيق من حيرتنا وحسرتنا على ما نفقده ها هي تلحقنا بخبر آخر فيه خسائر مادية وبشرية كبيرة.. وزارة الداخلية كشفت عن إحصاءات رسمية تتعلق بحوادث الحريق في جميع أنحاء السودان، بلغت ?31? حالة وفاة، وإصابة ?35? آخرين خلال الفترة من ?أبريل 2017 ــ مارس 2018م?، وإن عدد حوادث الحريق خلال هذه الفترة بلغت ?2390? حادثاً بجميع ولايات البلاد ولأسباب مختلفة، بينما بلغت جملة الأماكن المتضررة ?3309? منها ?137? مؤسسة حكومية، جملة الخسائر المادية ?67? مليوناً و?610.424″ ألف جنيه في العام 2017، و ?37? مليوناً و?650″ ألف في الربع الأول من العام الحالي.
هذه الأرقام كبيرة جداً وتعكس مدى حالة التخلف التي ما زال يعيشها السودان في مجال إجراءات الأمن والسلامة المتعلقة بالمنازل والمصانع والأماكن العامة عموماً مما يؤكد أن الدولة لا تصرف على هذا المجال، وهنا لن نلوم الداخلية فهي حسب علمنا تملك خبرة جيدة يمثلها الدفاع المدني الذي يعاني من شح الإمكانات وسوء الظروف التي يعمل بها، ولكن هناك جهات أخرى لا تقوم بدورها بسبب سياسات الحكومة العقيمة دائما، و انتشار حوادث الحرائق في المنازل يعني عدم وجود اهتمام رسمي بإنشاء المنازل وتخطيطها والمواد المستخدمة في البناء، وبغض النظر عن كل هذه التفاصيل فإن أسباب الحريق في هذه الظروف متوفرة وأغلب المنازل والمصانع والأماكن العامة معرضة لحوادث الحريق بنسبة عالية ولو لا لطف الله لما بقي منزل ولا مصنع. الغريب في هذه الحوادث هو الذي يقع في المؤسسات الحكومية، و137 حريقاً عدد كبير جداً لا يمكن أن تكون أسبابه هي نفس أسباب حرائق المنازل المعرضة للإهمال ولعب الأطفال واستخدام الفحم المستمر وعوامل أخرى، ولا مثل التي تقع في المصانع، فهي أيضاً بها قدر عالٍ من الإهمال والتوصيلات الكهربائية الخطأ ومغامرات العمال أحياناً واحتكاك آلات وسخونة الجو كل هذا يسهم في ارتفاع حوادث الحريق، أما المؤسسات فلا يمكن أن نصدق إنها تحدث لذات الأسباب خاصة إذا كانت المؤسسة من النوع الحساس وغالباً يكون الحريق محدوداً، وأحياناً تحترق أقسام بعينها، مثلاً أرشيف المالية وأرشيف المسجل التجاري. عموماً أعتقد أن الحكومة هي المسؤول الأول والأخير عن انتشار هذه الحرائق سواء كان في المنازل والمصانع والأماكن العامة أو في المؤسسات الحكومية، ورغم أن الكلام معها لم يعد يجدي خاصة وهي اليوم متورطة في أزمات كثيرة هي السبب فيها، ولكن يبقى الأمل في أن يقوم المواطنون بعملها من خلال توعية الناس بأنواع المواد الآمنة وإجراءات السلامة المنزلية وغيرها من مساعدات يمكن أن يقدمها العارفون والمتخصصون في هذا المجال والمجالات التي تتعلق به، أما حرائق المؤسسات فهي مرتبطة بحالة الفساد المنتشر في الدولة، وزارة الداخلية أعتقد في هذا الشأن منحتنا ما يكفي من معلومات وهي لن تسطيع فعل شيء أكثر من هذا، فضمان انتشار الأمن والسلامة في دولة يرتبط تماماً بأداء وتوجه ونزاهة الحكومة واهتمامها بالمواطن.
التيار



