مقالات وآراء

الشهادة السودانية

يفترض أن يكون امتحان الشهادة السودانية هو نهاية لمشوار ملئ بالقلق والتّرقُّب بالنسبة للطلاب والأهل ونقلة في حياتهم، فالجامعة ليست كالمدرسة، هي مرحلة مُختلفة تماماً ومشوار جديد يجب أن يختار الطالب كيف يمضي فيه غير مُضطرٍ، ولكن ما يحدث الآن هو أن الشهادة السودانية أصبحت بداية لمرحلة أخرى من القلق ومُشواراً يمضي فيه أغلب الطلاب غير سُعداء، وهذا سببه أن نظام التعليم في السودان لا يُلبي طُمُوحات الطلاب ولا يُؤهِّلهم بِمَا يكفي لمرحلة ما بعد المدرسة، وليس أدَلّ على ذلك أكثر من الظُّروف التى يَعيشها الطلاب وأهلهم قبل وأثناء وبعد الشّهادة السُّودانية .
منذ أن ظهرت الشّهادة السُّودانية الأسبوع الماضي، الطلاب وأُسرهم في حالة قلق.. مَن أحرز نسبة عالية أو متوسطة أو مُتدنية وحتى الراسبين، فكل منهم يجد نفسه أمام مَحَكٍ يجبره على القلق، فنظام التّعليم ذاك يَجعل كَثيراً من الطلاب ليست لديهم القُدرة على اختيار التّخَصُّصات المُناسبة حسب الرغبة والإمكانات ودُون قلقٍ، وهذا ما يثبت وجود فشل معرفي عند شريحةٍ عَريضةٍ من الطلاب، وما يزيد الأمر سُوءاً تأثير الأسرة والمُجتمع فيدخل الطلاب في حِيرةٍ من أمرهم!! حيرة طلاب الشهادة السودانية تلك جعلتهم يلجأون إلى طلب المُساعدة من أيِّ شخصٍ علّهم يجدون السّلوى، وعلى قول المثل (العندو رايحة بفتح خشم البقرة)، وقد لاحظت ذلك من خلال المُساعدة التي يطلبونها في قروبات وسائل التواصل الاجتماعي.. وطبعاً السودانيون بطبيعتهم كُلهم (أهل شُورة) فقط أنت أطرح مُشكلتك وانتظر ستجد أنّ الجميع يُقدِّم لك النصح والإرشاد حتى ولو لم تكن لديه علاقة بالموضوع، وستجد أمامك عشرات النّصائح التي قد تدخلك في مَتَاهةٍ أكبر، وهذا ما سيحدث لهؤلاء الطلاب .
من بعض الأسئلة التي شاهدتها في القروبات، طالب يقول إنّه أحرز 92% علمي فبماذا ينصحه الناس، علماً بأنّه ليست لديه رغبة محددة، طالب آخر قال إنه أحرز 72% ويريد إرشاده إلى كلية أدبية تتناسب مع نسبته وفي نفس الوقت تُتيح له إيجاد عمل عندما يتخرّج، طالب آخر قال إنّه يريد أن يدرس صيدلة وامتحن للمرة الرابعة ولكنه يحرز نفس النسبة 85% فبماذا ينصح، وقد قرّر أن يترك الجامعة لأنّه لم يجد رغبته، آخر قال إنّه أحرز 66% أدبي ولكن ليست لدية رغبة في الجامعة لأنّه يعمل ?ميكانيكي? شاطر مع عمه ولكن والدته تريده أن يدخل الجامعة وهو يسأل عن كلية سهلة يرضي بها والدته حتى ولو قُبول خاص.. هذه مُجرّد أمثلة، وأهل الشورة ما قصّروا، انهمرت عليهم النصائح كالمطر، وأعتقد أنّ كثرة الآراء والنصائح قد تُورِّط الطالب في كليةٍ لا تُناسبه.. عادةً نسبة كبيرة من الطلاب يدفعون ثمن سُوء الاختيار أثناء فترة الجامعة، بَعضٌ يستسلم لقَدره ويُواصل ويتخرّج، وبَعضٌ يُحاول البحث عن مَخرجٍ، وبَعضٌ آخر يترك الجامعة نهائياً، وَقَد عَايشت هذه الأزمة مع عَددٍ كَبيرٍ من الطلاب بحكم عملي.
لا شَكّ أنّ كل هذا القلق مصدره النظام التعليمي، فهو نظام هشٌ ومُتخلِّفٌ وغير متطوِّر ويتسبّب في تدمير عُقُول الطلاب أكثر من بنائها، ويفترض أن يكون الطَالب في هذه المَرحلة قد عرف بالضبط ماذا يريد، إن أحرز نسبة عالية أو متوسطة أو متدنية أو حتى رسب!! ولذلك نقول لا بُدّ من إعادة النظر في نظام التعليم العام كله وتأسيس نظام تعليمي قادر على استيعاب مقدرات ورغبات الطلاب ومُلبٍّ لحاجة الدولة والمُجتمع، ولكن قبل هذا لا بُدّ من إيجاد طريقة يُمكن من خلالها توجيه الطلاب توجيهاً صحيحاً الآن حفاظاً عليهم من الضياع .

التيار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..