مونديال كرة القدم في روسيا

تاريخيا بدأت كرة القدم الحديثة في انجلترا ثم انتقلت الي بقية مستعمرات الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس ، انتشرت اللعبة عن طريق البحر فكانت المدن الموانئ بها اعرق الفرق الرياضية و عن طريق السكك الحديدية بواسطة المهندسين البريطانيين ، لكن الدور الاساسي لعبه الجيش البريطاني الذي كان منتشر في كل قارات العالم فحدث غزو رياضي بكرة القدم لكل العالم بفضل معسكرات الجيش ، نلمح تحولا كبيرا في مسيرة و محطات كرة القدم بعد ان كانت رياضة حكرا علي الانجليز ، فتحولت في اقل من قرن و نصف الي اكثر رياضة شعبية في العالم . و انشأت امبراطورية تأسر بسحرها كل الشعوب و تعشقها كل الطبقات الاجتماعية . اصبحت انشودة يتغني بها الكل كبار وصغار، رجال ونساء ….
يشرف الاتحاد الدولي لكرة القدم علي تنظيم اللعبة علي مستوي العالم والذي يطلق عليه اختصارا اسم الفيفا من الاسم الكامل باللغة الفرنسية ، مقر الفيفا في زيورخ بسويسرا ، يقع علي عاتق الفيفا سن اللوائح و الانظمة و ضمان تنفيذها ، و القيام بمتابعة التحسين المستمر للعبة كرة القدم و تنظيم المسابقات الدولية و الترويج للعبة في كل انحاء العالم في ضوء القيم الانسانية السامية و التربوية النبيلة و يمنع التفرقة و التمييز ايا كان نوعه ضد شخص او بلد و معالجة كل النزاعات التي قد تنشأ بين الاندية من جهة و اللاعبين من جهة اخري ، أو تفصل في كل الشكاوي بين الاندية و الاتحادات ، يساعد الاتحاد الدولي الاتحادات القارية و المحلية الوطنية ، واجهت الفيفا اكبر قضية في تاريخها و هي قضايا الرشوة والفساد المتنوع والمتشعب و الذي أماط النقاب عن تحكم بعض الأشخاص و المنظمات بصورة غير أخلاقية علي مفاصل المؤسسة ، و لحظتها تبين عدم احكام الشفافية و العدالة في كثير من المواضيع وانعدام التنافس الشريف ، لكن بشجاعة نادرة تم عمل تحقيقات قانونية نتج عنها الاعتراف بوجود فساد اداري و مالي لذا تمت الإطاحة بالعديد من المسؤولين علي رأسهم الرئيس السابق للفيفا ، و للحقيقة تخطت المنظمة هذه اللحظة المفصلية في تاريخها و لكنها تحتاج لسنوات طوال للتعافي من هذه القضية التي كادت ان تعصف بها ….
لكرة القدم مشجعين و معجبين في كل انحاء العالم ، مع تفاوت الحب و الجنون بها بين الشعوب ، المونديال هو اكبر احتفالية لكرة القدم علي المستوي العالمي ، نجد اهتمام واضح بالمونديال بين الشعوب و الحكومات ، لكن هناك اختلاف واضح في الجانبين ، فالشعوب تعبر عن اهتمام عاشق يرغب في الاستمتاع بالفنون و المهارات مضحيا في سبيلها بالمال و الوقت و الصحة ، بينما الحكومات تسعي لأرضاء الشعوب و استغلال مناسبة فوز الفريق الوطني الذي يعزف له السلام الجمهوري ، علي الرغم من وجود عدد من الحكام و الوزراء يشجعون كرة القدم ، لكن السلوك الشخصي شيء ، و الاهتمام الحكومي شيء آخر ، دوما السياسة تتدخل في اطار الكسب لمجريات المونديال من باب تثبيت لاركان حكم يفتقد التأييد أو كسبا لسند مفقود أو أضفاء شرعية علي حكم دكتاتوري ، و لكي لا اطلق الحديث علي عواهنه استدل بأعظم دولتين قدمتا السحر و الجمال و الشهرة لكرة القدم هما البرازيل و الأرجنتين ، ففوزهما بكأس العالم عدة مرات استغل من قبل الحكومتين في تثبيت و اعطاء شرعية للحكم العسكري في كليهما ، بل وصل الامر في الارجنتين بان يتم تصوير الفوز علي انجلترا في مونديال 1986 بانه تعويض عن الخسارة العسكرية في جزر الفوكلاند ، هكذا يتم تغيب الشعوب عن الواقع السياسي و محاولة رتق النسيج الاجتماعي المهترئ . الاتحاد الدولي لكرة القدم يرفض تدخل السياسة في الرياضة، لكن الجدل مستمر بين فريقين أحدهما يعتقد بان تدخل السياسة في الرياضة شئ عادي باعتبار ان الفرق ترتدي الزي القومي ويتم عزف السلام الجمهوري لها، بينما الفريق الاخر يناهض تدخل السياسة في الرياضة، هذا الخلاف الذي لا يمكن حسمه سيستمر ويتواصل ما بقي الاتحاد الدولي يرفض العلاقة بين كرة القدم والسياسة صامدا في موقفه لا يركع للسياسيين، على الرغم من أن الواقع عكس هذا الامر ….
الساحرة المستديرة رغم عشق الناس لها، لكنها كانت سببا في عدة مآسي وكوارث لا تزال الذاكرة العالمية تحتفظ بها، فالحرب بين هندوراس والسلفادور سميت ” حرب كرة القدم ” راح ضحيتها كثير من الناس في الدولتين بسبب كرة القدم، وحادثة ملعب هيسل 1985 نتيجة اعمال الشغب التي بدأت من مشجعي ليفربول الانجليزي ضد مشجعي يوفنتوس الايطالي والتي خلفت عدد من الضحايا، مما استدعي حظر جميع الاندية الانجليزية من اللعب في المنافسات الاوربية. و هنا يمكن القول ان العيب ليس في كرة القدم كمنشط رياضي، بل المشكلة في المشجعين المهوسين بها لمرحلة الجنون مع التعصب الأعمى، كرة القدم لها عدة ايجابيات فهناك دول اشتهرت لوجود لاعب ماهر أو مباراة في الذاكرة او قدمت منتخب او فريق يشار له بالبنان مثل البرازيل التي فازت عدة مرات بكأس العالم . فهناك اسماء لاعبين مشهورة اكثر من رؤوساء حكومات و هذه حقيقة مسلم بها ، و يمكن القول ان كرة القدم تختلف و تتميز عن العولمة التي سيطرت علي كل العالم ، فبينما العولمة تهتم بمحو الهوية الوطنية ، نجد ان كرة القدم تعيد احياء الهوية الوطنية ، فنري توحد البلاد من اجل تشجيع و مساندة فريقها الوطني ، فالشعب يتناسي الاختلافات العرقية و الاثنية و الدينية و الانقسامات الايدلوجية و التباين السياسي و الثقافي و الاجتماعي بينهم ، لذا المنتخب الوطني اصبح مطلب للشعب لرمزيته الوطنية في المحافل و المنافسات الرياضية العالمية كالمونديال ، فكل شخص يتمني ان يري علم بلاده في هذا العرس الكروي العالمي و الذي يتكرر كل اربع سنوات . فالقوة المطلوبة لاي دولة نوعان الاولي قوة استراتيجية عسكرية ضاربة و هي مخيفة ، القوة الثانية الناعمة و يمكن ان تكون كرة القدم احدي القوي الناعمة للدولة ….
دولة مثل كوريا الشمالية كانت منغلقة علي نفسها ، استسلمت لجنون و فنون وسحر كرة القدم ، بينما ظلت سد منيع ضد كل التأثيرات الخارجية الاخري ، كرة القدم وصفها العالم الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر ” كرة القدم هي مجاز يعبر عن الحياة كلها ” ، كرة القدم تحولت الي احتفالية لا متناهية هي صورة عبقرية الحياة ، الجدير بالذكر ان هناك جامعة مستقلة ببرشلونة الاسبانية لها مبادرة تهدف الي اقامة تجربة علاجية لمرض الزهايمر الذي يفقد الانسان ذاكرته و قدرته علي التركيز ، الفكرة الجوهرية للمبادرة الاعتقاد في كرة القدم فيمكن ان تكون فعالة في مساعدة المرضي المصابين بفقدان الذاكرة و ضعف التركيز ، و علي تجاوز كل الآثار المرضية لهذه العلة ، و هنا نلاحظ ان كرة القدم بكل ما تحفل به من لحظات الفرح و الحزن و الشغف و الحماس ، يمكن ان تكون علاجا نافعا للتخلص من الآثار الخطيرة لمرض فقدان الذاكرة . اسهمت كرة القدم في وحدة شعوب ، فاقليم كتالونيا الذي يسعي للانفصال ، هذه الايام اصطفوا خلف الفريق الاسباني متناسين دعواتهم للانفصال عن اسبانيا ، و هناك امر هام جدا هو الكاريزما التي يمتلكها بعض اللاعبين الموهوبين الذين يؤثرون علي الرأي العام ، مثلا مساندة قضية معينة ، بالتالي يقوم المشجعون بتبني ذات القضية ، وكمثال اخر الخلافات السياسية بين روسيا و الغرب تم تجاوزها و حطت المنتخبات الاروبية رحالها موسكو ، لذا استطاعت الكرة المستديرة بسحرها ان تحقق التآلف و الترابط بين الشعوب ، وهذا ما لم تقدر عليه المفاوضات بين الدول تحت مظلة الامم المتحدة ….
روسيا تستضيف المونديال هذا العام لاول مرة في تاريخها ، من المتوقع انفاق 13 مليار دولار تقريبا علي البطولة ويتوقع عائد ربحي ضعف هذا المبلغ ، هذا المونديال يعتبر الاغلي من حيث التكلفة . روسيا ستكون قبلة العالم من خلال المتابعة العالمية للمونديال سواء بالحضور او المشاهدة خلف شاشات التلفاز، الرئيس الروسي أكثر الناس سعادة بهذا الحدث فكان تأكيده المستمر بالترحيب بالضيوف، وعبر عن آماله بان لا تقتصر المناسبة والكرنفال العالمي على المباريات فقط، بل تمني ان يكون هناك دورا للثقافة والتراث والتاريخ الروسي وسلوك شعبها الكريم وطبيعتها الجميلة الغنية بالتنوع، وهنا ركز عن الانطباع الجيد الذي سوف يكون في مخيلة كل من يشاهد المونديال داخل او خارج روسيا. يري بوتين نجاح تنظيم هذا الحدث بمثابة رسالة للعالم بان روسيا تحقق نجاحا رغم العقوبات المفروضة عليها نتيجة احتلالها جزيرة القرم ، و حقيقة هذا النجاح يحسب له لانه برهان علي كسر العزلة الدولية المفروضة علي موسكو ، بوتين الفائز قريبا بالانتخابات يعطي الناخبين البشري بأن روسيا قوة كبري ذات نفوذ و لها كلمة مسموعة في الشؤون الدولية ، و بالفعل يشعر الروس بالفخر لانهيار كل المحاولات الغربية لعزل و تدمير روسيا ، و هنا اعتقد ان بوتين نجح عام 2018 فيما اخفق فيه غورباتشوف 1989 في الحفاظ علي قوة ووهج العقيدة الحمراء ، نعم سوف تتغير صورة بوتين رجل روسيا في اذهان العالم الغربي نحو الافضل ، ستنجح روسيا في تحقيق مكاسب اقتصادية و اجتماعية لكن الاهم هو الوهج السياسي و الحضور القوي الذي ستكتسبه في العودة للملفات الدولية كقطب فقد بريقه لعدة سنوات . روسيا ستعمل علي تلميع صورتها في جميع المستويات ، بدء باظهار قوتها الجديدة و عودة عظمتها، و الانتقال للرياضة و هي افضل انواع القوة الناعمة، موسكو وجدت فرصة عظيمة لتقديم نفسها للعالم بأبهي و اجمل صورة. ” موسكو اجمل مما توقعنا ” هكذا عبر الضيوف بانبهارهم لدي وصولهم موسكو، الجميع حضر لتشجيع فريقه، لكنهم وجدوا فرصة للاستمتاع بعاصمة ” الجمال الناعم ” ، حقا اذهل الروس العالم كله ، لكن بعد هذا الزخم و الابداع و الدهشة في عيون المشجعين ، يتبادر الي ذهني سؤال هل يصلح عطار الرياضة ما افسدته السياسة ؟
[email][email protected][/email]


