من الجيولوجيا والجغرافيا والتاريخ للحقيقة والتاريخ (12)

بسم الله الرحمن الرحيم

ذكرنا في المقالات السابقة ان العلوم الجيولوجية والجغرافية والتاريخ، قديمه وحديثه، ثم العلوم الوراثية والاحياء الجزيئية تستطيع ان تغير المفاهيم المقلوبة والتزييف الذي تعرض له تاريخ العالم ، خاصة تاريخ السودان القديم والحديث الذي نعتبره صاحب اقدم وارقى حضارة بشرية قبل وبعد نوح وطوفانه.
ناقشنا في الحلقات السابقة الخطوط العريضة لجيولوجيا وتاريخ النيل ،ونحاول أن نربط ذلك (بتواجد الانسان) بتلك المنطقة في تلك الأزمان اثناء تطور النيل منذ ميلاده حتى نضجه (النيل الحديث). كل تلك الفترات كان (سكان وادي النيل) يقيمون بارض السودان الحالية، ولم يعرف (جغرافيا) حتى ذلك الوقت (ارض) تسمى مصر (لذا هي هبة النيل)، أو ( شعب يسمى بالمصريين !!!!). في الحلقة السابقة تحدثنا عن الأنيال (جمع نيل) الأولى في مصر (6-7 ملايين سنه)، و عن ما قبل النيل ويعرف علميا باسم (البرينيل)، في الحلقة الحالية نتحدث عن:
نهرا العصر الحجري القديم المبكر
، جاء توقف نهر (ما قبل النيل) مفاجئاً ودون مقدمات. فقد إستمر يجري في حيوية تامة حتى (حل محله نهر موسمي) غذته أمطار محلية زاد سقوطها في خلال فترة مطيرة جاءت على أرض مصر. ولم يكن النهر الجديد الذي إحتلت مياهه نفس مجرى ما قبل النيل من مصدر للمياه غير الأمطار المحلية التي بدأت في فترة العباسية المطيرة الأولى فقد إنقطعت صلة النيل بأفريقيا في هذه الفترة، وقد حمل هذا النهر الموسمي رواسب من الحصباء ، وهي حجارة مستديرة يزيد قطرها على 2سم ،جرفتها فروعه المتعددة من فوق جبال البحر الأحمر والنوبة التي كانت سطوحها قد تعرت في فترة الجفاف التي عاصرت فترة آخر ما قبل النيل, فرسبتها فوق الرواسب الرملية لهذا النهر القديم في جنوب الوادي. وتشبه الحصباء التي حملها هذا النهر القديم ما تحمله وديان الصحراء الشرقية في العصر الحديث بعد كل فترة أمطار أو سيول.
وقد تخللت فترة جريان هذا النهر الموسمي فترة قصيرة عاود النيل فيها إتصاله بأفريقيا. وقد إختلف هذا النهر الأفريقي عن نهر ما قبل النيل الذي كان يأتي من أفريقيا أيضاً, فحمل إلى مصر رواسب طميية ناعمة تشبه لحد كبير التي يحملها النيل الآن، مما يشير إلى أن هذا النهر كان أقرب إلى النيل الذي نعرفه الآن عنه إلى نهر ما قبل النيل إذ يبدو أنهما جاءا من المنبع نفسه. وفي الحقيقة فإن هذا النهر الجديد ذا الأصول الأفريقية كان أول الأنهار ذات رجيم النيل الحديث (النيونيل) الذي كثيراً ما كان يروح ويجئ منذ ذلك التاريخ. وقد سمي أول هذه الأنهار بالنيونيل الأول (بنهر دندرة) وهي البلدة التي تظهر بجوار معبدها الشهير رواسب هذا النهر في أحسن صورة. وتقع بلدة دندرة إلى الغرب من مدينة قنا بالصعيد.
كان نهر دندرة أقل قوة وحيوية من نهر ما قبل النيل, ولكنه كان نهراً قوياً إذا ما قورن بكافة الأنيال الحديثة التي تلته. وقد بدأ هذا النهر بحفر مجراه وتعميقه في رواسب نهر ما قبل النيل، ثم عاد فبدأ في بناء مرقده بطبقات من الطمي التي كان يحملها، فارتفع مرقده إلى منسوب ما بين 23 و 25 م فوق منسوب النيل الحديث. ولابد أن النهر كان يحمل من المياه كميات أكبر مما يحمله النيل الحديث. وتعود كثرة مياه هذا النهر عما تلاه من أنهار، ولو في جزء منها، فيما يبدو إلى وصول كميات وفيرة من المياه من (الهضبة الإستوائية)، والتي أمكن لها أن تعبر منطقة السدود دون فاقد كبير . فلم تكن بمنطقة السدود في ذلك الوقت حشائش أو أحراش, فقد ظلت لمدة طويلة قبل وصول نهر دندرة جافة أو قليلة الأمطار.
وعندما (وهن النهر دندرة) حل محله نهر محلي وموسمي تزامن مع فترة العباسية المطيرة الثانية. وقد حمل هذا النهر كميات هائلة من (الحصباء)التي كانت تجرفها الأمطار من هضاب وجبال الصحراء الشرقية المصرية. وتتميز حصباء هذا النهر الجديد بوجود عدد كبير من (الأدوات الحجرية للإنسان الحجري القديم المبكر) الذي لابد أنه قد ظهر على أرض مصر على نطاق واسع في ذلك الزمان.
وتوجد أشهر مواقع حصباء فترة العباسية المطيرة الثانية في صحراء العباسية إلى الشمال من القاهرة وقد وصف هذا الموقع بوفيير لابيير في عام 1926 كما وصف أيضاً الأدوات الحجرية للإنسان القديم التي إستخرجها منها والتي تفاوتت في عمرها بين (أول العصر الحجري القديم وآخره).
وتنتشر حصباء العباسية في الكثير من المناطق الواقعة حول الوادي، وتستعمل على نطاق واسع كمحاجر للزلط المستخدم في أعمال البناء. ويصل سمك حصباء العباسية في الكثير من الأماكن إلى أكثر من 30 م ، وإن كان متوسط السمك هو في حدود 15م.
كان تكوين حصباء العباسية الثانية خلال عصر مطير تزامن الإنسان في أماكن كثيرة في أرض مصر, وقد اكتشفت بقايا الأدوات الحجرية التي استخدمها هذا الإنسان في مناطق كثيرة في (الصحراء الغربية) وعلى طول وادي النيل وفي بعض وديان الصحراء الشرقية. أما في الصحراء فقد وجدت هذه الأدوات بجوار آبار إرتوازية نشطت في ذلك التاريخ البعيد، أو في رواسب بحيرات قديمة كانت تزين الصحراء في هذه الفترة المطيرة ، أو في دلتاوات الوديان التي نشطت في هذه الفترة، او في سفوح الكثير من الجبال، توجد الأدوات الحجرية لهذا العصر وسط حصباء العباسية الثانية حول وادي النيل. وقد تعرضت معظم مواقعها لعوامل التعرية فأزالت الكثير من ملابساتها ومعالمها مما جعل اعادة بناء شكل المستوطنات التي عاش فيها هذا الإنسان القديم صعباً. ولم يكشف في أي من هذه الأماكن عن بقايا أي من الحيوانات أو النباتات التي عاشت خلال هذا الزمان. كما لم يتم تأريخ أي من هذه الأماكن تأريخاً مطلقاً. على أن جملة الشواهد تؤكد أن العصر الحجري القديم المبكر الذي تزامن وفترة العباسية المطيرة الثانية كان عصراً مطيراً إرتفع فيه منسوب المياه الأرضية في الصحاري فتفجرت الآبار الارتوازية في الكثير من الأماكن فيها وتجمعت المياه في الكثير من المنخفضات وشكلت بحيرات واسعة من أشهرها ما تم الكشف عنه ف يقلب جنوب الصحراء الغربية المصرية في منطقتي (بير صحاري وبير طرفاوي), كما كانت الأمطار كافية لكي يجري في وادي النيل (نهر عارض وموسمي)، وأن تتكون على جوانب الوادي أنواع من التربة التي لا تنشأ إلا في مناطق الأمطار تتراوح بين 250 و 600 مم في السنة.

نبيل حامد حسن بشير
جامعة الجزيرة
28/5/2018م
[email][email protected][/email]

تعليق واحد

  1. طيب وما قبل العباسية وقبل ما قبل النيل كان في سودان ولا أحباش؟ قال عشان تعرف اصلك وفصلك أن كنت سوداني؟ غايتو جنس فنطزة!

  2. طيب وما قبل العباسية وقبل ما قبل النيل كان في سودان ولا أحباش؟ قال عشان تعرف اصلك وفصلك أن كنت سوداني؟ غايتو جنس فنطزة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..