رحلة فرانز فرديناند حول العالم

بدأ فرانز فرديناند، أرشيدوق النمسا الذي أشعل اغتياله الحرب العالمية الأولى، رحلة حول العالم عام 1892. تكشف مذكراته عن الرحلة، التي نُشرت أخيرًا، عالمًا من التناقضات، بدءًا من جزر أكلة لحوم البشر وصولاً إلى ناطحات السحاب. «شبيغل» تصفحت المذكرات.

قتل أكثر من 5 آلاف ظبي قبل أن تنهي رصاصة حياته. لقي فرانز فرديناند، أرشيدوق النمسا، حتفه في 28 يونيو عام 1914 عندما أطلق قومي صربي رصاصتَين على سيارته المكشوفة التي كانت تمر في شوارع سراييفو. قطعت إحدى هاتين الرصاصتين قصبة الأرشيدوق الهوائية، في حين اخترقت الثانية بطن زوجته، فتوفيا.
دفعت عملية الاغتيال عصر الازدهار إلى حالة من الحرب العالمية. ولكن مَن كان الرجل الذي أدت وفاته العنيفة إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى؟ يصف المؤرخون ولي عهد الإمبراطورية النمساوية – المجرية بأنه «سريع الانفجار» و{متقلب المزاج». حتى إنهم اعتبروا شغفه بالصيد (قتل 274889 حيوانًا) «مذبحة جماعية إقطاعية». لكنه وضع في الوقت عينه خططًا لإصلاحات واسعة النطاق في البلقان. لذلك أُعجب كارل كروس، كاتب وصحافي نمساوي معاصر، بهذا المدلل الملكي واستخلص أن الأرشيدوق لم يكن يعشق الحرب.
في ديسمبر 1892، أبحر فرديناند، وكان آنذاك في الثامنة والعشرين من عمره، من مرفأ تريست على البحر الأبيض المتوسط على متن السفينة «الإمبراطورة إليزابيث» في رحلة إلى أميركا الشمالية، مرورًا بالهند، رافقه فيها نحو 400 شخص، تتراوح مناصبهم بين كاهن بحري وأمين الخزانة الملكية. خلال الرحلة، دوّن الأرشيدوق أكثر من ألفي صفحة تشكّل رواية عن مغامراته التي كادت أن تنسى.
بأسلوبه القوي الأنيق، يصف الرحالة الشوارع الضيقة في عدن ورونق المحيط الهادئ الجنوبي. كذلك تسلق مكب نفايات في كلكتا ورثا النظام الاستعماري الاستغلالي الذي تعتمده القوى الغربية، ولكن عندما لمح جبال الهمالايا، بدأ يزغرد.
شعر الأرشيدوق «بخيبة أمل خلال جولته» عندما زار الغرب الأميركي مع مجموعة صغيرة من حاشيته. وكما يوضح المحرر فرانك جيربرت: «رفضت الدببة البنية أن تركض أمام بندقيته، كما كان يأمل. كذلك وضع رعاة البقر أرجلهم على الطاولة بحضوره، فضلاً عن أن التدخين كان ممنوعًا في كل مكان».
أزعج إتلاف البراري أيضًا الأرشيدوق، فكتب من فانكوفر عن «حرب الإبادة التي لا ترحم» التي تُشَن ضد «أشجار أرز وشوكران وتنوب عمرها 500 إلى 600 سنة»، وأضاف أن الأفق «كان مليئًا بالدخان والنيران، وكانت أصوات الفؤوس تُسمع في كل مكان».

الهند الشرقية الهولندية

لا شك في أن هذا العضو من نبلاء هابسبورغ لم يكن من المدافعين عن البيئة. على العكس، كان يعشق الصيد. فيما كان يقترب من ساحل الهند، راح يطلق بندقيته في الماء محاولاً قتل سمك الورنك والشفنين. لاحقًا، قضى على طيور جارحة، فيلة، دببة كوالا، حتى ظربان ولقلق وطيور أخرى «لم أعرف تصنيفها»، ووصف معركته مع إحدى سحليات الورل الضخمة في سيلان كما يلي: «اقتربت من السحلية كما اقترب القديس جرجس من التنين». قد يشعر محبو الحيوانات بالرضا حين يعلمون أنه دفع ثمن عشقه للصيد تلفًا دائمًا في طبلة أذنه.
وجد السائح الملكي في الهند خصوصاً مدى مناسبًا للصيد، فقرب دلهي، نقل حمالوه 87 خيمة، يحتوي بعضها على حمامات وأسقف ذهبية، إلى الأدغال. بعيد ذلك، رحّب حاكم نيبال البريطاني به حين وصل مع حاشية تعدّ 203 فيلة عاملة بهدف صيد النمور في سفوح الهمالايا.
عندما دعاه نظام حيدر آباد المتزين بالذهب إلى مأدبة طعام، انحنت الطاولة تحت ثقل الأطباق الغريبة. كذلك حلّقت مجموعة من الطيور الزاهية اللون من كعكة الحلوى حين قُطعت. لاحقًا، شربوا الشمبانيا في الأدغال.
ثمة أماكن أخرى لم يراعِ فيها الكاتب الدبلوماسية السياسية: فقد ظن أن الصينيين «مخادعون» وأن دراويش بومباي كسالى لا يحبون العمل. كذلك اعتبر الأبراج التي يضع فيها الباريسيون جثث موتاهم ويتركونها لتقتات بها الطيور الجارحة «مواقع للذل البشري». لكنه، عمومًا، حافظ على اللياقة في التعامل، فقد بدا مذهلاً بزيه الأبيض وعصاه الجلدية وشاربيه.
أظهر مضيفوه حفاوتهم بإقامة استقبالات ضخمة وأطلقوا الألعاب النارية على شرفه. حتى إنه تلقى ذات مرة تحية عسكرية من فرقة مدفعية في جبال اليابان. ولم يشعر الأرشيدوق بضيق الصدر إلا في جزر الملوك حين أحاط به أولاد قرويون، وراحوا يرددون «أطال الله عمره» بالهولندية. حدث ذلك في الهند الشرقية الهولندية التي تمتد حتى غينيا الجديدة.
كان بإمكان المرء أن يعيش برخاء في هذا الجزء من العالم. ففي شهر أبريل، وصل الأرشيدوق وحاشيته إلى جاكرتا، حيث اصطاد تمساحًا. بعيد ذلك، تسنت له فرصة مراقبة «سيدات هولنديات جميلات» يرتدين تنانير محبوكة في جو حار رطب. لكن الشاب الملكي لم يخفِ مدى قسوة حكم البيض لآسيا في تلك الفترة. فبين عامَي 1825 و1830، ذبح الهولنديون أكثر من 200 ألف شخص لقمع الثورة في جافا.

الكنغر وأكلة البشر

في أستراليا، اصطدم الأرشيدوق مجددًا بأعمال العنف. كان السكان الأصليون قتلوا لتوهم 31 مستوطنًا، لكن المفارقة أن هذا الضيف تعاطف معهم، فأوضح أن تصرفهم جاء انتقامًا «للطريقة القاسية» التي يُدفع بها السكان الأصليون إلى «ترك أرض أجدادهم والرحيل بكل بساطة». وأضاف أن المستوطنين تركوا خبزًا مسمومًا للسكان الأصليين «كي يقضوا عليهم».
على متن سفينته في مرفأ سيدني، أقام حفلة كبيرة حضرها نحو 500 شخص من صفوة سكان المدينة، وراح الجميع يرقصون على ألحان «الدانوب الأزرق» ليوهان شتراوس.
لكن الجانب المظلم من الحياة لفت أيضًا اهتمامه: السجون الوسخة، أوكار الأفيون، المسالخ، وأماكن الإعدام. ففي شهر يونيو، قصد مكانًا مقززًا بالفعل: كاليدونيا الجديدة التي كانت آنذاك سجنًا ضخمًا.
كان يعيش على الجزيرة نحو 8 آلاف سجين تؤويهم سكنات تضم كل منها 50 رجلاً. عندما وصل ولي العهد إلى المرفأ، راح يتأمل وجوه المساجين المكفهرة، وهم يعملون على بناء جدران الرصيف وتكسير الصخور. كان آخرون يكدون في مناجم النيكل، وإن نجح سجين في الهرب من الغابة، يقتله عادةً السكان الأصليون الذين كانوا يحصلون على مكافأة قدرها 25 فرنكًا مقابل كل هارب.
غامر الزائر أيضًا بالتوجه إلى جزيرة «نو» قبالة سواحل كاليدونيا الجديدة، حيث أقيم سجن لأشد المجرمين خطورة، وفي نهاية الزيارة، طلب من رئيس السجن تفسير استعمال المقصلة.
لا تزال رحلته تحمل الكثير من الغرائب: في السابع من يونيو، رست السفينة في أوا راها، إحدى جزر سليمان. هناك، قابل طاقم السفينة أناسًا يرتدون عقودًا مصنوعة من أسنان الكلاب وحلق في الأنف من قواقع السلاحف، وكانوا يمارسون أكل لحوم البشر كطقوس دينية.
تسلح الوفد النمساوي بالبنادق واخترق قلب الجزيرة، سائرًا عبر أدغال من أشجار النخيل والبندانوس والنبات المتسلق. في الخلاء، عقد الأرشيدوق صفقة مع «امرأة سوداء من أكلة لحوم البشر» مقابل كيس من بذور التنبول، كذلك حصل على رمح مقابل سيجارتين.
ما زال السلاح و14 ألف قطعة من هذه الرحلة محفوظة في مجموعة في متحف علم الأعراق في فيينا.

اليابان والغرب المتوحش

انتهت رحلات الصيد في الوقت الراهن على الأقل. في اليابان، لم يتمكن الأرشيدوق إلا من إطعام الأسماك الذهبية. وبدل أن يرى مساحات شاسعة للصيد، اصطدم بأمة تعاني تغييرات جذرية، بعدما تراجعت سلطة الساموراي والشوغان منذ زمن طويل. ففي عام 1853، أرغم الغرب اليابان على فتح اقتصادها للغرباء. ذكر هذا الوافد الأجنبي: «ما عدنا ننظر إلى المثل العليا، بل إلى مداخن المصانع».
رسا الأرشيدوق وحاشيته في مرفأ ناغازاكي في الثاني من أغسطس، ثم تابعوا طريقهم لرؤية تينو، إمبراطور اليابان في طوكيو، قاطعين جزءًا من المسافة في عربات يجرها أناس. اصطف جنود مسلحون على جانبي الطريق وقامت سفن حربية بدوريات عند الشاطئ. ويعود ذلك إلى أن ابن القيصر، نيكولاس، تعرض قبل سنتين لهجوم من شرطي ياباني يحمل سيفًا وقد سبب له إصابة بليغة.
لم يتلقَ الأرشيدوق الأنيق معاملة مماثلة. فلم تخزه سوى إبر رسام الوشوم. فقد وخزه 52 ألف مرة ليرسم تنينًا على ذراعه. وسم ذلك نهاية زيارته الرسمية إلى اليابان، عندئذٍ استقل ولي العرش وحاشيته سفينة بخارية متوجهة إلى أميركا الشمالية.
لاحظ هذا النبيل الفارق في الحال عندما ركب السفينة. لا شك في أن الندل كانوا يخدمونه، ولكن بدل ألحان شتراوس، راح الأرشيدوق يشتكي من «ضجيج السود». إلا أن «شابة أميركية جميلة» هوّنت الرحلة عليه بلعب كرة المضرب على سطح السفينة.
يُعتبر الجزء الأخير من الرحلة، العالم الجديد، مصدر أكثر ملاحظات الرحالة إثارة للاهتمام. وصل سليل الأسرة الحاكمة النمساوية إلى أرض الثراء السريع. بعيد نزوله إلى اليابسة في فانكوفر، حجز الزائر، وهو بعد تحت وقع صدمة قطع الغابات الشاسع هناك، رحلة بالقطار إلى الغرب المتوحش.
اندفع الحصان الحديدي بسرعة عبر البراري اللامتناهية. رأى ولي العهد غابات تموت وهنودًا غاضبين يشربون حتى الثمالة، فأثار عارهم وذلهم سخطه. صحيح أن 423 محمية كندية كانت «صالحة للزراعة»، ولكن كتب الأرشيدوق أن الحكومة الفدرالية الأميركية كانت تخدع الهنود وتعطيهم أراضي «لا قيمة لها».
علاوة على ذلك، كان دائم الانزعاج من علل العالم العصري: الفنادق التي تمنع التدخين، الناس الذين يتمتعون بطبع فظّ، والمطاعم التي تقدم طعامًا سيئًا. في منتزه يلوستون، رأى عائلات تتنزه بالعربات في الريف لأجل المتعة فحسب، ما شكّل النموذج الأولي للسياحة الترفيهية بوسائل النقل.
في نيويورك، تجوّل السائح الفضولي على طول فيفث أفنيو وبرودواي، وتأمل ما يضمانه من متاجر للملابس والحلي و{زحمة سير خانقة». في النهاية، تسلق 94 كيلومترًا إلى أعلى مبنى بولتزر الذي كان آنذاك الأطول في العالم.
من أعلى المبنى، تأمل المدينة الناشطة بسكانها الثلاثة ملايين ووقف بدهشة أمام «الدولار العظيم». كتب الأرشيدوق أن «مواطني الاتحاد» يملكون ما هو ضروري ليكونوا «أكبر من الحياة، ليكونوا أناسًا خارقين». لكن هذا الزائر مزج دومًا ثناء الولايات المتحدة مع الانتقاد. فقد قال إنها تتمتع «بروح بطولية مغامرة»، إلا أن الأخيرة غالبًا ما تزامنت «مع قسوة لا ترحم».
تعود شكواه أيضًا إلى أسباب تكتيكية، على ما يبدو. صحيح أن الأرشيدوق كان في مانهاتن، إلا أن أعدادًا كبيرة من المهاجرين راحت تتدفق عبر بوابة التفتيش في جزيرة إليس قرب تمثال الحرية. أتى كثر من هؤلاء الوافدين الجدد من مناطق جبال الألب، وقد شكّل ذلك تطورًا مقلقًا بالنسبة إلى النخبة الحاكمة في فيينا.
ولكن بخلاف هؤلاء المهاجرين، كان أرشيدوق النمسا مسافرًا من الغرب إلى الشرق، إلى موطنه القديم بأطايبه الساخنة اللذيذة وعاداته المناهضة للديمقراطية، حيث بدا له كل شيء ألطف وأقرب إلى القلب. فبعد 10 أشهر من السفر، وصل أخيرًا إلى حبيبته فيينا، مدينة وصفها بـ{الشباب الدائم». ولكن كم كان مخطئًا! فقد عاد إلى بلد كان سقوطها سيتشابك مع سقوطه.

الجريدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..