مقالات وآراء

من يقتل المرضى الفقراء فى السودان ؟!

بعد أن ثبت أن مبيد زراعي له تأثير ضار على الإنسان وقد يصل إلى إصابته بالسرطان. شنت جماعات حماية البيئة في فرنسا حملة كبيرة ضد هذا المبيد واستجابت الحكومة الفرنسية وأصدرت قرارا بحظر استعماله بعض المزارعين الفرنسيين غضبوا من هذا المنع لأنه سيؤثر على جودة المحاصيل وأثناء زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون للمعرض الزراعي في باريس اجتمع عدد من المزارعين الفرنسيين حول الرئيس الفرنسي وعبروا عن غضبهم بسبب منع المبيد بكثير من عبارات الاستهجان في وجه الرئيس الذى بدا عليه الغضب وصاح في وجه أحد المزارعين المعترضين: أنا الرئيس المسئول. سيقول لي الناس يوما إنك كنت على دراية باستعمال هذا المبيد ولم تحرك ساكنا. بينما أنت هنا تطلق الصفارات وتتحدث وأنت تنظر لي العين بالعين. فرد عليه المزارع : أيها الرئيس تكلم معي بأدب نحن في بلدنا. وإنتشر هذا الفلم في كثير من مواقع التواصل (الآن موجود على اليوتيوب يمكنك مشاهدته) وكان قصد المزارع بهذه الجملة أنه مواطن فرنسي ومن حقه أن يعبر عن غضبه في وجه رئيس الجمهورية طبعا لو حدث ذلك في بلد نظامه إستبدادي ستقبض الشرطة على هذا المزارع فورا وسيتعرض لتعذيب بشع حتى يعترف أنه عميل لمخابرات أجنبية ثم سيحال للمحاكمة تشمل إهانة رئيس الجمهورية ومحاولة إسقاط الدولة وقلب نظام الحكم بالإضافة إلى زعزعة الاستقرار

كل من شاهد هذا المقطع قال: أن المزارع الفرنسي تصرف بهذه الشجاعة لأنه يعلم أن ماكرون رئيس ديمقراطي منتخب لن يعتقله ولن يؤذيه لكن لا أحد سأل هذا السؤال : لمن يعود فضل الديمقراطية ؟ فضل الديمقراطية يا سادة يا كرام يعود للمواطن وليس لرئيس الجمهورية والأوربيون عانوا الكثير مع الأنظمة الإستبدادية السابقة وضحوا وماتوا ودفعوا الثمن لأجل الديمقراطية التي يستمتعون بها اليوم

المواطن في النظام الديمقراطي لا يعتبر رئيس الجمهورية والده ولا الوزير محصنا من الإنتقاد والوزير يفهم جيدا من حق المواطن أن يطالبه بتحسين الخدمات لأنه من أتى به إلى هذا الكرسي ويستطيع إسقاطه في أي لحظة وكما يعلم الوزير تماما إنه لو إختلف مع رئيس الجمهورية سيستقيل على الفور لعلمه إن الذي أتى به هو المواطن وليس الرئيس وسيعيد إنتخابه مرة أخرى اذا احسن خدمته وفي النظام الديمقراطي يتعامل مع الوزير أو الرئيس باعتباره موظفا عاما من واجبه أن يخدم المواطنين.ونطلب منه أن يؤدي واجبه في خدمتنا فإذا قصر يكون من حقنا أن نلومه ونوبخه.

إستذكرت هذه المشادة بين الرئيس ماكرون والمزارع الفرنسي بعد أن قرأت في صحيفة الراكوبة الغراء هذا العنوان (الصحة تقاضي مواطنا نشر صورا لتردي البئية بمستشفى بحري وصورة لجثة لها أكثر من 12 ساعة وسط المرضى ومريض ملقي على الارض ليتلقى العلاج) ما أعتقد في أسوأ من هذا (!!!) هذا المواطن يجب تكريمه وشكره ومنحة شهادة تقدير من الوزارة لحرصه على حياة الناس وإكرام الحيين والميتين في آن واحد ألم تسمعوا بمقولة (إكرام الميت دفنه) فلماذا لا يتم إكرام هذا الميت ودفنه؟ تلاحقونه ميتا وحيا بالذلّ والإهانة. ؟؟

بعد أن أقرت الوزارة بهذا الإهمال إذا فيما التقاضي ؟ ومن يشكو من يا وزارة الصحة ! ؟ ان لم تستح فأصنع ما شئت.. في إعتقادي هو إرهاب وتخويف للناس للصمت على الفساد كنت أتمنى أن يصدر بيان رسمي من لجنة محاربة الفساد لو كانت موجودة فعليا او بيان من نقابة الاطباء لتوضيح موقفها من هذا الاهمال !!! هناك ألاف القصص اليومية المؤثرة لكثير من المرضى في دارفور وكردفان والجزيرة وكل السودان والتي لا يعلم بها أحد وفوق كل هذه المآسي والوفوضى يستكثرون علينا أن نتشاكى في ما بيننا حتى لو بالصور عبر الوسائط فقط لأنه لا يوجد أصلا من نشكو اليه حالنا وينصفنا غير الواحد القهار

إن مسئولية الإهمال وقتل المرضى الفقراء فى مستشفيات الدولة التعيسة تتعدى وزير الصحة إن المأساة تبدأ من اعلى (الدرج) الذى هو بالرغم من احترامنا لمنصبه، لم ينتخبه أحد ولا يستطيع أحد محاسبته وكل من تسول له نفسه بإنتقاده أو محاسبته أو لومه على بعض سياساته وإختياره لبعض السئين سيلقى مصيره وبالتالى فهو لا يشعر باحتياج حقيقى الى إرضاء المواطنيين ولا يعبأ كثيرا برأيهم فيما يفعله لأنه يعلم أنه قابض على السلطة بالقوة ولديه أجهزة قمع جبارة كفيلة بالتنكيل بأى شخص يسعى الى زحزحته من منصبه..

الرئيس في دولة الاستبداد دائما يعلو على المحاسبة، محصن ضد التغيير، يختار وزراءه ويقيلهم لأسباب لا يجد نفسه مضطرا لشرحها للرأى العام وبالتالى يصبح هؤلاء الوزراء مسئولين أمامه فقط وليس أمام المواطنيين فيصير كل همهم إرضاء الرئيس ولا يعبأون إطلاقا بما يحدث للناس نتيجة سياساتهم.. حتى لو مات الشعب عن بكرة أبيه طالما ولي نعمتهم راضي ومبسوط عنهم

إن صحة سيادة الرئيس عند وزير الصحة أهم ألف مرة من حياة ملايين المرضى الفقراء لأن الرئيس وحده هو الذى يملك إقالته فى أية لحظة.. فى ظل هذا الانفصال الكامل بين السلطة والناس، يظهر نموذج يتكرر فى الدولة : مدير المستشفى الذى توصل الى إرضاء رؤسائه بطريقة ما، مما جعله محصنا بدوره ضد المحاسبة والتغيير كالوزير تماما وهو لا يكلف نفسه حتى بالذهاب الى المستشفى وإنما يديره تليفونيا وجلّ وقته يقضيه في عياداته الخاصة وعمله الخاص كما أنه يتعامل مع المرضى الفقراء باعتبارهم كائنات مزعجة يشكلون عبئا عليه وعلى المجتمع والدولة لماذا ؟ الاجابة : (لأنهم سيموتون في النهاية !!) ثم يأتى التشوه الأخير فى الأطباء المساكين والعمال وبقية الموظفين في المستشفى فهم فقراء ومحبطين تماما مثل المرضى ويقومون بإعادة إنتاج هذا على الآخرين وإحساسهم بالتعاسة يتحول الى سلوك عدوانى ضد المرضى والمرافقين فيستمتع بالتحكم فيهم وإذلالهم . وبكل تأكيد لن يصمت الاخر وبذلك ينتشر العداء بين المرضى والطاقم الطبي ونسمع كل يوم باعتداء على طبيب او موظف او ممرض وهكذا

هذه السلسلة الجهنمية التى تبدأ بالاستبداد وتؤدى الى الإهمال والفساد تتكرر كل يوم فى جميع أنحاء السودان وتنتهى بقتل المزيد من الفقراء.. والذي يحدث في المستشفيات هو ذاته ما يحدث فى الطرق وكثرة الحوادث المرورية عليها نتيجة للفساد الذي صاحب إنشائها وصيانتها وكذلك ما يحدث في إدخال البذور الفاسدة والتقاوي المسرطنة وادخال المواد الغير مطابقة للمواصفات والمخدرات . ومن المحزن أن عدد ضحايا الفساد نتبجة الإهمال في مرافق الدولة في تزايد مستمر متى يتوقف هذا النزيف ؟ ان تغيير وزير او اقالة مدير أو نقله لن يوقف هذه الجرائم البشعة ..الحلّ في الديمقراطية عندها سيكون الرئيس ووزراؤه منتخبين وقابلين للمحاسبة والعزل بواسطة الشعب عندئذ فقط سيحرصون على حياة الناس وصحتهم وكرامتهم.

ياسر عبد الكريم
[email][email protected][/email]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..