النظام العالمي الجديد و استراتيجية تعدد الاقطاب

بنهاية الحرب العالمية الثانية في 1945 بدأت تتبلور فكرة تكوين ملامح نظام عالمي جديد، فالقطبية التي ظهرت في شكل احلاف بين المعسكرين الشرقي والغربي كانت عنوان لمرحلة جديدة، احتكار القيادة للعالم من جانب قوتين عظيمتين اختلفت ايديولوجياتهم ” الاشتراكية و الليبرالية ” و توازنت قدراتهما العسكرية مع استبعاد نشوب حرب مباشرة بينهما ، شهدت هذه الفترة صراع وشد وجذب دولي كبير، ظهر صراع مسلح وغزو أجنبي في بعض المناطق في العالم ، و الحروب بالوكالة كانت سمة أساسية لنموذج الصراعات بينهما ، خلفت هذه الحروب كثير من المآسي والاحزان لكثير من شعوب العالم ، اطلق علي تلك الحقبة الحرب الباردة . انتهت الحرب الباردة بانهيار منظومة الاتحاد السوفيتي، لذا أسدل الستار على مرحلة صراع عالمي استمر لنصف قرن من الزمن. ثم بالانتقال للقرار التاريخي الشجاع بتحطيم جدار برلين و توحيد الالمانيتين تغييرت الامور كثيرا ، انتهت حرب الجواسيس ، وعلى مدار ثلاثة عقود استمر” حلف الناتو” كرمز للمنتصرين في الحرب الباردة، وفي نفس الوقت سقوط “حلف وارسو ? أدي لتفكك دول اوروبا الشرقية ، حلف الناتو اظهر التوافق والانسجام بين الولايات المتحدة الامريكية و دول اروبا الغربية، بل وصل لمراحل متقدمة في وحدة المصالح و الدفاع عنها و توحيد الآراء و الأفكار في كثير من القرارت الدولية في منعطفات مهمة في التاريخ الحديث، مما جعل هناك تناغم في كثير من المواقف ….

بعد وصول ترامب للحكم ظهرت كثير من المؤشرات الجديدة، ونلمح عدد من المعطيات لسياسة جديدة تنتهج من قبل واشنطون تجاه شركائها في حلف الناتو، وكذلك مع جيرنها في الجنوب ” المكسيك ” و في الشمال ” كندا ” . و لكي ننظر للامور بصورة واضحة، نتذكر وعود ترامب الانتخابية أيام التنافس للفوز بمقعد الرئاسة ، فكان هناك وعد ببناء جدار مع المكسيك لمنع الهجرة و تهريب المخدرات و ان كان لم ينفذ حتي الان بسبب الاختلاف في مسألة من يتحمل التكلفة ، كذلك ذكر في كثير من اللقاءات انه لا يؤيد فكرة الاتحاد الاروبي ، وأشاد بنتيجة استفتاء بريطانيا للخروج منه ، و كذلك تهديده بالانسحاب من اتفاقية المناخ التي تدعمها اوروبا بصورة قوية ، واعتراضه علي الاتفاق النووي مع ايران ، ملاحظاته الكثيرة حول أداء حلف الناتو و كيفية تمويله ، الصرف علي منظمات الأمم المتحدة و إيقاف المساعدة الإنسانية خارج الولايات المتحدة . هذه الأمور تم تنفيذ كثير منها بعد استلامه الحكم في يناير 2016. ما يحصل الان هو تعبير واضح لجدية تعهدات ترامب الانتخابية، وهذه اجندة للتنفيذ وليس دعاية للحملة الانتخابية او خداع الناخبين، و نلمح التزام بما تعهد به ترامب، قد يحسب بانه نوع من الانقلاب علي معظم السياسات القديمة في عهد باراك أوباما داخليا و خارجيا ….

خروج واشنطون من منظمة اليونسكو و مجلس حقوق الانسان قد يكون إضافة جديدة لقائمة طويلة من الخلافات في الوقت الراهن بين واشنطون و حلفائها الغربين ، فرض سلسلة من الرسوم الجمركية علي الواردات من اوروبا أيضا وسع الهوة بينهما، كذلك الخلاف الذي ظهر في قمة مجموعة الدول الصناعية السبع مؤخرا في كندا و انسحاب ترامب من البيان الختامي بل وصل الامر لانتقاد رئيس وزراء كندا ، انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع ايران و اعادة العقوبات عليها ، فرض عقوبات علي الشركات الاوربية المتعاونة مع ايران جعل عدد كبير منها ينسحب من الأسواق الايرانية ، مما مهد لدخول شركات روسية و صينية مكانها ، تسببت هذه الإجراءات في حدوث توتر في العلاقات بين شرق و غرب الاطلسي و يفاقم شعور اوروبا بان واشنطون لا تضع اعتبار لمصالح حلفائها ، ترامب يضغط علي المانيا لوقف مد خط انابيب الغاز من روسيا اليها و هذه الضغوط ترفضها ميركل بل تقول انها لن تعاقب شركاتها ، انسحاب الولايات المتحدة من منظمة حقوق الانسان التابعة للامم المتحدة كان امرا غير طبيعي حتي المبررات المطروحة لهذا الانسحاب أن المجلس يضم دولا تنتهك فيها حقوق الانسان وفقا لرأئها ، ربما يأتي هذا الموقف الامريكي اتساقا مع مواقف سابقة لواشنطون في اجهزة الامم المتحدة خصوصا في مجلس الامن لعرقلة اي قرار تتضرر منه المصالح الامريكية خصوصا ضد حليفتها اسرائيل ، وهنا يظهر تغليب الاعتبارات السياسية علي المبادئ و الاعراف من جانب الولايات المتحدة الامريكية . الانسحاب من مجلس حقوق الانسان و التهديد بمزيد من الانسحابات من وكالات و منظمات اخري تابعة للامم المتحدة أو الضغط المالي عليها بمعني ايقاف سداد حصتها المالية يمكن ان يؤثر سلبا في مستقبل المنظمة الدولية و بالتالي يمثل اعاقة لتطوير و هيلكة المنظمة لتكون اكثر فاعلية في اداء دورها ، و يتضح اضعاف متعمد للمنظمة و اقعادها عن القيام باي دور ايجابي في كثير من القضايا و الملفات ، علاقات واشنطون الخارجية تشهد تحولات كبيرة لعل أهمها ان الاتحاد الأوربي يشعر بان الاستراتيجية الجديدة للبيت الابيض تمثل تهديدا لوحدته علي الرغم من سعي الحلفاء كسب رضا و ود ترامب بشتي الوسائل ، لكن يظهر ان سياسة كسب الود لم تنجح في كل القضايا ، حتي شعر الحلفاء بخيبة امل و اصبحوا اقرب للمواجهة منهم للحوار ، و يجب الوقوف علي رد الفعل العنيف من المستشارة الألمانية ميركل بقولها ” ان اوربا قادرة علي الدفاع عن نفسها و من الواضح انه ينبغي ان نفكر في ذلك ” ، علي جانب اخر من خط الازمة نجد ان اليابان و كندا تعتقدان بان الولايات المتحدة لا تتعامل معهما باحترام خصوصا بالنظر للتاريخ الطويل من التحالف بينهما في كثير من المواقف و كمثال تجاهل الادارة الامريكية لطوكيو في ما يتعلق بالتشاور قبل القمة الاخيرة في سنغافورة ، القلق في أوروبا الان هو سعي ترامب لدعم قوي اليمين المتطرف داخل القارة و هذا الامر يسمي ” الثورة الشعبوية ” ….

اجتماع القمة الاخير بين المستشارة الالمانية ميركل و الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ، تمت مناقشة عدد من القضايا المتصلة بالتحديات التي تواجه الاتحاد الاوربي ، صحيح ان خروج بريطانيا سوف يؤثر كثيرا علي الاتحاد ، لكن تدراك الاروبين لمعالجة هذا الانسحاب مبكرا قد يقلل من تأثيره ، المانيا و فرنسا تمثلان اكبراقتصادين في الاتحاد الاوربي لذا فهما تحرصان علي تعميق التفاهم و الانسجام و التنسيق بينهما ، خاصة قبل انعقاد القمة الاوربية المقررة هذا الشهر ، لان توحيد الافكار و المواقف بالتأكيد سوف يؤثر في القرارات المرتقبة للقمة ، ناقشت قمة ميركل و ايمانويل قضية الهجرة غير الشرعية و مسائل اللجؤ الا ان اهم ما تم مناقشته هو الدعوة لإنشاء “مجلس امن الاتحاد الأوربي ” من اجل خلق فرص لتعاون وثيق و فعال عبر اتخاذ قرارات في اطار الاتحاد الاوربي او المنتديات الخارجية و تنفيذ القرارات المتخذة بصورة اكثر فعالية خصوصا في مجال السياسة الخارجية و الامن ، هذا المجلس المقترح يعبرعن مصالح الاتحاد الاوربي و هو كيان للتعامل مع الكيانات الاخري في العالم ، و هذا مفهوم اوسع بكثير من مفهوم الامن بمعناه الضيق البوليسي أو الاستخباري ، ربط هذا المجلس بالسياسة الخارجية كاولوية يؤكد ان باريس و برلين تفتحان صفحة جديدة في تعاونهما و في تاريخ الاتحاد الاوربي ويمكن لهذه التفاهمات الثنائية ان تضخ الدماء في شرايين القارة العجوزة التي انهكتها الخلافات و اقعدتها الازمات و اضعفتها التهديدات …. اعتقد ان وصول ترامب للحكم وهو المشهور بالشعبوية والعداء للاتحاد الاوربي باعتبارها تكتلا منافسا للولايات المتحدة خصوصا المانيا وفرنسا هو ما عجل باقتراح انشاء هذا المجلس. الامر الاكثر اتصالا بمجلس الامن الاوربي هو قضايا الدفاع و الامن بالمعني الاستراتيجيي ، موقف ترامب من حلف الناتو و تصريحه ” ان حلف الناتو قد عفي عليه الزمن ” وان امريكا قد انفقت كثيرا لحماية اوربا ، لذا الرئيس الامريكي يطرح فكرة ” المال مقابل الامن و الحماية ” و ان الآوان ان تدفع اوربا ثمن الحماية ، هذا الامر هاجس بالنسبة للاوروبين الذين هم حلفاء لواشنطون منذ الحرب العالمية الثانية ، هذا الرجل كان واضح في حديثه و لم يغفله بالدبلوماسية المعتادة بل اضاف ” من الصعب تبرير سبب عدم المشاركة بعض الدول في عبء تكاليف امن حلف الناتو ، في حين يستمر الجنود الامريكيون في التضحية بحياتهم في الخارج أو العودة الي منازلهم بجروح خطيرة ” ، و حتي يضع الجميع امام الامر الواقع هدد بانه قد يتوصل لاتفاق مع روسيا علي خفض التسلح النووي و بالتالي يوفر الاموال التي يدفعها للحلف ، طبعا ميركل ردت علي هذه التهديدات بان اوربا قادرة علي حماية نفسها ، يمكن ان تكون هذه الخلافات بوادر تصدع للحلف لكن علي المدي البعيد ، استشعر الاتحاد الاوربي للحاجة المتزايدة لوجود كيان يراعي مصالحه الاستراتيجية و يدافع عنه امام الابتزاز الامريكي الواضح و القوة الروسية المتصاعدة ، فامريكا ترغب في تفكيك الاتحاد الاوربي و بعد هذا تتعامل بصورة منفردة مع الدول في صياغة اي اتفاق بينهما ، و هنا سوف تكون هذه الدول في موقف ضعف مما يعني استفراد امريكا بها و من ثم وضع شروطها من منطلق قوة ، و هذا اهم الاسباب للدعوة الالمانية الفرنسية المشتركة لانشاء “مجلس امن الاتحاد الاوربي ” ….

علي ضوء ذلك كله ، فان العالم الان مقبل علي مرحلة جديدة ، فبعد الحرب العالمية الثانية بدأت حقبة القطبية الثنائية التي انتهت بتفكك الاتحاد السوفيتي و من ثم في بداية تسعينات القرن الماضي ظهر نظام القطبية الواحدة ، في الوقت الراهن بدأ تشكل نظام عالمي جديد ، تتكون اقطابه المتعدة بصورة سريعة ، فروسيا تزداد قوة و تأثيرا في كثير من الازمات و القضايا الدولية ، وجود رئيس قوي مثل بوتين يظهر طموح قيادة الكرملين في العودة بقوة للمحافل الدولية مسنودة بترسانة عسكرية قوية مما يؤهلها لاستعادة مكانتها المفقودة ، لديها قواعد عسكرية في سوريا مما يجعلها في موقع استراتيجي وسط العالم ، الان هنالك تعاون ضخم بين روسيا و العديد من الدول الافريقية جنوب الصحراء هذا الامر يعزز مكانة موسكو في المنطقة ، و بالفعل تم توقيع عدد من الاتفاقيات العسكرية ، الروس أيضا سوف يدخلون في شراكات اقتصادية في تطوير مجالي النقل و الزراعة في افريقيا ، هذا التمدد خارج روسيا هو أسلوب لتحدي العقوبات المفروضة عليها حتي يتعافي اقتصادها من تأثيرات المقاطعة المفروضة عليها بسبب الازمة الاوكرانية و احتلال جزيرة القرم ، الصين يتضاعف تأثيرها الدولي من خلال قوة اقتصادية عملاقة مسنود بعلاقات تجارية و مالية في كل انحاء العالم ، القفزات الراسية للصناعات الصينية جعلتها تنمو اقتصاديا بصورة ايجابية ، هذا النمو يرافقه تطوير للقدرات العسكرية الصينية و الامر الملفت دفع الصين لقواتها خارج الحدود و هذا امر يعني فرض نفوذ في مواقع كثيرة ،القيادة في بكين تستند الي مرتكزين اولهما القوة المادية لتمتعها باقتصاد قوي بمقومات عديدة تم توظيفها بصورة سليمة و بنجاح تام ، نجد شراكات و استثمارات ضخمة في امريكا اللاتينة و افريقيا ، الاقتصاد الصيني كان من اول الاقتصادات التي تعافت من الازمة المالية التي ضربت العالم عام 2008 ، و ثانيهما المشروع السياسي الطموح الذي يتضمن رؤية القيادة و الاهداف المراد تحقيقها واتباع اساليب مدروسة لضمان النجاح ، من الملفت للنظر ان الصين ليس لديها عداوت علي المستوي العالمي لانها لم تستخدم قوتها العسكرية للحصول علي نفوذ خارجي منذ الحرب العالمية الثانية و ليس لديها ماضي استعماري او تدخلات سافرة للهيمنة علي دول اخري ، علي جانب اخر فأن الاتحاد الاوربي يحاول التماسك اما التهديدات التي يواجهها من واشنطون و كذلك معالجة كثير من القضايا لاعضائه بمساعدة بعض الدول للخروج من الازمات المالية مثل اليونان ، و فرنسا و المانيا حريصتان علي الدفاع و التمسك بالتجربة الاوربية فهما بمثابة قاطرتان للاتحاد الاوربي لمواصلة مسيرته و تفعيل قدراته الاقتصادية في وجود دور سياسي مستقل للاتحاد الاوربي في كثير من المواقف الدولية بعيدا عن التبعية لواشنطون ، الولايات المتحدة الامريكية و هي الدولة الاقوي ، فمنذ وصول ترامب رفع شعار ” امريكا اولا ” و هذا الامر يعني بوضوح مصالح امريكا قبل مصالح اي شريك او حليف ، ترامب لا يؤمن بالتحالفات ، الاتفاق مع زعيم كوريا الشمالية كان سببا في ازدياد شعبيته و هنا تشعر بان الولايات المتحدة قد تخلصت من اكبر هاجس كان يهدد استقرارها ووجودها في جنوب شرق اسيا ، المرحلة المقبلة للولايات المتحدة الامريكية هي فرض نفوذ اكبر و الامساك بعدد من الملفات الساخنة دون اي اعتبار لاي دولة . هذا المعطيات التي ذكرتها تؤكد وتعزز الزعم بوجود تعددية قطبية في العالم الان، لكن دون ترتيب لنوع العلاقات بين هذه الاقطاب الاربعة ….

[email][email protected][/email]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..