الحكومة المسلسل

الحقيقة التي لا يسطيع أحد ان ينكرها هي أن الدراما المصرية متفوقة جداً ولها باع طويل في مناقشة قضايا خطيرة وحساسة في المجتمع المصري والعربي والعالمي، ولم تترك مشكلة لم تناقشها بمنتهى الصراحة وخاصة قضايا الفساد والمفسدين والإرهاب وغيرها، وكثيراً ما قدمت صور بشعة لرجال المال والأعمال والسياسة والقانون والطب والهندسة والصحافة من داخل مصر وخارجها، وكثيراً ما تذكر أسماء الدول صراحة في المسلسلات وتظهر أجزاء من أراضيها ومواطنيها في الأحداث، ولم يحدث أن اشتكت دولة إن هناك مسلسلاً يسيء لها، فكلها تعي تماماً أن الفساد بجميع أنواعه والإرهاب هي قضايا عابرة لحدود الدول والقارات، وأعتقد إنه من الحكمة عدم شخصنة الأحداث وتفسيرها بأن المقصود منها إساءة الدولة إلا إذا مست سيادتها.
استغربت جداً لاحتجاج الخارجية السودانية على مسلسل (أبو عمر المصري) الذي يبث في بعض القنوات المصرية لدرجة انها قامت باستدعاء السفير المصري لدى السودان، وسلمته احتجاجاً رسمياً وكتبت تعميماً أوضحت فيه أن المسلسل تم بصورة عكست إصرار البعض على اختلاق وتكريس صورة نمطية سالبة تلصق تهمة الإرهاب ببعض المواطنين المصريين المقيمين أو الزائرين للسودان، وقالت إن هذا العمل المسيء للشعبين الشقيقين قد أساء بوجه خاص للوجود المسالم للمواطنين المصريين بالسودان، والذين هم موجودون بعلم السلطات المصرية وفقاً لاتفاق تسهيل حركة المواطنين بين البلدين الشقيقين.
السؤال الذي يفرض لماذا لم توقف السلطات المصرية المسلسل باعتبار إنه يسيء إليها وإلى شعبها وإلى العلاقات بين البلدين؟، ولماذا لم ترَ إنه يسيء للوجود المسالم للمواطنين المصريين بالسودان؟ ببساطة لأنها ترى إنه عمل درامي فكاتب المسلسل ومخرجه قطعاً لم ينظرا إلى القضية من بعد إنها إساءة بقدرة ما هي معالجة لقضية تعتبر أمراً واقعاً بين حدود الكثير من الدول في الشرق الأوسط .
الحكومة المصرية أخذت حكومتنا (على قدر عقلها) وقال مكرم محمد أحمد، رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام المصري إن ما أثير بشأن ما جاء في مسلسل (أبو عمر المصري) من افتئات على السودان تم النظر فيه وتفنيده، وحذف ما قد يسيء لدولة السودان، مع العلم أن أحداث المسلسل واضحة ولم تتضمن أية إهانة أو اتهام للسودان، أي انهم لا يرون ما تراه الحكومة السودانية في المسلسل وإن حذف المشاهد يتم إرضاء للحكومة السودانية، ومصر لن تفوت هذه النقطة التي ستضيفها إلى حسابتها كلما تعكر صفو العلاقة.
أمر مخجل أن تلتفت الحكومة لقضية تعتبر في الوقت الراهن إنصرافية في ظل أزمات حقيقية يعاني منها الشعب، ولا تفرح فهي لم تحقق نصراً بقدر ما أكدت إنها ما عندها موضوع، أما الأمر المضحك فقد قدمت الحكومة السودانية خدمة جليلة لمنتج المسلسل الذي سترتفع مشاهدته دون حذف لأي مشهد إن لم يكن اليوم فغداً.
موضوع المسلسل لا يسحق أن تمحنه الحكومة السودانية كل هذا الزخم غير المبرر، وهو لا يعكس غير أزمتها مع نفسها فهي تعاني من فوبيا الإعلام والدراما، ولذلك دائماً تحاول قتل الدراما وخنق الإعلام وليس حادث وقف المسلسل الإذاعي السوداني بيت الجالوص وغيرها من مسرحيات إلا دليلاً يؤكد كم أن الحكومة تخاف الدراما.
عموما يجب أن تعلم الحكومة أن الصورة النمطية للسودان لن تتغير ما لم يتغير حاله فقد كانت صورته معروفة بكل ما هو جيد هي من غيَّرتها إلى الأسوأ.
التيار

